"لسنا بدائيين"... مصريون "يتحايلون" لتحقيق المساواة في المواريث

الخميس 11 يونيو 202003:21 م

"إزاي أعتبر نفسي مميز عن أمي أستاذة القانون، أو أختي دكتورة الجامعة، فقط لكوني ذكر، المساواة في الميراث ضرورة، وحجة الرعاية الذكورية للمرأة انتفت". ربما لا يمكنك تصور أن تصدر تلك العبارات عن رجل نشأ في إحدى القبائل العربية التي تحرم النساء الإرث أصلاً، ولكن رحلة رامي طويلة جداً، رسم خطوطها والده، السيد محمد صيام، قبل أربعين عاماً.

ولد رامي، بقبيلة العييايدة في محافظة الشرقية، وكمعظم القبائل العربية، النساء لم يكنّ يحصلن على إرثهنّ خوفاً من تفتيت الثروة، وفي المقابل، كان الذكور الحائزون على إرثهن، يقدمون ما يعرف بالمواسم، وكذلك مبالغ مالية من وقت لآخر، طوال حياتهن.

يقول رامي (45 سنة): "والدي نجح في إقناع أبناء عمومته، بعد نقاشات وجلسات طويلة، بتوزيع ميراث النساء، ووزع إرث والده ووالدته بالفعل على جميع المستحقين وفقاً للنسب الشرعية، ومع التسعينيات تقريباً كان معظم نساء القبيلة بياخدوا ميراثهم".

بعد وفاة والده، اتفق رامي مع شقيقه وشقيقته وأمه، على تساوي أنصبتهم من ممتلكات والدهم وعوائدها: "ماعندناش تمن وخمس وسدس، إحنا أربعة فبنقسم على أربعة، ومابنهتمش أوي بالتعليقات على الموضوع ده لإنه شأن عائلي، لكن بنطرح الحجج المقنعة قدر الاستطاعة".

تجربة رامي امتدت لأسرته الصغيرة أيضاً، فكتب ممتلكاته مناصفة بين زوجته وابنته بعقد مشروط بوفاته، ويعرف بـ"حق الرقبة"، مضيفاً: "عندي طفلة وحيدة فلو مت ولاد أعمام بنتي هيورثوني معاها حسب الشرع، ورغم ثقتي فيهم، مش عايز أسيب حاجة للظروف".

"إحنا مش عايشين في مجتمعات بدائية، طبيعة المجتمع مبتسمحش بالرعاية الذكورية القديمة، والست دلوقتي متعلمة ومسؤولة، وتمييز الذكر في الوضع ده مش عدل"

يوضح رامي موقفه من قضية المساواة في الميراث: "إحنا مش عايشين في مجتمعات بدائية، الراجل يخلص شغله، ويعدي على إخواته البنات يشوفهم عايزين إيه ويتفضل عليهم لو معاه، طبيعة المجتمع مبتسمحش بالرعاية الذكورية القديمة، والست دلوقتي متعلمة ومسؤولة، وتمييز الذكر في الوضع ده مش عدل".

"الموضوع مش سهل، ومحتاج شجاعة في القرار، ولكني مرتاح أكتر لتطبيق مفهوم العدالة أكتر من نصها، النظام الديني مناسب للمجتمعات البدائية مش المعقدة اللي عايشين فيها"، يقول رامي.

"عقد بيع وشراء"

"حسيت إني شخص كامل مش ناقصة، باخد نص اللي أخويا هياخده، حسيت إني مسنودة بدعم أبويا وأمي أكتر حتى من اللي كتبوه ليا، واللي مبافكرش أبيعه، لكنه ساندني"، هكذا وصفت صباح محمد، المحامية القاهرية، شعورها بعد قرار والدها أن يكتب لها ولشقيقتها حقاً مساوياً لأشقائها الذكور الأربعة.

الأم كانت "مايسترو التغيير" الذي شهدته الأسرة، بعد أن اقترحت على زوجها أن يكتب لأبنائهم الستة، إناثاً وذكوراً، أنصبة متساوية من المنزل الذي يملكه، تعجب الأب في البداية، ولكنه اقتنع في النهاية بأن أبناءه لم يبذلوا جهداً فيما يملكه، ومن حقه أن يمنح كلاً منهم ما يشاء، كما أن الفتيات يحتجن للدعم والمساندة كأشقائهم، بحسب رواية صباح لرصيف22.

أبدى أحد الأبناء اعتراضه على قرار الأب، معلناً تخوفه من أن يكون هذا الإجراء "حراماً"، واعترض شقيق الأب أيضاً، ولكن الموظف بالمعاش والذي بنى بيته بجهده وحده، كان قد حسم أمره مما يملكه، فهو ليس إرثاً ولا ينطبق عليه نص شرعي أو غيره، وكتب لكل منهم عقد بيع وشراء.

تقول صباح، وهي شابة في الثلاثينيات، لرصيف22: "ماما وبابا كانوا مقتنعين إن مفيش حاجة بتسند البنت غير تعليمها وفلوسها، وأن ظروف الحياة صعبة على الكل، وده اللي ساعد بابا يتجاوز أي اعتراض وينفذ قراره.. أنا سعيدة لإنه ما سمحش إني أتظلم وأتعامل كشخص ناقص".

من خبرتها العملية كمحامية، ترى صباح أن توزيع ممتلكات الآباء بالتساوي على أبنائهم شائع في الطبقة المتوسطة المصرية، ويتم بصور متعددة، منها تسجيل الممتلكات بعقود بيع وشراء، أو تسييل الأصول الثابتة كالعقارات، أو ما يعرف بـ"حق الرقبة"، ويلجأ البعض للوصية التي تنفذ بعد الوفاة.

تنص المادة 37 من القانون 71 لسنة 1946: "تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره، وتنفذ مِن غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي، وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزون".

يواجه تنفيذ الوصية بعض العراقيل أحياناً، فإذا ما زادت قيمة الموصى به عن ثلث إجمالي الميراث تكون التوصية صحيحة، ولكنها لا تنفذ إلا بقبول الورثة، ولكن بقائها في إطار الثلث يلزم الورثة بتنفيذها، لذا تنصح صباح من يرغب في توزيع ممتلكاته على أبنائه، باللجوء لعقود البيع والشراء، لأنها أكثر حسماً من الوصية.

دار الإفتاء ترفض المساواة

رغم موقف دار الإفتاء المصرية الرافض للمساواة في الميراث، فإن أبواباً متعددة مفتوحة، وجائزة شرعاً لتحقيق المساواة بين الأبناء، يلجأ إليها الراغبون في سلوك هذا المسار، ومنها تسجيل الممتلكات للأبناء في حياة المورّث، أو الهبة بمنح أبناء دون غيرهم، أو التوصية لهم، والشرط الشرعي لكل ذلك أن يكون المقصد تحقيق مصلحة الأبناء، ورعاية الأكثر احتياجاً منهم، وألا يكون المقصد حرمان أحد الورثة من حقه الشرعي.

ترفض دار الإفتاء المصرية مجرد الاجتهاد في نصوص المواريث، وترد على سؤال حول جواز اجتهاد الفقهاء في تعديل إرث المرأة، بالقول: "الشرع الشريف هو الذي حدَّد أنصبة الميراث بنصوصٍ محكمةٍ قطعية الدلالة، لا تتغير ولا تتبدل، ولا يُتَصَوَّرُ بحال من الأحوال أن تعتريها شبهة تتسبب في تأجيل العمل بها، فهي حدودٌ حُكْمِيَّةٌ وتقسيمٌ للمنافع، لا ضرر فيها ولا عقوبة".

"أحكام الشرع في المواريث لا تتغير، ولا تتبدل" دار الإفتاء.

أما ما يخص الوصية، فدار الإفتاء تجيزها وتلزم بتنفيذها، ولا ترى ضرراً في أن يوصي الشخص لأحد الأبناء دون غيرهم وفقاً لظروفه الخاصة، وتقول: "أَلزَم الشرعُ الورثةَ بإنفاذ الوصية إذا وقَعَت صحيحةً، وجَعَلَها أحدَ الحقوق الواجبة في مال الميت بعد سداد دينه وقبل توزيع تركته".

كما تقرّ دار الإفتاء، بتسجيل الأب ممتلكاته لبناته في حياته، موضحة: "إذا قام الأب بكتابة ممتلكاته لبناته حفاظاً عليهن وخوفاً عليهن فلا مانع من ذلك شرعاً، إذا لم تنطوِ نيته على حِرمان باقي الورثة من ميراثه".

وتجوز الهبة لبعض أو أحد الأبناء دون غيرهم، وتقرها الإفتاء، معتبرة أن "الأصل المقرر شرعاً أن الإنسان حر التصرف فيما يدخل تحت ملكه، ببيعه أو هبته أو وقفه أو إجارته"، ويستحبون المساواة بين الأبناء في الهبة ولكنها ليست واجبة، استناداً لحديث الرسول: "سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِراً أَحَداً لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ".

"اتفقنا على المساواة مع أختي"

"تخيلت لو جوزها طردها من بيته ولا طلقها هتروح فين ويحصل لها إيه، ومحدش بيستحمل حد، حتى إخواتها مش هيستحملوها.. وبعدين ليه تاخد أقل مننا أصلاً"، كانت مخاوف عمر هي ما دفعته لمحاولة إقناع شقيقيه بأن تحصل أختهما على نصيب مماثل لهم من إرث والدهم.

توفى والد عمر دون أن يكتب وصية أو يتطرق لتوزيع ممتلكاته، تاركاً خلفه ثلاثة أبناء ذكور وابنة واحدة، وقطعة أرض زراعية ومنزلاً، اقتنع الأخ الأكبر بما طرحه عمر، ولكن الشقيق الثالث كان يعتقد أن حصول أختهم على إرث مساو لهم "حرام".

 "إزاي أعتبر نفسي مميز عن أمي أستاذة القانون، أو أختي دكتورة الجامعة، فقط لكوني ذكر، المساواة في الميراث ضرورة، وحجة الرعاية الذكورية للمرأة انتفت"

يقول عمر، وهو مهندس زراعي مقيم في المنصورة: "لم يكن صعباً إقناع شقيقنا الثالث، طالبناه باعتبار ما يذهب من نصيبه الشرعي لشقيقته صلة رحم، وكنا كلنا مقتنعين إن ده العدل، وحصلت أختي على نصيب مساو لنا في الأرض والمنزل.. كانت مبسوطة جداً".

يرى عمر أن ظروف نزول النص القرآني بمضاعفة إرث الذكر تغيرت تماماً، وأنها كانت مناسبة للمجتمع البدوي الذي كان يحرم المرأة من الإرث أصلاً، وكان إنجازاً حينها حصولها على نصف نصيب الذكر، ولكن ذلك كله تغير الآن، تحققت "نبوءة" الشاب الثلاثيني لاحقاً، تطلقت شقيقته، واستطاعت بإرثها أن تحصل على بيت تسكنه، وتبدأ حياة جديدة.

"حسيت إن ليا ضهر"

"اتبسطت بموافقة أخويا أكتر من قسمة الشقة بيني وبينه، حسيت إني فعلا ليا ضهر طول عمري أقدر أتسند عليه، اللي هو أخويا"، هكذا عبرت ميادة عن شعورها بعد وصية والدتها بأن يقتسم الاثنان الشقة التي تمتلكها بالتساوي، وترحيب شقيقها بالفكرة.

أوصت والدة ميادة، ابنها وابنتها بأن يحصل الأكثر حاجة منهم على عائد إيجار الشقة التي تمتلكها، كما أوصت في حال بيعها بأن يحصل كل منهم على أنصبة متساوية، ولم تلق وصيتها أي اعتراض يذكر.

تقول ميادة، وهي شابة عشرينية، لرصيف22: "ماما دايما بتعدل بيننا من وإحنا صغيرين، فمحسنيناش إن الخطوة ده غريبة أو جديدة علينا، وأخويا قال إنه كان هيعمل كدة حتى من غير وصية".

تذكر ميادة أن طريقة أسرتها في تربيتهم والمساواة بينهم دعمت علاقتها بشقيقها، حتى أنه عرض عند مرورها في وقت سابق، بأزمة صحية، أن يبيع شقته الخاصة ويأخذها للخارج بحثاً عن علاج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard