لماذا نتذكر عنصرية أمريكا وننكر عنصريتنا في تونس؟

الجمعة 12 يونيو 202004:35 م

تابعت هذه الأيام، كغيري، التفاعل العالمي مع مقتل المواطن الأمريكي الأسود، جورج فلويد، الذي قضى على يد شرطي أبيض، في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.

بدا الأمر باعثاً على البهجة، أن تتحرك الشعوب في دول عدة من أجل التنديد بالحادثة، وبالانتهاكات المتتالية بحق أصحاب البشرة السوداء، لكن الاهتمام الكبير للشارع العربي بالقضية كان لافتاً.

إن إدانة العنصرية وتجريمها حركة يسيرة ومتاحة للجميع، لكن التخلص منها وامتلاك الحصانة ضدها هي الخطوة الأهم الأصعب والأشد تعقيداً.

إذ اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي، باختلافها، التعليقات المدينة للحادثة، والانتقادات التي التقت في مجملها تقريباً حول فكرة أن ما حدث قد عرّى الولايات المتحدة وأثبت أنها بلد العنصرية، وذلك في مشهد جعلني لوهلة أتوهم أننا المدينة الفاضلة في هذا العالم، وأن هذا النوع من التمييز يمر أمامنا كعرب للمرة الأولى.

وخامرتني، في خضم كل هذه الضوضاء، عدة أسئلة، منها: هل يعكس التفاعل العربي الذي نراه رفضاً حقيقياً للعنصرية؟ هل يمكن أن تسقط حادثة بشعة في أمريكا سجل العنصرية الحافل عربياً؟ لماذا نثور ضد المجرم والمخطئ البعيد عنا، ولا نلتفت إلى ذلك القابع في الجوار، بل حتى ذواتنا الحاملة هي الأخرى لهذه المفاهيم الظلامية؟

ليس مرد قولي هذا رفضي التعاطف مع المضطهدين في هذا العالم، ولكن المبالغة في التعاطي مع أي ملف لا تعطي انطباعاً جيداً لدى الآخر المتلقي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا لم ننجح بعد في حسمها، لا قانونياً ولا اجتماعياً.

فلا أحد بمقدوره أن ينكر بقايا العنصرية في أمريكا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال عدم الإقرار بأن مقتل جورج فلويد كان حدثاً مدوياً، لكن رغم ذلك، لا يمكننا تجاهل أن هذا البلد توصل، على الأقل، لوضع قوانين تجرم التمييز العنصري، في الوقت الذي مازالت فيه بعض الدول العربية تكافح من أجل إنهاء العبودية، هذا دون أن ننسى أشكال التمييز القائمة على الجنس واللون والطائفة والعرق المتفشية داخل المجتمعات، ولا يبدو أنها ستختفي حتى في المدى البعيد.

سأتوقف عند تونس لعدة اعتبارات، أهمها أنها البلد العربي الوحيد الذي سن قانوناً يجرم العنصرية، ولأن أبناءها لم يكتفوا بالتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بل توجهوا للقيام بمظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة، تندد بممارسات السلطات الأميركية اللاإنسانية بحق ذوي البشرة السوداء.

المظاهرات التونسية ضد مقتل جورج فلويد أتي في الوقت الذي تستمر فيه معاناة السود في تونس، إذ مازال الشارع يشكل مسرحاً لانتهاكات تكاد تكون يومية بحقهم، العلاقات الاجتماعية هي الأخرى، وخاصة مسألة الزواج، تخضع حتى اليوم لمنطق "الأبيض والأسود"

حتى هذه اللحظة تبدو الصورة براقة وتبعث على الفخر، لكن ما يجب الالتفات إليه، هو أن هذه التحركات تأتي في الوقت الذي تستمر فيه معاناة السود في تونس، إذ مازال الشارع يشكل مسرحاً لانتهاكات تكاد تكون يومية بحقهم، العلاقات الاجتماعية هي الأخرى، وخاصة مسألة الزواج، تخضع حتى اليوم لمنطق "الأبيض والأسود"، هذا فضلاً عن العمل، حيث أصحاب البشرة السوداء لا يحظون بالأولوية في التوظيف، وهناك قطاعات لا تستقبلهم.

قبل حادثة جورج فلويد، تابعت حواراً دار بين إحدى صديقاتي مع صديقتها السوداء، لا أريد الخوض في التفاصيل الكثيرة التي جرت، فقط لفت انتباهي أن هذه الفتاة تحدثت بمرارة عن استحالة ارتباطها برجل أبيض، حتى لو أحبها وطلبها للزواج، وقالت حرفياً: "أنا سوداء ولازم يكون زوجي أسود، يكفي ما عانته خالتي بسبب زواجها من أبيض، والإهانات التي طالتنا جميعاً بسبب ذلك".

حاولت التدخل وإقناعها بألا تستسلم لهذه الأفكار، عندها سالت دموعها وقالت ليس بوسعكم فهمي، ما دمتم لم تشربوا من ذات الكأس التي شربت منها، لا زالت التعليقات العنصرية تلاحقني في الشارع، من قبيل "يا كحلوشة"، وغيرها من المصطلحات التي يصعب نقلها، فقط لأنها سوداء، واعتذار الكثير عن توظيفها لذات السبب، رغم مؤهلاتها العلمية الملائمة. وجدت نفسي عاجزة عن مواصلة الحديث، فدموعها ونبرة صوتها الحزينة قالتا الكثير، فضلاً عن إدراكي مسبقاً بصدق كلامها، وأنا أعي جيداً كواليس العنصرية في بلادي.

من المشاهد العنصرية المقيتة في تونس أيضاً، أنه وفي أحد المناطق بالجنوب التونسي، يتم تخصيص حافلات لنقل ذوي البشرة البيضاء على حدة، وأخرى لذوي البشرة السوداء، لمنع أي تواصل بين الجانبين، في ظل ترفع الطرف الأول وتمسّكه بفكرة أن هؤلاء محض عبيد، هذا دون أن ننسى التمييز العنصري الذي يواجهه القادمون من إفريقيا، جنوب الصحراء، والذي دفعهم للتظاهر سلمياً منذ قرابة السنة، والتنديد بما يمارس بحقهم بسبب لون بشرتهم الداكن.

وأمام استفحال الانتهاكات، خاض السود في تونس، خاصة في السنوات الأخيرة، تحركات كبيرة، وكسروا جدار الصمت بحديثهم عما يتعرضون له من انتهاكات، مدعومين ببعض مكونات المجتمع المدني الذي أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عنهم، إلى جانب بعض وسائل الإعلام التي فضحت الكثير من الممارسات التي كانت غائبة عن شريحة واسعة من المجتمع التونسي.

 إن مسلسل التمييز العنصري مازال مستشرياً في البلاد، ويحتاج وقفات جديدة من مختلف مكونات المجتمع التونسي، ولهذا يجدر بهؤلاء الذين اندفعوا بقوة للتنديد بحادثة جورج فلويد، الالتفات بنفس الحماس لما يحدث في الجوار، هنا داخل نفس البلد

فكانت النتيجة أنه في 23 تشرين أول/ أكتوبر عام 2018، عندما صادق البرلمان التونسي على قانون يجرم جميع أشكال التمييز العنصري، وعرّف نص القانون، للمرة الأولى في تاريخ النظام التشريعي التونسي، مفهوم العنصرية، وألزم الدولة بـ"نشر ثقافة حقوق الإنسان والمساواة والتسامح وقبول الآخر بين مختلف مكونات المجتمع، وبوضع برامج متكاملة للتحسيس والتوعية والتكوين لمناهضة جميع أشكال التمييز العنصري في كافة الهياكل والمؤسسات العمومية والخاصة ومراقبة تنفيذها".

ورغم أهمية هذا الإنجاز، إلا أن مسلسل التمييز العنصري مازال مستشرياً في البلاد، ويحتاج وقفات جديدة من مختلف مكونات المجتمع التونسي، ولهذا يجدر بهؤلاء الذين اندفعوا بقوة للتنديد بحادثة جورج فلويد، الالتفات بنفس الحماس لما يحدث في الجوار، هنا داخل نفس البلد، عسى أن يتواجد لأصواتهم أثر كبير محلي قبل أن يتطلعوا للصدى العالمي.

إن إدانة العنصرية وتجريمها حركة يسيرة ومتاحة للجميع، لكن التخلص منها وامتلاك الحصانة ضدها هي الخطوة الأهم الأصعب والأشد تعقيداً، لأنها مسائل ترتبط بالتخلص من موروث ثقافي عميق أشبه بالجينات، بُني على أفكار تنتصر لمجموعة على حساب أخرى، تحت مظلة حجج واهية في الحقيقة، لكنها تكتسب قوتها بالتوريث.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard