"السراج والمنبر"... الطقوس التي نقلها إلى الإسلام الصحابي ذو الأصول المسيحية

الاثنين 22 يونيو 202004:33 م

يتفق الكثير من الباحثين المعاصرين على أن حقبة الإسلام المبكر قد تأثرت بمجموعة من المفردات الأجنبية، غير العربية، والتي أسهمت فيها التأثيرات اليهودية، المسيحية والزرادشتية الوافدة على منطقة شبه الجزيرة العربية.

وإذا كانت المؤثرات اليهودية، والتي عُرفت باسم الإسرائيليات، قد وجدت طريقها للثقافة العربية المبكرة، من خلال روايات بعض علماء اليهود الذين تحولوا إلى الإسلام، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه، فإن المؤثرات المسيحية –في السياق ذاته- قد تسربت إلى الثقافة العربية عبر بوابات شتى، منها شخصية الصحابي الغامض، تميم الداري، والذي نسبت إليه المصادر الإسلامية طائفة من الأخبار العجيبة والخارقة للعادة، نتحدث عنها في هذا المقال.

إذا كانت المؤثرات اليهودية، التي عُرفت باسم الإسرائيليات، قد وجدت طريقها للثقافة العربية المبكرة، من خلال روايات بعض علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، فإن الصحابي تميم الداري ساهم في إدخال المؤثرات المسيحية 

كيف ظهر تميم الداري في المصادر التاريخية؟

ورد ذكر شخصية تميم الداري في عدد كبير من المصادر التاريخية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال "الطبقات الكبير" لابن سعد، و"أُسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير، و"سيّر أعلام النبلاء" لشمس الدين الذهبي، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر العسقلاني.

رغم الاختلاف في تعيين الاسم الكامل له، إلا أن أغلب المصادر تتفق أن اسمه هو تميم بن أوس بن خارجة، ويلقب بالداري نسبة إلى الدار، وهي بطن من بطون قبيلة لخم.

مثله مثل قومه من اللخميين، كان تميم يعتنق النصرانية، ثم أسلم وانتقل إلى المدينة المنورة مع أخيه نعيم، بعد غزوة تبوك في العام التاسع من الهجرة، وذلك ضمن وفد مؤلف من عشرة رجال من الداريين.

بحسب بعض الروايات، فإن تميم قد خرج للغزو مع الرسول، ومكث بقربه لفترة قصيرة، وارتبط اسمه بمجموعة من المناقب، إذ عُرف بالزهد والورع وبكثرة قراءته للقرآن، حتى قيل إنه قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، وقيل كذلك أنه كان يختم القرآن في سبع ليال.

كما أشيع أنه شارك في بعض الفتوحات على الجبهة الشامية، ثم انتقل ليقيم في فلسطين في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وظل بها إلى أن توفى ودفن في قرية بيت جبرين، الواقعة شمال غرب مدينة الخليل، في عام 40ه.

"السراج والمنبر": الطقوس التي نقلها تميم من المسيحية

تذكر معظم المصادر التاريخية التي تعرضت لسيرة تميم الداري أنه اعتاد السفر لمناطق متفرقة من بلاد الشام في سنين حياته المبكرة، ويرجح أنه سكن قبل إسلامه في التخوم الشامية الواقعة على حدود شبه الجزيرة العربية.

تسبب قرب تميم من الثقافة الشامية السريانية واعتناقه للدين المسيحي في نقله لبعض المفردات المسيحية الشعائرية الطقسية إلى المجال الإسلامي فيما بعد، ليلاقي استحساناً لدى المسلمين آنذاك.

قرب تميم من الثقافة الشامية السريانية من جهة، واعتناقه للدين المسيحي من جهة أخرى، تسببا معاً في عمله على نقل بعض المفردات المسيحية الشعائرية الطقسية إلى الإسلام فيما بعد، وهو الأمر الذي لاقى قبولاً واستحساناً من جانب المسلمين في تلك الفترة، وذلك على اعتبار أن الإسلام في ذلك الوقت كان لا يزال يتحسس خطواته الأولى في طريق تشكيل الأطر العامة الجامعة المحددة لثقافته الخاصة، وقد كان يرحب بالمؤثرات الوافدة من اليهودية والمسيحية تحديداً، باعتبارهما الرسالتين الإبراهيميتين الأقدم والأكثر انتشاراً.

أولى تلك المفردات المسيحية التي نقلها تميم للثقافة الإسلامية، هي ما تؤكده المصادر من أن تميم كان "أول من أسرج السراج في المسجد النبوي"، حين أحضر القناديل المضاءة بالزيت من بلاد الشام وأضاء بها المسجد.

رغم بساطة تلك المفردة، إلا أن المسلمين قد رحبوا بها، ويذكر أنها حظيت بإعجاب الرسول نفسه لما عاينها، وأنه مدح تميم وقتها: "من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه"، وذلك حسبما ورد في كتاب "الجامع لأحكام القرآن" لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي.

أما المفردة الثانية، فتتمثل في أن الداري كان صاحب الاقتراح بصناعة المنبر في المسجد النبوي، وفي ذلك يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، عن عبد الله بن عمر قوله: "إن تميماً الداري قال لرسول الله لما كثر لحمه: ألا نتخذ لك منبراً يحمل عظامك؟ قال: بلى، فاتخذ له منبراً".

ورغم الخلافاً الواسع بين المصادر التاريخية حول شخصية صانع هذا المنبر، إلا أن الأرجح أن تميم كان صاحب التصور الأولي لهذا المنبر، إذ تنقل رواية أخرى على لسانه، أنه قد وصف هذا المنبر على مثل ما شاهده في بلاد الشام.

من هنا يمكن القول إن تميماً قد نقل مفردتين في غاية الأهمية من الشعائر الكنسية إلى الإسلامي، إذ صار من المعروف بعد ذلك، أن كلاً من القناديل والمنبر من أهم مكونات المسجد عبر القرون.

نقل الصحابي تميم الداري إلى الإسلام مفردتين في غاية الأهمية من الشعائر الكنسية التي كانت معروفة في بلاد الشام، وهما القناديل والمنبر، وقد أصبحتا من أهم مكونات المسجد عبر القرون

صاحب الكتاب الانطائي الشريف

بعكس الفترة المكية من عمر الدعوة المحمدية، والتي مثلت فيها إيلياء/ بيت المقدس قبلة المسلمين التي اعتادوا أن يتوجهوا إليها في صلواتهم، فإن مدينة بيت المقدس لم تحظ بالمكانة نفسها في الفترة المدنية من الدعوة المحمدية، خصوصاً بعد أن تم تحويل القبلة إلى مكة في العام الثاني الهجري.

أهمية بيت المقدس سرعان ما ستطفو مرة أخرى إلى سطح الأحداث السياسية، زمن خلافة عمر بن الخطاب، عندما ستحاصر الجيوش الإسلامية الغازية تلك المدينة المقدسة في الثقافة اليهودية/ المسيحية، ومن ثم ستظهر حاجة ملحة للتأكيد على أهمية تلك المدينة بالنسبة للمسلمين من ناحية، كما سيكون من الضروري إبراز بشرى النبي بفتح تلك المدينة ووضعها تحت السيادة الإسلامية من ناحية أخرى.

وكعادتها في اختيار أبطال من أصحاب الماضي المرتبط بالمكان، فإن الرواية الإسلامية التي اختارت سلمان الفارسي ليصبح المبشر بفتح بلاد فارس، قد اختارت تميم الداري ليصبح بطل بشرى فتح فلسطين، وذلك بسبب أصوله النصرانية- الشامية التي لا تخفى على أحد، ومن هنا نجد أن الرواية الإسلامية تحكي أن تميماً قد طلب من الرسول أن يقطعه بيت جبرين وعينون في فلسطين، وأن الرسول قد وافق على ذلك، وكتب له كتاباً جاء فيه: "أن عينون قريتها كلها، سَهْلها وجبلها وماءها وحرثها، وكرومها وأنباطها وثمرها، له وَلِعَقِبه من بعده، لاَ يُحَاقّه فيها أحد، ولا يدخله عليهم بظلم، فمن أراد ظُلمهم أو أخَذَه منهم، فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"، وذلك حسبما ورد في كتاب الخراج للقاضي أبي يوسف.

وبحسب ما هو شائع، فإن هذا الكتاب قد عُرف بكتاب الإنطاء الشريف، وقد كتبه علي بن أبي طالب بأمر الرسول، وشهد عليه كل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، في إشارة مستقبلية لتعاقب الأصحاب الأربعة على منصب الخلافة، وكأنما كانت الشهادة على ذلك الكتاب ارهاصاً غيبياً بوقوع خلافتهم المتعاقبة للرسول.

ويذكر سليمان بن أحمد الطبراني في كتابه "المعجم الكبير"، أن تميم قد تولى إمارة بيت المقدس بعد أن استولى عليها المسلمون في العام السادس من الهجرة، وكان أول أمير مسلم على تلك المدينة المقدسة، وتسلم إقطاعه الذي بشره به الرسول قبل ما يزيد عن الخمس سنوات.

من المهم هنا أن نشير أن مسألة وقف تميم الداري قد صارت مثاراً للعديد من القصص في التاريخ الإسلامي، فعلى سبيل المثال كان الخلفاء المتعاقبون، بداية من الراشدين ونهاية بالعثمانيين، يجددون هذا الوقف على أعقاب تميم الداري، رغبة منهم في إثبات انصياعهم وخضوعهم لأمر الرسول.

ومن بين القصص المشهورة التي حُكيت عن هذا الوقف، أنه أثناء إقامة حجة الإسلام، أبي حامد الغزالي، في بيت المقدس، حكم القاضي أبو حامد الهروي بانتزاع ذلك الوقف من أيدي الداريين، استناداً إلى أن الرسول لم يكن يملك تلك الأرض عندما كتب كتابه إلى تميم الداري، وهو الأمر الذي تصدى له الغزالي وقتها، إذ قال إن ذلك الفعل كان من خصائص الرسول، وأنه لا يجوز انتزاع تلك الأرض من يد الداريين، فبقيت في أيديهم حتى اللحظة الراهنة.

تولى تميم إمارة بيت المقدس بعد أن استولى عليها المسلمون في العام السادس من الهجرة، ليكون أول أمير مسلم على تلك المدينة المقدسة، وتسلم إقطاعه الذي بشره به الرسول قبل ما يزيد عن الخمس سنوات.

القصاص الأول وصاحب حديث الجساسة

من بين النقاط المهمة المرتبطة بسيرة الداري، أنه قد عُرف بكونه واحداً من أهم القصاصين الذين اشتهروا في القرن الأول الهجري.

بحسب ما يذكر ابن حجر العسقلاني في الإصابة، فإن تميم "كان أول من قَصَّ؛ استأذن عمر بن الخطاب في ذلك فأذن له..."، وكان مجلس تميم يسبق خروج الخليفة لصلاة الجمعة.

ومن المرجح أن قصصه كانت عن الأنبياء القدامى، وتاريخ بني إسرائيل وما يتصل بذلك من معجزات وأحداث خارقة للعادة.

وقد حرصت السردية الإسلامية على إثبات أن ارتباط تميم بالقصص الكتابي قد بدأ منذ عهد الرسول نفسه، فهو الصحابي الوحيد الذي روى الرسول حديثاً له، وهذا الحديث هو الذي عُرف باسم "حديث الجساسة"، وتناقلته العشرات من كتب الحديث. كما ورد في كتاب "صحيح مسلم" للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، بخصوص حديث الجساسة، فإن الرسول قد جمع المسلمين ذات يوم، وأخبرهم بقصة حكاها له الداري، وملخص تلك القصة، أن تميم ومعه مجموعة من البحارة، من لخم وجذام، قد ركبوا سفينة وخاضوا في البحر لفترة، ثم ألقى بهم الموج على شاطئ جزيرة نائية غير معروفة، فلما نزلوا من السفينة "لقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة..."، ثم أخبرتهم أن يدخلوا لرجل ينتظرهم في دير، فلما دخلوا عليه وجدوه رجلاً عظيم الخلقة، وقد وثقت يديه ورجليه بالأغلال، فسألهم عن بعض الأشياء، فلما أجابوه قال لهم معرفاً بنفسه: "إني أنا المسيح –يقصد المسيح الدجال- وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها...".

هذا الحديث الذي ينذر بقرب خروج المسيح الدجال، كان أشهر القصص المروية عن الداري، وقد تعرض بسببه لتكذيب العديد من الباحثين المعاصرين بسبب ما يعتري تلك الرواية من خرافة ظاهرة، وأشهرهم، الباحث المصري محمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة النبوية".

صاحب الخوارق والكرامات: كليم الجن وخامد البركان

ارتبطت سيرة تميم الداري بأنواع مختلفة من الكرامات والأمور الخارقة للعادة.

سمع تميم هاتفاً من الجن يقول: "قد خَرج رسول الأُميين" فهرع من فوره إلى المدينة ليبايع الرسول إثر هذا الهاتف.

على سبيل المثال، تذكر المصادر الإسلامية أن تميماً قد تواصل مع الجن لأكثر من مرة، فبحسب ما يورده ابن سعد في الطبقات الكبير في معرض الحديث عن اعتناق تميم للإسلام، أنه خرج إلى الصحراء ذات يوم ونام فيها، فسمع هاتفاً من الجن يقول: "قد خَرج رسول الأُميين، رسول الله، وصلينا خلفه بالحَجُون، وأَسْلَمنا واتَّبَعْناه، وذهب كيد الجن، ورُمِيَتْ بالشُّهُب، فانطلِق إلى محمد فأَسْلِم..."، فيهرع تميم الداري من فوره إلى المدينة ليبايع الرسول إثر هذا الهاتف.

وإذا كان هذا الموقف قد لعب فيه الجن دوراً إيجابياً، فأن هناك قصة أخرى يظهر فيها اتصال تميم بالجن بشكل سلبي، وبحسب تلك القصة أن بعض الجن الكافر قد اختطف تميم لبضعة أعوام، وبقي هو أسيراً عندهم، حتى قدمت مجموعة من الجن المسلمين فحرروه من أسره، وانطلق هو إلى بيته ليجد امرأته قد تزوجت بعد أن ظنت بهلاكه، فذهب مشتكياً إلى الخليفة.

هذه القصة، التي ستتضخم مروياتها على مر العقود والقرون، ستصير فيما بعد واحدة من السيّر الشعبية المهمة، وستعرف باسم "قصة تميم الداري وما جرى له مع الجان وغيرهم بالتمام والكمال".

أما أهم الكرامات المنسوبة لتميم الداري والتي تواتر ذكرها في الكتب الحديثية، فهي كرامة إخماده لبركان عظيم في منطقة الحرة بالقرب من المدينة المنورة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

نقل أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة"، أخبار تلك الكرامة عن معاوية بن حرمل، فقال: "... فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم فقال: قم إلى هذه النار، فقال يا أمير المؤمنين! ومن أنا وما أنا، قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال وتبعتهما فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها!! قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير...".

وقد ذكرت روايات أخرى حادثة نار الحرة، ولكنها بالغت في تعظيم دور تميم، إذ ذكرت أنه بعد أن دخلت النار الشعب، قد "اقتحم في أثرها، ثم خرج فلم تضرّه"، وهو ما يُفهم منه أنه قد تعامل مع النار بشكل مباشر دون أن يصيبه أذى، وهو ما يتشابه كثيراً مع قصة النبي إبراهيم عندما ألقي في النار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard