الحرب الأهلية اللبنانية... على عين الرمانة!

الخميس 11 يونيو 202006:09 م

دوّى انفجار ضخم. 10 ضحايا سقطوا، و62 جريحاً انضموا إلى الآلاف من أقرانهم. حدث هذا في الأشرفية، في غرب بيروت، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1980.

لم يكن الأمر مستغرباً، فقد كان اللبنانيون (والفلسطينيون والسوريون) في حرب. كان شنيعاً ومؤلماً، لكن أشياء مثل هذه حدثت في الحرب الأهلية اللبنانية. الحرب هي الحرب.

نهاية الوطنيين الأحرار

انفجرت سيارتان مفخختان في معقل حزب الكتائب اللبنانية في ذلك الوقت. بضعة دقائق فصلت بين الانفجارين. وأيضاً كان ذلك مألوفاً. لكن حتى اللبناني الذي كان موجوداً حينذاك، ويعتبر نفسه شاهداً على الحرب، يحتاج إلى ذاكرة قوية لكي يقصّ ما حدث بعد أسبوع.

غضب قائد "القوات اللبنانية"، وأرسل وحدات النخبة لديه من أجل تنفيذ اقتحام "حاسم". في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 1980، وبعد خمس سنوات على بداية الحرب الأهلية، أي ثلث مدتها "الرسمية"، دخلت "القوات اللبنانية" عين الرمّانة.

بعد قتال استمر يومين، غادر رجل "حزب الوطنيين الأحرار"، إلياس حنوش، المعروف بالحنش، إلى الجهة المقابلة، وانتهى معه إرث حزبه في المنطقة.

ستبقى منطقة عين الرمّانة خط الدفاع الأول ضدّ اليسار والأحزاب الإسلامية، لكنها لن تعود معقلاً للوطنيين الأحرار في حياتها. بعد تلك المعركة تحديداً، أزال الكتائبيون، وبعضهم فعلها بامتعاض، لصعوبة تقبّل الأمر، شارات الميليشيا الأم، ووضعوا بدلاً منها شارة "القوات اللبنانية". وبعد تلك المعركة، صار بشير الجميّل قائداً لجميع الميليشيات المسيحية، إذا صارت جميعها ميليشيا واحدة.

وهكذا، بدخول قواته إليها، أعيدت صياغة أسطورة عين الرمانة التي برزت منذ أيام الحرب الأولى كـ"حصن مسيحي"، مع صعود صورة بشير نفسها. وصارت المنطقة رمزاً، مثل بشير نفسه.

ليس لأن الذبح حلال

اليوم، لم تَعُد هذه القصة مسلّية. الضحايا من الجهتين ما زالوا يحتفظون بالندوب القديمة، ولكن البوسطة التي يُخرجها اللبنانيون كل عام، من كاراجات ذاكراتهم، لم تعد نافعة، حتى لعملٍ فني.

وباستثناء الأعمال الأكاديمية القليلة، أو محاولات الأرشفة، وبعض المحاولات الفنية، لا شيء مفيداً عن عين الرمانة-الشيّاح سوى اقتراحات اجترار الذاكرة.

في الأيام الأخيرة، عندما تكرر "التلويح" باستعادة "خط التماس" نفسه، كاستعادة رمزية لصور الحرب الماثلة في الذاكرة الجماعية بأسرها، بعد خروج شباب مؤيدين للثنائية الشيعية إلى شوارع بعض المناطق الحساسة وإثارة توترات أمنية لإفشال استعادة الانتفاضة اللبنانية زخمها، واشتباكهم مع آخرين على مداخل عين الرمّانة، لم يكن ذلك مسلياً. كان عرضاً بائساً، وقد لا يخلو من أحقاد ما زالت راسخة، رغم أن الطرفين تجاوزوا الشارع بالاتجاهين.

سارة ونيفين ووالدتهما تجاوزن خط التماس القديم، عين الرمّانة-الشياح، منذ زمن لشراء الفساتين أول مرة. لم يكن اكتشافاً، مع أنه حدث منذ أكثر من عشر سنوات. الحرب عملياً انتهت منذ وقت طويل، ولكن عندما يجري الحديث عنها، يتحدث الناس كأنها حدثت أمس. علي وعماد ومحمود تجاوزوا بدورهم هذا الخط قبل أكثر من عقد، وبعد أكثر من عقد على نهاية الحرب نفسها، لشراء الكحول، ومن أجل الالتقاء بمعارف وأصدقاء. حتى هذا لم يعد جديداً، اللبنانيون يعرفونه. مع الوقت صار المرور في عين الرمانة طبيعياً.

حافلات النقل الشهيرة التي تحمل الرقم 4، وتصل بين آخر ضواحي بيروت الجنوبية، قرب الجامعة اللبنانية، في حيّ السلم، وهو يُحسب كمعقل من معاقل حزب الله، وبين شارع الحمرا، تختصر الزحمة أحياناً، وتنحرف يساراً أثناء عودتها من الجامعة الأمريكية في بيروت. تدخل عين الرمانة، من شارعها العريض، لكي تصل إلى الضاحية، من دون المكوث خلف طوابير السيارات. تمرّ الحافلة من تحت إشارة المرور الزرقاء التي كتب عليها بحروف كبيرة: "مخرج، عين الرمانة".

مادلين ودلال وأبو جورج يعبرون بدورهم لشراء اللحم من الشيّاح، وطبعاً ليس لأن الذبح "حلال"، إنما لأن كلفته أقل، مثل الخضار والفاكهة. هذا بالنسبة إلى سكان المنطقتين عادي جداً. حتى مَن يخرج منهم لمواكبة لحظات التمترس، غالباً ما يخرج للاحتفاء بفردانية يعرضها على الجماعة، عبر الاحتفاء بصور خط التماس.

الصراع على المدينة

العلاقة بين الشياح وعين الرمانة، لم تَخرُج أو تُخرَج في حياتها من إطارها اللبناني، أو السردية اللبنانية التقليدية للحرب الأهلية. مع ذلك، ينسحب على هذه العلاقة تفسير عالمة الأنتروبولوجيا الأمريكية من أصل فلسطيني ليلى أبو لغد بوضوح، بوصفها علاقة تحدث في مدينة "متنازَع عليها".

عين الرمانة كما يعرفها "الوعي اللبناني"، وغالباً العربي، من المهتمين بالحرب اللبنانية، ترتبط فقط بخط التماس الشهير والأسطوري الذي يفصلها عن الشيّاح، معقل اليسار سابقاً، والأحزاب الأخرى لاحقاً

ورغم أن الحيّ في الواقع أقلّ من مدينة، وأكثر من ضاحية، إلا أن النزاع على الذاكرة فيه يمرّ بنزاعات اقتصادية واجتماعية في داخله، تمنع الحاضر من أن يكون حاضراً. هذا ما تصفه أبو لغد بالضبط، بساحات الصراع في "جارات" المدن الداخلية، من دون أن تعزو سببه إلى الحروب أو الخلافات الأيديولوجية.

هذه "الجارات"، ولا سيما عين الرمانة والشيّاح، هي ساحات لصراع واضح بين المخططين المدينيين والمسؤولين الحكوميين في المدينة. ويتضح من تصميم الطريق، لغير المختص، كيف أن ثمة اتفاق على الحياد، لإبقاء إمكانات الاستثمار في الخلاف ممكنة. فمستديرة الطيونة التي تقود إلى المكان، وتُحسب أول نقطة إدارية في العاصمة، أي أنها لا تحسب من الضواحي حتى من الناحية الإدارية، تتفرع منها أربعة اتجاهات رئيسية: الأول، للقادمين من قصقص، أو "بيروت الغربية" بلغة الحرب الأهلية؛ الثاني باتجاه فرن الشباك وعين الرمانة في الضواحي الشرقية؛ والثالث نحو شريان الضواحي الجنوبية لبيروت التي يسيطر عليها حزب الله؛ والرابع، طريق المطار. تدور السيارات حول نفسها، وتدور المدينة حول ذاكرتها. وهكذا، لا تبقى الصور معلّقة وحسب، بل تبقى صراعات المجموعات الفرعية التي تعيش داخل الضواحي محصورةً في ما بينها.

التطور الديموغرافي

بعد سنوات كثيرة، قورِبَت الحرب اللبنانية من الزاوية السياسية ألف مرة. وباستثناء بعض الدراسات التاريخية، وأحياناً السيكولوجية، لم تُقارَب مدينة بعد الحرب وأحيائها من الناحية الأنتروبولوجية.

لوقت طويل، كان نادراً أن تكون هناك أصوات "أنتروبولوجية" في دراسات المدينة، رغم أن الأنتروبولوجيين ساهموا بجدية في دراسة مظاهر الفقر في المدينة، والهجرة والعمارة وغيرها. ولكن، في حالة عين الرمانة، ربما يجب الاستجابة لدعوات التحديث، ودراسة أنتروبولوجيا المدينة، أكثر من دراسة الأنتروبولوجيا في المدينة. ذلك أن عين الرمانة كما يعرفها "الوعي اللبناني"، وغالباً العربي، من المهتمين بالحرب اللبنانية، ترتبط فقط بخط التماس الشهير والأسطوري الذي يفصلها عن الشيّاح، في الجانب الآخر، معقل اليسار سابقاً، والأحزاب الأخرى لاحقاً.

عين الرمانة ليست منطقة مسيحية خالصة، بل فتحت أبوابها للمسلمين أيضاً، وفيها يقيم أفراد وعائلات من الطائفة الشيعية خاصةً، من دون أن توضع أمامهم عوائق، كما تفعل البلديات التي يسيطر عليها "التيار الوطني الحر" المتحالف مع حزب الله

وكأن لا وجود لهذه البقعة من العالم خارج هذا الخط، ولا حياة لأهلها إلا ضمن الحدود التي يرسمها هذا الخط. وهذا التصور النقيض للأنتروبولوجيا المدينية، يمحو حتى الحقائق السياسية محواً تاماً، لأن المنطقة نفسها لم تكن "قواتية" منذ البداية، ولم تكن كتائبية. في أواخر عام 1980، كانت موالية لكميل شمعون، ولحزب الوطنيين الأحرار. كانت حصناً من حصون هذا الحزب، وقد لجأ إليها معظم معارضي بشير الجميّل، في فترة معاركه لتوحيد بندقية الميليشيات المسيحية، خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

اختلفت الأحوال اليوم. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، عين الرمانة ليست منطقة مسيحية خالصة، بل فتحت أبوابها للمسلمين أيضاً، وفيها يقيم أفراد وعائلات من الطائفة الشيعية خاصةً، من دون أن توضع أمامهم عوائق، كما تفعل البلديات التي يسيطر عليها "التيار الوطني الحر" المتحالف مع حزب الله. أما أسباب القبول، فتحتاج إلى دراسة متخصصة قبل المسارعة في إطلاق الأحكام، وما يقوله سكان المنطقة يدلّ إلى أنهم تجاوزوا مرحلة الحديث عن "العيش مع المسلمين" منذ زمن، وأن الأمر صار مألوفاً.

لا يعني ذلك أبداً أن المنطقة لم تعد ذات أكثرية مسيحية، وأن بشير الجميّل لم يعد رمزها الأول، وإنْ كان هذا التحليل يبدو إطلاقياً للوهلة الأولى هو الآخر. ما نعرفه، هو أن التغيّرات الديموغرافية حدثت فعلاً، لكن تأثيراتها لم تحدث، وأن التغيير الاجتماعي يظهر بعد ظهور التحولات الاجتماعية والاقتصادية، حين تحل كل مجموعة محل المجموعة التالية في دوامة خارجية، وتتخذ المجموعات أشكالاً جديدة.

لم تتخذ الجماعات في عين الرمانة أو في الشيّاح شكلاً جديداً لنفسها، باستثناء محاولة الخروج عن "خط التماس" في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، تاريخ بدء الانتفاضة اللبنانية. المفارقة أن الاستنفار الحزبي جاء من الجهة الأخرى، وليس من عين الرمانة، لمنع "التقاء الساكنين". عماد، لم يعد يشتري الكحول من عين الرمانة، لأن الكحول صارت مكلفة أصلاً (تضاعف سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي إلى أكثر من ثلاث مرات مقارنةً بسعره الثابت لسنوات طويلة). ولكن الصورة التي كانت في رأسه، تغيّرت منذ سنوات. وهناك مَن يكافح أيضاً، للحفاظ على صور وتصورات مشتركة، ويدخل في عدته الشجب والاستنكار والتركيز على التذكير بجبهة لم تعد شروطها موجودة، لحربٍ انتهت، ولم تعد شروطها أيضاً موجودة.

لا يعني هذا أن الحياة زهرية، لكن الاستقطاب صار مختلفاً. وفي جولة صغيرة بين الأحياء، ستسمع ما لا يحب التلفزيون بصيغته اللبنانية الهشة والرتيبة أن يسمعه. فالتلفزيون هو الآخر خاضع لهيمنة سرديات منتهية الصلاحية. وإذا كان لا بد من حرب ذات يوم، فستكون حرباً أخرى، بشروط أخرى. ويستدعي هذا أن تجد لنفسها جبهات أخرى. وقد تؤدي إلى ما هو أسوأ. لكن تلك اللحظة التي أعطى فيها قائد القوات اللبنانية القرار، إلى وحدات النخبة، باقتحام المنطقة، لن تتكرر. وعلى أمل أن يخرج الناس من تمثيلات الحرب ومن تصوراتها، تحاول عين الرمانة بمشقة، ودون مساعدة من أحد، أن تعيش أيامها إلى الأمام، وليس إلى الوراء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard