بطل الحيرة والقادسية واليرموك... الصحابي "الأسطوري" القعقاع بن عمرو التميمي

الأحد 28 يونيو 202011:56 ص

احتفظت الذاكرة العربية-الإسلامية بالعديد من القصص والروايات الممجدة لفترة التوسعات الحربية المبكرة، تلك التي خرج فيها العرب المسلمون من شبه الجزيرة العربية ليهزموا الفرس والبيزنطيين، وليفرضوا سلطانهم على أقاليم العراق والشام ومصر وبلاد فارس.

روايات كثيرة من تلك تحدثت عن الصحابي القعقاع بن عمرو التميمي، إذ ورد ذكره في عشرات المصادر التاريخية الإسلامية، على كونه محارباً شجاعاً، ساهم في فتوحات القادسية واليرموك، وجرى اعتباره بطلاً من الطراز الأول، ولمَ لا وهو الذي نُقل عن أبي بكر الصديق قوله فيه: "إن صوته في المعركة خير من ألف رجل".

مع ذلك، فإن اتجاهاً أكاديمياً علمياً معاصراً يشكك في حقيقة الوجود التاريخي لشخصية القعقاع، ويعدّه من بين الشخصيات المُختلَقة التي صنعها بعض الرواة لتحقيق أهداف سياسية وللتباهي بأصول قبيلية.

صحابي أم تابعي؟

ورد ذكر القعقاع بن عمرو التميمي في العديد من المصادر التاريخية الإسلامية، ومن أهمها كل من تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري (ت. 311هـ)، والكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري (ت. 630هـ)، والبداية والنهاية لابن كثير (ت. 774هـ).

بحسب هذه المصادر، القعقاع من رجال قبيلة بني تميم، وأسلم في وقت غير محدد، وهو أخو عاصم بن عمرو التميمي الذي تتفق الكثير من المصادر التاريخية على أنه صاحب دور كبير في فتوحات العراق.

واجتمعت المصادر في الإشادة بشجاعة القعقاع وبقوته، فوصفه ابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ) في كتابه "الإصابة في معرفة الصحابة" بأنه "كان من الشجعان الفرسان"، كما قال عنه في موضع آخر من كتابه: "قيل إن أبا بكر الصديق كان يقول لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، وله في قتال الفرس بالقادسية وغيرها بلاء عظيم".

بعض الروايات والأحاديث أشارت إلى أن القعقاع صحابي، لقي الرسول وأخذ منه الحديث، ومن ذلك الرواية التي جاء فيها أنه لما قابل الرسول، سأله الأخير: "ما أعددت للجهاد؟"، فأجابه: "طاعة الله ورسوله والخيل"، فردّ الرسول: "تلك الغاية القصوى"، حسبما ورد في كتاب "معجم الصحابة" لابن قانع البغدادي (ت. 351هـ).

ولما كانت تلك الرواية هي الوحيدة التي تذكر وقوع اللقاء بين القعقاع والرسول، فإن الباحث المعاصر سيد كسروي حسن عدّه من الصحابة الذين لم يُنقل عنهم غير حديث واحد عن الرسول، وذلك في كتابه "هدي القاصد إلى أصحاب الحديث الواحد". أما أغلبية المصادر التاريخية فلم تجزم بصحبته للرسول، ورجّح معظمها أن يكون القعقاع من التابعين.

دوره في السياسة والتوسعات الحربية

تبدأ المصادر الإسلامية في الاهتمام بسيرة القعقاع بعد وفاة الرسول مباشرة، إذ ورد في إحدى الروايات على لسانه: "شهدتُ وفاةَ رسولِ الله، فلما صلينا الظهر جاء رجل حتى قام في المسجد، فأخبر بعضُهم أن الأنصار قد أجمعوا أن يولوا سعداً (ابن عبادة)، ويتركوا عَهْدَ رسولِ الله، فاستوحش المهاجرون ذلك". وربما كان العهد المذكور في الرواية يشير إلى اعتقاد صاحبها، أي القعقاع، بالنص على خلافة المهاجرين دوناً عن الأنصار، وهو ما يُفهم منه التوجه السياسي للقعقاع، والذي سيتضح شيئاً فشيئاً مع المضي قدماً في استعراض سيرته.

بداية الظهور العسكري للقعقاع في المرويات تزامنت مع اشتعال حروب الردة، وذلك عندما أرسله أبو بكر الصديق إلى قبيلة هوازن، للإغارة على علقمة الكلبي، ففر منه علقمة، وأتى القعقاع بأهله إلى المدينة، فأعلنوا إسلامهم وتوبتهم، حسبما يذكر الطبري في تاريخه.

بعد انتهاء الردة، شارك القعقاع في الحروب التوسعية على الجبهة العراقية، ويُقال إن خالد بن الوليد لمّا حاصر الحيرة، أرسل إلى أبي بكر يستمده، فأمدّه بالقعقاع، وقال لخالد "لا يُهزم جيش فيه مثله". وسرعان ما أثبتت نبوءة الخليفة صدقها، عندما تمكن القعقاع من إنقاذ خالد بن الوليد من إحدى المكائد التي دبرها له هرمز، قائد الجيش الفارسي في واحدة من المعارك.

ويذكر ابن الأثير في الكامل أن القعقاع شارك في معركة القادسية، وكان من أبطالها، إلى درجة أن عمر بن الخطاب لما أرسل إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن أشجع فرسان القادسية، أجابه الأخير: "إني لم أرَ مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلاً".

شارك القعقاع بن عمرو التميمي في الحروب التوسعية على الجبهة العراقية، ويُقال إن خالد بن الوليد لمّا حاصر الحيرة، أرسل إلى أبي بكر يستمده، فأمدّه بالقعقاع، وقال لخالد "لا يُهزم جيش فيه مثله"

ومما يُذكر أن القعقاع هو الذي بدأ الزحف على الفرس ليلة المعركة، وأنه كان أول مَن حارب ليلاً في تاريخ العرب، هذا فضلاً عن أنه، مع أخيه عاصم، اضطلع بعبء التخلص من الفيل الأبيض الذي يقود باقي فيلة الجيش الفارسي في أرض المعركة، فلما قُتل هذا الفيل وقع الارتباك في صفوف الفرس، وفقدوا أهم وأنكى أسلحتهم على الإطلاق، ما فتح الباب واسعاً أمام انتصار المسلمين.

أيضاً، تتحدث المصادر عن دوره المهم في فتح المدائن، وتذكر أنه غنم يومها دروع وسيوف كسرى، فأرسلها إلى عمر في المدينة المنورة، وعُيّن بعدها والياً على مدينة حلوان لفترة قصيرة.

وبحسب ما تواتر من سيرته، شارك القعقاع في التوسعات على الجبهة الشامية، فقاتل البيزنطيين في اليرموك، عام 15هـ، وكان قائداً على كتيبة من كتائب المسلمين، كما أنه كان صاحب دور مهم في فتح مدينة دمشق، عندما تسلق أسوارها وساهم في فتح أبوابها، ليفتح الطريق أمام المسلمين لغزوها.

ومن بين الملاحظات المهمة التي تبدو واضحة في شخصية القعقاع كثرة الأبيات الشعرية المنسوبة إليه، والتي عملت على تخليد شجاعته والتغني ببطولاته المتفردة في الحروب والمعارك، ووصفه ابن عساكر (ت. 571هـ) في كتابه "تاريخ دمشق"، بأنه "كان أحد فرسان العرب وشعرائهم".

يُروى أن القعقاع بن عمرو التميمي شارك في معركة القادسية، وكان من أبطالها، وعندما أرسل عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن أشجع فرسان القادسية، أجابه الأخير: "لم أرَ مثل القعقاع بن عمرو، حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلاً"

ومن الأبيات الشعرية التي نُسبت للقعقاع: ولقد شهدت البرق برق تهامة/ يهدي المناقب راكباً لغبار/ في جند سيف الله سيف محمداً/ والسابقين لسنة الأحرار. كذلك قوله يوم اليرموك: أَلَم تَرَنا عَلى اليَرموكِ فُزنا/ كَما فُزنا بِأَيامِ العِراقِ/ قَتَلنا الرومَ حَتّى ما تُساوي/ عَلى اليَرموكِ مَفروقَ الوِراقِ.

وعلى عكس كثرة الأخبار عن القعقاع في زمن كل من أبي بكر وعمر، فإن الأخبار عنه في عهدي عثمان وعلي شحيحة للغاية، وكل ما نعرفه أنه تولى الحرب في الكوفة زمن عثمان، وكان من بين المدافعين عن الخليفة الثالث زمن الثورة عليه، وقيل إنه خرج لنصرته بمَن معه من أهل الكوفة، فلما عرف بخبر مقتله قفل راجعاً.

ويتحدث ابن الأثير عن الفترة الأخيرة من حياة القعقاع، وعن دوره في زمن الحرب الأهلية، فيقول بإيجاز: "شهد مع عليَّ الجملَ وغيرها من حروبه، وأَرسله علي إِلى طلحة والزُّبير، فكلَّمهما بكلام حَسَن، تقارَبَ الناسُ به إِلى الصُّلح..."، ولكن لما فشلت مساعي الصلح وقامت الحرب بين الطرفين، كان للقعقاع دوراً مشهوداً، إذ تمكن من عقر الجمل الذي حمل هودج السيدة عائشة، وأعلن الأمان للمهزومين، ووضع بذلك كلمة النهاية في تلك المعركة.

شخصية مُختلقة ومزيفة؟

رغم كل تلك الأخبار التي تحكي عن شجاعة وبطولة القعقاع بن عمرو التميمي، إلا أن اتجاهاً علمياً معاصراً قوياً يؤكد أن التاريخ الإسلامي لم يعرف شخصاً بهذا الاسم على الإطلاق، وبأن كل ما حُكي عنه ليس أكثر من أكاذيب وخيالات اختلقها بعض الرواة لأسباب سياسية وقبلية.

العلامة العراقي الشيعي مرتضى العسكري كان أول مَن قال باختلاق شخصية القعقاع، إذ اعتبر في كتابه "خمسون ومائة صحابي مختلق"، أنه لم يكن سوى شخصية وهمية، ابتدعها خيال الإخباري الشهير سيف بن عمر التميمي، عندما نسب لها العديد من القصص والأخبار في 68 رواية له.

تقول أبحاث إن شخصية القعقاع بن عمرو التميمي مختلَقة لرفع ذكر بني تميم، ومنحهم دوراً مهماً على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية، ولإزالة الآثار السلبية التي علقت بذكرى خروجهم على السلطة في زمن حروب الردة

عمل العسكري في كتابه على تتبع جميع الروايات التي ورد فيها اسم القعقاع في المصادر التاريخية، وأثبت أن جميعها رويت على لسان سيف بن عمر، كما عمل على تحليل كل رواية ليبيّن أسباب زيفها، وخرج في نهاية البحث إلى القول بأن سيفاً اختلق شخصية القعقاع ليرفع ذكر بني تميم، ويجعل لهم دوراً مهماً على مسرح الأحداث السياسية والعسكرية، وليزيل الآثار السلبية التي علقت بذكرى خروجهم على السلطة في زمن "حروب الردة"، خصوصاً وأن ديار بني تميم شهدت ظهور سجاح بنت الحارث، وهي واحدة من بين كبار مدّعي النبوة في فترة ظهور الدعوة الإسلامية.

من بين الملاحظات التي يوردها العسكري في بحثه، الصورة البطولية الأسطورية التي يظهر بها القعقاع، إذ صوّره سيف بن عمر في صورة بطل شجاع، يقاسم خالد بن الوليد في الأفضلية القيادية والعسكرية، بل وفي بعض الأحيان نراه ينصح خالد ويقوّمه ويرشده، فيسمع له الأخير وينصاع لمشورته، ومن ذلك أن خالد أفصح عن ضيقه لمّا أرسل أبو بكر الصديق إليه أن يتحوّل بجيشه من العراق إلى الشام، ظاناً أنه مسعى من عمر بن الخطاب ليحول بينه وبين تحقيق مجده الكامل في العراق، وهنا نرى القعقاع يظهر ويوبخ خالد ويقول له "ارفع لسانك عن عمر، والله ما كذب الصديق"، فيرد عليه خالد معتذراً "صدقتني فقبح الله الغضب والظنون! والله يا قعقاع أغريتني بحسن الظن".

تأييد قريش ومشاركتها لأمجادها إذن، كان الهدف الأول والأهم من وراء اختلاق شخصية القعقاع، بحسب أصحاب نظرية "أسطوريته"، فقد أظهره سيف مؤيداً لحق القرشيين في الخلافة دوناً عن غيرهم من قبائل العرب، ولكن مع الاحتفاظ بالدور المهم الذي لعبه رجال بني تميم في نشر الإسلام وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية في أقاليم العراق والشام.

ومما يرجّح زيف شخصية القعقاع بن عمرو أن الأغلبية الغالبة من علماء الجرح والتعديل اتفقوا على اسقاط سيف عن الاعتبار واعتادوا أن ينظروا إليه على كونه كاذباً وضّاعاً للحديث والروايات التاريخية، بل وفي بعض الأحيان رموه بالزندقة والكفر. ومن أهم العلماء الذين قالوا بذلك أبي زرعة الرازي (ت. 264هـ) في كتابه "الضعفاء والكذابين والمجروحين"، وأحمد بن شعيب النسائي (ت. 303هـ) في كتابه "الضعفاء والمتروكين"، وشمس الدين الذهبي (ت. 748هـ) في كتابه "الاعتدال في نقد الرجال"، وابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ) في كتابه "لسان الميزان".

ومما يدعم هذه الفرضية أيضاً أن العديد من المصادر التاريخية المتقدمة لم تشر إلى القعقاع على الإطلاق، فلم تورد له ترجمة أو تذكر له دوراً في المعارك الحربية، ومن تلك المصادر مغازي الواقدي (ت. 207هـ)، وطبقات ابن سعد (ت. 230هـ)، وتاريخ خليفة بن خياط العصفري (ت. 240هـ)، فضلاً عن صحيحي البخاري ومسلم اللذين يعدّان أهم المدونات الحديثية عند السنّة.

أما عن سبب انتشار الروايات المُختلقة عن القعقاع بن عمرو، فيمكن القول إن السبب الرئيسي في ذلك يتمثل في أن ابن جرير الطبري اعتمد بشكل واسع على روايات سيف بن عمر، فأخذها وضمها إلى كتابه تاريخ الرسل والملوك، ولما ذاع تاريخ الطبري واشتهر بين المؤرخين في ما بعد، وجدت روايات سيف طريقها إلى متون عشرات الكتب التاريخية والقصصية التي نقلت عن الطبري.

وسرعان ما تم التركيز على الروايات التي تذكر القعقاع بالذات، بسبب الطابع البطولي الأسطوري الذي اتصل بتلك الشخصية، خصوصاً أنها ألهبت خيال المقاتلين المسلمين في أرض المعارك، بالإضافة إلى أن قبيلة بني تميم انتهزت كل فرصة مواتية للتفاخر بالقعقاع ونشر قصص أمجاده الحربية للإعلاء من شأن القبيلة ككل، وإثبات أهميتها الكبرى في الفتوحات الإسلامية المبكرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard