"فقدنا إحساسنا بالحياة"... يوميات مضيفي/ات الطيران في الحجر المنزلي

السبت 6 يونيو 202003:47 م

مع أول شعاع الفجر تغادر سريرها، تشرب فنجان قهوتها على مهل، ترتدي ملابس العمل الأنيقة، ثم تلقي نظرة أخيرة على المرآة، وتعدل ملابسها قبل أن تنطلق نحو يوم عمل جديد.

هكذا يبدو الروتين اليومي لمضيفة الطيران جهينة مصطفى (45 عاماً)، قبل أن تضطر أخيراً للتخلّي عن هذا الروتين، وتستسلم لكسل لذيذ، يدفعها إليه الفراغ الهائل حولها، بسبب ظروف العزل العام التي فرضتها جائحة فيروس كورونا.

تعمل جهينة مضيفة في إحدى شركات الطيران في مدينة دبي الإماراتية، وقد استغرقت في هذا العمل أكثر من 22 عاماً، ممّا جعل من تأقلمها مع الحجر المنزلي مهمة شاقة.

تتذكر جهينة التفاصيل الأخيرة لعملها أثناء الدخول في مرحلة تفشي فيروس كورونا، تقول لرصيف22: "عند تصاعد الأزمة منذ منتصف فبراير، بدأت الشركة بعمل مسحات واختبارات للمضيفين والطيارين، وكنا ندخل عزلاً صحياً في بيوتنا بعد عودتنا من كل رحلة، حتى ميعاد الرحلة التالية".

"للأسف لم أحب الحياة البيتية المستقرة، وكل ما أتخيل أن هي دي الحياة اللي هعيشها بعد وصولي لسن التقاعد بفتقد السفر أكتر، فالسفر أصبح بمثابة الإدمان بالنسبة لي"

لكن شركة الطيران التي تعمل لصالحها جهينة، قررت في مارس الماضي وقف رحلاتها، وإرسال العاملين/ات إلى بيوتهم/هن، ما دفع جهينة نحو روتين حياتي جديد، لم يرق لها تماماً، كما تقول.

"أحاول الالتزام بالنوم في مواعيد ثابتة، أتناول طعاماً صحياً، قرأت كتباً كثيرة، وأمارس اليوجا بانتظام للحفاظ على لياقتي البدنية"، تقول جهينة.

لكن ما يقلق جهينة في الوقت الراهن ليس استمرار العزل المنزلي، بل ما ستمسى عليها حياة المضيفة التي أمضت أكثر من عقدين من الزمان على متن الطائرات، متنقلة بين بلدان العالم، بعد بضع سنوات.

"للأسف لم أحب الحياة البيتية المستقرة، وكل ما أتخيل أن هي دي الحياة اللي هعيشها بعد وصولي لسن التقاعد، بفتقد السفر أكتر، فالسفر أصبح بمثابة الإدمان بالنسبة لي"، تقول جهينة.

جهينة واحدة من بين آلاف العاملين/ات في قطاع الطيران، الذين/للاتي وجدوا/ن أنفسهم/نّ في مواجهة وضع استثنائي بسبب أزمة كورونا، إذ سارعت معظم دول العالم إلى فرض قيود على قطاع النقل الجوي، وركزت الحكومات على إجلاء مواطنيها العالقين في دول أخرى.

"رجل إطفاء وطبيب وضابط"

مع بداية الجائحة، خلت السماء تقريباً من رحلات الطيران التجارية، خوفاً من انتشار العدوى على نطاق واسع، لكن لازالت الحكومات تنظم رحلات بين الفينة والأخرى لإجلاء رعاياها في الدول الأخرى، ممن يرغبون في العودة إلى بلادهم.

على متن طائرة منطلقة من مطار هيثرو في لندن إلى مصر، يطفو صوت الغناء فوق التوتر الذي تخفيه صدور المسافرين، يحاول المضيف جوفاني عاطف (32 عاماً)، وباقي أفراد الطاقم، طمأنة المسافرين ومتابعة الالتزامات بالإجراءات الوقائية.

يقول جوفاني: "نقدر نقول إن مضيف الطيران هو بديل لوجود رجل إطفاء، طبيب وضابط، وهو المسؤول عن سلامة الركاب والطائرة أثناء الرحلة، ومسؤول عن التعامل مع مختلف حالات الطوارئ الوارد حدوثها".

" مضيف الطيران هو بديل لوجود رجل إطفاء، طبيب وضابط".

ويضيف جوفاني: "على متن رحلات الإجلاء يتم تنبيه الركاب بضرورة استخدام الكمامة والمطهرات، ومحاولة خلق جو هادئ لتجنب التوتر عند الركاب، نتيجة قلقهم، وخوفهم من تجربة الطيران، في ظل انتشار فيروس كورونا".

وقد فرضت جائحة كورونا ضغطاً، وحرصاً مضاعفين على عمل المضيفين، فضلاً عن اضطرارهم لارتداء القفازات والماسكات طوال فترة الرحلة.

يقول جوفاني إنه يفتقد حرية الحركة، والسفرـ وممارسة عمله دون قيود، مضيفاً أن "التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي أفقدنا إحساسنا بالحياة".

لكن هذا الوضع الاستثنائي أضاف لخبرة المضيف الذي يمارس عمله منذ أكثر من عشر سنوات، درساً مهماً، بأن "الحياة لا تستمر ولا تسير على نفس المنوال، ولذلك لابد للإنسان أن يكون مستعداً للأزمات ولمواجهاتها".

"أحن لضجيج المطارات"

على مهبط الطائرة يقف متأهباً، يتدفق الدم إلى رأسه مع تكات الساعة المضبوطة تماماً على موعد وصول الطائرة التالية، فلم يكن شيء أكثر إثارة في عمله أكثر من انتظار الطائرة، وفتح باب الطائرة مطلاً برأسه، مرحباً بالقادمين على متنها.

حتى وقت قريب كان محمد القرشي (26 عاماً)، يمارس عمله كضابط حركة في مطار شرم الشيخ المصري، بكثير من الشغف والمتعة، يعمل مع زملائه في تفقد أوراق المسافرين، تحضير الطائرة للإقلاع واستقبال الطائرات في المهبط، وهي أكثر المهام المحبب إليه، ويقول إنها تحتاج إلى درجة عالية من الانضباط والذكاء.

"كنا نستقبل ونودع 10 طائرات خلال الشيفت الواحد".

لكن كغيره من العاملين في سلك الطيران، لامس محمد تغيراً كبيراً في عمله نتيجة أزمة كورونا، على الرغم من أنه لا يزال على رأس عمله لمتابعة طائرات إجلاء الرعايا، موضحاً أن "العمل أصبح أقل ضغطاً، كنا نستقبل ونودع أحيانا 10 طائرات خلال الشيفت الواحد، لكن الآن فقط طائرات الإجلاء على أوقات متباعدة، أو نضطر للجلوس في البيت".

ويتابع محمد لرصيف22: "من لحظه بداية الأزمة، اتطبق علينا إجراءات احترازية، زي الكمامة والجوانتي، وابتدأ تعقيم الطائرات، والكشف على الركاب في الوصول والسفر".

وبرغم الخوف والقلق الذي ينتاب الطاقم وكل العاملين في المطار، لكن محمد يقول إن هناك بوادر بانتهاء الأزمة، وإعادة تنشيط المجال الجوي، وفق بروتوكولات جديدة.

يفتقد محمد، الذي يمارس عمله منذ ثلاث سنوات، ضجيج المطارات، صوت الطائرات، متابعة حركة المسافرين الحيوية، تفقد جوازات السفر وممارسة هوايته المفضلة بتخمين بلد المسافر من جواز سفره.

"تعلموا من سارس"

تعود بنا ريهام الخليفة، مضيفة الطيران السابقة في الخطوط القطرية، إلى تجربة العمل في أثناء أزمة فيروس السارس عام 2006، والتي تصفها بـ "ميني كورونا".

وتقول الخليفة، التي عملت مضيفة لنحو عشر سنوات، إن شركات الطيران إبان أزمة فيروس السارس، لم تتخذ أي إجراءات وقائية خلال الرحلات، متجاهلة تحذير سفارات بعض الدول من سفر المضيفين حاملين جنسيتها إلى الصين.

ما يقلق جهينة في الوقت الراهن ليس استمرار العزل المنزلي، بل ما ستمسى عليها حياة المضيفة التي أمضت أكثر من عقدين من الزمان على متن الطائرات، متنقلة بين بلدان العالم، بعد بضع سنوات

"أتذكر رعب طاقم الطائرة في رحلة إلى بكين في عز الأزمة، خصوصاً أن كل العاملين في المطار، من موظفين وأمن، كانوا لابسين ماسكات، وإحنا لم تسمح لنا الشركة بارتداء أي ماسكات للوقاية حرصاً على خدمة الخمس نجوم"، تقول الخليفة لرصيف22.

وتبرر الخليفة ترك الشركات للإجراءات الوقائية آنذاك، إلى أن سرعة انتشار المرض لم تكن بمستوى فيروس كورونا المستجد، إضافة إلى غياب الضغط نتيجة التعتيم على أعداد المصابين خشية التأثير سلباً على حركة الملاحة.

وترى الخليفة، أن تعامل شركات الطيران والدول مع فيروس كورونا مختلف، مع فرض إجراءات وقائية على المسافرين والعاملين على متن الرحلات.

وتدعو الخليفة زملائها من العاملين في قطاع الطيران إلى الالتزام بهذه الإجراءات الوقائية، كارتداء القفازات طوال الوقت، خصوصاً عند تقديم الخدمة للمسافرين، واستعمال كل ما يمكن استعماله لمرة واحدة والتخلص منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard