على المصريين أن يقلقوا من تراجع قدراتهم الإستراتيجية

الجمعة 12 يونيو 202011:18 ص

حمل المشهد الليبي مفارقة لأطراف النزاع هناك. فبينما كان رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج يحتفل بانتصاراته في أنقرة، بجانب الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، كان قائد قوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر يشكو هزائمه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة.

فبعد سقوط قاعدة الوطية في يد قوات الوفاق وسقوط ترهونة والتوجه إلى سرت، عدنا تقريباً إلى المربّع صفر، بعد تراجع قوات حفتر إلى خطوط ما قبل عملية الهجوم على طرابلس في 4 نيسان/ أبريل 2019 في لعبة سيطرة وسيطرة مضادة تشارك فيها كل الأطراف في ليبيا.

للتغيّرات في المشهد الليبي انعكاسات على النظام المصري المشغول بدعم حفتر وتأمين حدوده الشرقية ومنع تركيا من المحاصصة في حقول الغاز في البحر المتوسط.

التكتيكات القتالية تحدد المسارات السياسية

تشير التغيّرات في خطوط القتال إلى تفاهمات سياسية وعسكرية لتقاسم النفوذ بين تركيا وروسيا، وهي تفاهمات في الغالب غير معلنة للجانب المصري أو الإماراتي أو للجنرال حفتر نفسه في الشرق الليبي.

فبينما رفعت روسيا يدها جزئياً عن مساندة مشروع حفتر في الغرب وخفضت عدد المرتزقة التابعين لشركة فاغنر الروسية، تركت المشير وحلفاءه وجهاً لوجه أمام تركيا التي دخلت المعركة بأدوات جديدة للحروب.

نجحت تركيا وتراجعت مصر والإمارات في معركة الغرب، مع مؤشرات على وصول الأطراف إلى حالة جمود بحيث لا يستطيع طرف أن يفرض إرادته على الآخر، وهي الحالة التي ربما ارتضى بها وسعى إليها أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لعبت التكتيكات القتالية الحديثة الدور الأكبر في الوصول إلى هذه الحالة. فقد غيّرت الطائرات المسيّرة تكتيكات الحروب بشكل كبير. على خلاف الطائرات المقاتلة التي يقودها طيارون، تستطيع الطائرات المسيرة بدون طيار أن تشنّ ضربات أكثر فاعلية بتوجيه أكثر دقة، نظراً إلى قدراتها الكبيرة على استطلاع إحداثيات الهدف وتجميع معلومات استخبارية تسهم في تقليل الخسائر الجانبية وتشل خطوط الإمداد وتحدد حركة القوات المعادية على الأرض بصورة أكثر وضوحاً.

استُخدمت الطائرات المسيرة بصورة مكثفة إلى درجة جعلت ليبيا أكبر ساحة قتال تُستخدم فيها هذه التكنولوجيا غير التقليدية في الحروب. وبينما كانت تحتدم المعركة على الأرض بين ليبيين وسودانيين وسوريين وأتراك وروس وتشاديين ومقاتلين من دول إفريقية، متوزعين على أطراف الصراع، كانت معركة السماء هي الأكثر حسماً بين الطائرات المسيرة بيرقدار تي بي 2 التركية التي دعمت حكومة الوفاق، ولونغ وينغ 2الصينية التي قدمها الإماراتيون لقوات حفتر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن القدرات التكنولوجية في التشويش والاستطلاع والتتبع التي قدّمها نظام التشويش التركي كورال، الذي تصنّعه شركة أسلسان التركية، حدّت من فاعلية طائرات وينغ لونغ بعد أسابيع من السيطرة الجوية لقوات الجنرال المتقاعد حفتر وحلفائه.

لم تستطع مصر مواكبة كل هذه التطورات بشكل كبير، ولم تنجح في تقديم دعم حاسم لحفتر في المواجهة مع تركيا، رغم السمعة الجيدة للجيش المصري كواحد من أكبر جيوش العالم، وفي منطقة الشرق الأوسط تحديداً.

سجل رقمي مدهش... ولكن

يمتلك الجيش المصري سجلاً رقمياً عسكرياً مدهشاً. فوفقاً لغلوبال فاير باور، فإنه مصنف التاسع عالمياً، بقدرات جوية تقليدية تصل إلى 1054 قطعة بين طائرات مقاتلة وهيليكوبتر وطائرات تدريب ونقل، ومع قوة بحرية متطورة تصل إلى 316 قطعة منها ثماني غواصات، وغير ذلك من القدرات العسكرية. لكنّ المعارك الليبية أظهرت أن الحروب صارت لها تكتيكات وأدوات مختلفة تعتمد أكثر على أنظمة تكنولوجية أكثر تعقيداً.

 فبينما قدّمت تركيا أدوات تشويش واستطلاع وطائرات مسيرة، وقدّمت الإمارات طائرات مسيّرة أكثر تقدماً، وقدّمت روسيا منظومة الدفاع الجوي بانتسير وشركات المرتزقة التي تقاتل في حروب هجينة بالإنابة عن الجيوش التقليدية دون تحمل نفس التكلفة السياسية للحروب المعلنة، لم تقدم مصر أي من هذا، بل ظهرت كقوة برية تقليدية تعتمد أكثر على تقديم الأسلحة والذخائر التقليدية والآليات العسكرية.

تشير التغيّرات في خطوط القتال إلى تفاهمات سياسية وعسكرية لتقاسم النفوذ بين تركيا وروسيا، وهي تفاهمات في الغالب غير معلنة للجانب المصري أو الإماراتي أو للجنرال حفتر نفسه في الشرق الليبي

ورغم أن الدعم التقليدي الذي تقدّمه مصر لحفتر ساعد على إبقائه صامداً بعد الانتكاسات التي مني بها، غير أنها أثبتت أنها لم تدخل بعد عصر الحروب غير التقليدية، فلم تطور تكنولوجيا الطائرات المسيرة ولم تعتمد عليها إلى الآن وهي إحدى نقاط الضعف الأساسية في إستراتيجية الحرب على الإرهاب في سيناء.

ففي سيناء، خلق النقص في هذه التكنولجيا حاجة مصرية للتنسيق مع إسرائيل لتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة إسرائيلية لتعقب وتتبع مطلوبين داخل العمق المصري. ونفس الأمر ظهر في عدم قدرة مصر على تقديم دعم حقيقي في معركة السماء الليبية التي خرجت فيها تركيا منتصرة في الغرب بعد أسابيع من الانتصارات الإماراتية.

أزمات الأداء الإستراتيجي المصري

رغم أن مصر صاحبة المصالح الأهم في الصراع الليبي إلا أن مشاركتها لم تكن الأكثر فاعلية في القتال على الأرض وفي السماء، ما يعكس أزمات أساسية في أدائها الإستراتيجي.

الأزمة الأولى هي أزمة قدرات. لم تزل مصر تظهر كقوة برية تقليدية غير قادرة على تحديث قدرات جوية وأرضية غير تقليدية، أو بعبارة أخرى لم تدخل بعد عصر الحروب غير التقليدية.

الأزمة الثانية هي أزمة عقيدة عسكرية وجهوزية قتالية. الجيش المصري منذ عصر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك غير راغب في المشاركة في عمليات عسكرية طويلة نسبياً، وتقتصر مشاركاته على أضيق الحدود وأقل تكلفة ممكنة مثل مشاركته البحرية غير القتالية في اليمن والتي خلقت جفاءً في العلاقات المصرية السعودية بعد أن رفعت السعودية سقف التوقعات متوقّعةً مشاركة مصرية أكبر من حيث النوع والكم في التحالف التي تقوده ضد الحوثيين.

رغم أن الدعم التقليدي الذي تقدّمه مصر لحفتر ساعد على إبقائه صامداً بعد الانتكاسات التي مني بها، غير أنها أثبتت أنها لم تدخل بعد عصر الحروب غير التقليدية، فلم تطور تكنولوجيا الطائرات المسيرة ولم تعتمد عليها إلى الآن

زعزع هذا الأمر الثقة في عبارة "مسافة السكة" التي قالها السيسي كتعهد شفوي منه بضمان أمن الخليج، وخلق أزمة ثقة في العلاقات بين البلدين.

نفس الأزمة مرشحة للظهور على استحياء مع الإمارات بعد تلميحات من أكاديميين إماراتيين مقرّبين من صناع القرار إلى ضرورة تدخل مصري أكثر حسماً وفاعلية في الحرب الليبية لمواجهة التمدد التركي.

أزمات في التكنولوجيا العسكرية

رغم أن مصر تحتل موقعاً متقدماً في تصنيف جيشها بين جيوش العالم، متفوّقةً على كل جيوش الشرق الأوسط، بما فيه الجيش التركي الذي حلّ في المرتبة 11 وفقاً لتصنيف غلوبال فاير باور، ورغم أن جيشها يهتم بشكل واضح بتنويع مصادر وصفقات التسليح، سواء من ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو روسيا أو الصين أو غيرها، ما جعله أقل اعتماداً على التسليح الأمريكي وأقل عرضة للابتزازات السياسية، إلا أن مصر لم تزل تعاني من أزمات في التكنولوجيا العسكرية الذاتية وفي التدريب والاستدامة.

فبينما تطوّر تركيا، منافستها الأولى في ليبيا وفي حوض البحر المتوسط، قدرات تكنولوجية ذاتية استخدمتها بالفعل في حروبها في سوريا وليبيا، لم تزل مصر غير قادرة على تطوير قدرات تكنولوجية ذاتية في إنتاج أو تطوير أو استدامة تسليحها.

أيضاً، لم تزل المؤسسة العسكرية المصرية تفضّل الانخراط في التصنيع المدني أو في مشاريع تنموية وسياسية داخلية أكثر من اهتمامها بتطوير تكنولوجيا عسكرية تجعلها قادرة على حماية مصالحها وتوظيف قدراتها العسكرية في استراتيجية ردع واضحة المعالم.

أظهرت المعركة في ليبيا حتى الآن أن مصر لم توظّف قدراتها العسكرية بشكل يواكب التطورات التكنولوجية للمعركة، ما يبعث ببعض القلق بشأن تراجع القدرات الإستراتيجية المصرية على الأرض رغم تفوق المؤسسة العسكرية الواضح في عالم الأرقام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard