أنت الموسيقيُّ البارع بينما تركتَ الوحوش تنهش بلدك... عن عادل سلامة

الاثنين 29 يونيو 202006:16 م

توجّه المخرج الفرنسيّ رولان نورييه، إلى الموسيقيّ والملحّن عادل سلامة، أثناء إعداده للفيلم الوثائقيّ الفرنسيّ "المدرّعة وشجرة الزيتون: قصة أخرى لفلسطين"، الذي يكشف الملابسات التاريخيّة التي تمّ من خلالها إنشاء دولة إسرائيل انطلاقاً من مشروع كولونياليّ بحت. ويتحدّث في هذا الفيلم الوثائقيّ التاريخيّ ناشطون ومؤرخون وسياسيون فرنسيون وفلسطينيون من العيار الثقيل، من أمثال ألن غريش، وميشيل وارشوسكي، المناصريْن للقضيّة الفلسطينيّة واللذين يعودان لأصول يهوديّة، وليلى شهيد، ودومينيك فيدال، وغيرهم.

كان غرض نورييه الحصول على حقّ استخدام بعض المقطوعات الموسيقيّة من الملحّن الفلسطينيّ عادل سلامة، وبالتحديد من ألبومه "عودة" الصادر عام 2010، فأجابه: "إذا كان لفلسطين، فخُذْ كلّ ما شئت من موسيقاي يا صديقي". وأضاف نورييه في معرض وصفه لهذا العمل الموسيقيّ: "عدّة مقطوعات من هذا الألبوم رافقتْ الفيلم، لأنّ ألحانه على العود ذات مستوى فنيّ عالٍ وتنسجم بشكل مذهل مع كلمات الفيلم". وفي تعليقه على غياب عادل سلامة العام الماضيّ قال: " أنا غاضب ضدّ هذه الحياة التي أودت بك مبكّراً، أنت الموسيقيّ البارع، بينما تركتَ الوحوش تنهش بلدك".

وعادل سلامة ابن طولكرم في الضفة الغربية، ولد عام 1966، درس في جامعة اليرموك في الأردن وتعلّم العزف على العود من معتزّ بياتي ومنير بشير في بغداد، وكان قد بدأ بشكل منفرد "soliste" عندما كان يعيش في العالم العربيّ، وتكرّس اسمه عندما استقرّ في أوروبا بدءا من العام 1990 في لندن. وحين انتقل إلى فرنسا حصل بشكل سريع على سمعة ملحّن عود مُحترف Maitre d’Oud، ليستقر بذلك في مدينة ليون من العام 2000 حتى وفاته العام الماضي 2019.

ولعادل سلامة تجربة غنيّة في العمل الموسيقيّ المشترك، فقد عمل مع عدّة موسيقيين جاؤوا من خلفيّات موسيقيّة وثقافات متنوعّة المصادر، وعمل مع المغنيّة القديرة ذات الصوت الجسور، التي شاركته الحياة والفنّ، الفنّانة نزيهة عزّوز ذات الأصول الجزائريّة. وعمل أيضاً في الكثير من ألبوماته مع الفنان المصريّ عادل شمس الدين، وهو من أكبر عازفي الرقّ في العالم العربي. وتنهل ألحان وأعمال عادل سلامة في القسم الأكبر منها من تراث الموسيقى العربيّة، لكننا نجد أيضاً ألحاناً هنديّة وإيرانيّة وتركيّة في مقطوعاته. واستطاع إنتاج ثمانية ألبومات موسيقيّة كان أولها "صولو" الذي صدر عام 1994 في اليابان.

كان غرض نورييه الحصول على حقّ استخدام بعض المقطوعات الموسيقيّة من الملحّن الفلسطينيّ عادل سلامة، فأجابه: "إذا كان لفلسطين، فخُذْ كلّ ما شئت من موسيقاي يا صديقي"

ثمّ توالت بعدها أعماله الموسيقيّة تباعاً، ليصدر ألبومات "متوسط"، "أستاذ العود"، "كنزة"، "الطريق العربي إلى الهند"، "حفلة"، "رسالة"، و"عودة" الصادر عام 2010. وهي أعمال موسيقيّة بمستوى راقٍ ومميّز استطاع من خلالها أن يكرّس اسمه كواحد من موسيقيّي الصف الأوّل الذين لهم مساهمات جديّة في تطوير الموسيقى العربيّة في أوروبا، مازجاً بين الموسيقى العربيّة والعالميّة على اختلاف مشاربها وأنواعها. وظلّ مع ذلك غير معروف في العالم العربيّ وفي فلسطين، إلا من قبل المهتميّن في مجال الموسيقى عموماً، رغم أنّه يستحقّ بجدارة تبوّأ مكانةً خاصةً به في الموسيقى الفلسطينيّة المعاصرة، لذا فإنّ جهود التعريف به وبأعماله التي تقوم بها الناشطة الثقافيّة والشاعرة الفلسطينية سهام داوود من حيفا، تستحقّ الالتفات والتقدير في هذا المجال، وفكرة كتابة هذا المقال جاءت بعد حوار معها في هذا الشأن.

وعودةً إلى ألبومه الموسيقيّ "عودة" فإنّ ناقدة موسيقيّة فرنسيّة، إيلان أزولاي، كتبتْ تصف هذا الألبوم في مجلة تليراما الأسبوعيّة الثقافيّة الصادرة في فرنسا : "عزف تأمليّ، تغذّيه موسيقى الجاز، مع نسمات نشيطة من موسيقى الكمان، ألبوم يستحقّ انتباهنا بجدارة، وهو بلا شك، ألبوم ذو إيقاعات وألحان حميمة، جوّانية ذات إيقاع بطيء". وكان هذا الألبوم ثمرة ثلاث آلات موسيقيّة وتريّة، تتكوّن من آلة الكمان التي يعزف عليها فاليري دولاك، والغيتار فيليب روش، والعود عادل سلامة الذي كتب الألحان. والموسيقيون الثلاثة جاؤوا من عوالم ومنابع موسيقيّة مختلفة، جامعين بين ألحان قديمة وجديدة، في حوار بين ألحان منفردة، كأنّه "اتحاد رقيق ومتمرّد بين عوالم بلا حدود"، حسب قولها.

هذا الألبوم الذي أهداه سلامة لأبيه الراحل، كان ثمرة زيارته لفلسطين ومسقط رأسه طولكرم، وذهب أيضاً إلى القدس خلال زيارته القصيرة، كما جاء ذلك في الكلمة المطبوعة على غلاف الألبوم التي كتبها كاتب هذه السطور، لتقديم هذا العمل الموسيقي، بناء على طلب من الموسيقيّ نفسه، وجاءت هذه الكلمة المطبوعة على غلاف الألبوم في فقرتين بالعربيّة والفرنسيّة أقتطف منها : "هذا العمل الموسيقيّ استوحى ألحانه من حركة الناس وإيقاع الحياة في المدينة: صمت الشوارع الرهيب في الليل، واندفاع الأجساد في ممرّات السوق في النهار.

استطاع عادل سلامة من خلال مسيرته الفنيّة الطويلة أن يُدخل عوده في حوار مع آلات موسيقيّة متعدّدة مزاوجاً معها مختلف المقامات العربيّة، آلات موسيقيّية كالكلارينيت، والرقّ، والبيانو، وليس فقط الآلات الوتريّة منها

قد جمعتني أواصر الصداقة بالموسيقيّ عادل سلامة في مدينة ليون التي التقينا فيها بالصدفة، وعملنا أيامها معاً لفترة أثمرتْ عن تقديم أمسيات شعريّة موسيقيّة مشتركة بيننا برفقة ثلاث ممثّلات فرنسيّات، فانيلي دانجي، وليلى أنيس وتيريز دافيان، حيث كنّ يقرأن القصائد مسرحيّاً برفقة الموسيقى بينما كنتُ أقرأ قصائدي بالعربيّة. وأثمرتْ تلك الفترة أيضاً عن تلحين وغناء قصيدة مطلعها: "وفي القدس أمشي كبائع خبزٍ تسلّل بين البنادق والسائحيْن، كساعي بريدٍ يحمل أسماء للغائبين"، كتبتها له وقام بتلحينها وغنائها مع نزيهة عزوز في معهد العالم العربي في باريس عام 2009 ولكنّ هذه الأغنية لم تسجّل في ألبوم للأسف.

استطاع عادل سلامة من خلال مسيرته الفنيّة الطويلة أن يُدخل عوده في حوار مع آلات موسيقيّة متعدّدة مزاوجاً معها مختلف المقامات العربيّة، آلات موسيقيّية كالكلارينيت، والرقّ، والبيانو، وليس فقط الآلات الوتريّة منها. وعمل أيضاً على تلحين قصائد لشعراء مثل قصيدة "حالة حصار" لمحمود درويش، ولحّن أيضاً قصائد للشاعر المغربيّ محمد العمراوي، وهو مترجم أيضاً، ويقيم في فرنسا منذ عام 1989، ويعمل مع الكثير من الموسيقيين في فرنسا، مازجاً بين القراءة والغناء.

يقول العمراويّ الذي كانت تربطه علاقة شخصيّة مع عادل سلامة: "في سنة 2004 التقيتُ بعادل سلامة ونزيهة عزوز مع صديقنا المشترك، نصر الدين الحسني. تحدثنا كثيراً عن الشعر والأغنيّة والموسيقى، وطلب مني عادل أن أكتب له أغانيَ بسيطة تدخل بشكل تلقائيّ في ذهن المستمع، فكتبتُ له ثلاث أغانٍ صدرت في ألبوم (رسالة). وبعد تجربة عمل طويلة كانت تتداخل فيها أشكال موسيقيّة مختلفة مع موسيقيين أجانب، وحوار مع آلات أخرى مثل قيثارة فلامنكو وسيتار هندي، أراد عادل الولوج مرّة أخرى إلى شكل موسيقيّ يكون فيه المقام العربيّ المحورَ الأساسيّ، وكان العود محوراً داخل هذا المحور، والقدرة التقنيّة والصنعة الدقيقة كانتا مهمّتين جدّاً بالنسبة لعادل، فكان عليه أن يحسّ أنّ الآلة لها روحاً بشكل ما."

ويكمل العمراوي: "قد حكى لي عادل أنّه ذهب مرّة الى القاهرة وبحث لمدّة طويلة عن صانع عود كان قد سبق أن صنع آلات لرياض السنباطي وعازفين معروفين في تاريخ العود العربيّ، وأقنعه بصنع آلة فريدة له، وانتظر وصبر لمدّة طويلة قبل الفوز بها. وحين كنتُ أقرأ الشّعر معه، كنتُ أصغي كثيراُ للنوتات والصمت الذي بينها حيث يصبح العود بين أصابعه قصيدة بشكل آخر تتحاور بذكاء وحدس مع الصّوت".

وبذلك يترك لنا عادل سلامة، الراحل بصمت، الذي عدّته مجلة Songline الموسيقيّة المتخصّصة في بريطانيا كواحد من أفضل عشرة عازفي العود في العالم، والذي توارى جسده في مدينة ليون، إرثه الموسيقيّ النظيف والمُتقن، الذي كان في جانب منه حصيلة تقاطعات مع عوالم وثقافات موسيقيّة لم يتوانَ عن مواجهتها فنيّاً وإقامة الحوار معها، وفي جانب آخر حصيلة حسّه وفهمه الشخصيّ للموسيقى العربيّة ليقدّمها لنا من خلال صوته الموسيقيّ الخاص، ومن خلال ترجمته الشخصيّة لمقاماتها الغنيّة والمعقّدة التي ظلت منهلاً رئيسيّاً في عالمه الفنيّ على اختلاف مراحله. كما أنه يترك لنا اسمَه اللامع وطفلين صغيرين من صلبه، سيملأ قلبيهما حضورُه، كلّما دارت له أسطوانة موسيقيّة في البيت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard