صرَخَت "إنه معوّق" وهو قال "أنا معها"... تفاصيل مؤثرة عن حياة إياد الحلاق ولحظاته الأخيرة

السبت 6 يونيو 202012:00 م

"إنه معوّق"، صرخت مرشدته. "أنا معها"، قال إياد وهو يبكي. والجندي قتله بكل الأحوال. بهذا بدأ كل من جدعون ليفي وآلكس لوفاك تقريرهما المطوّل في "هآرتس" عن الشاب إياد الحلاق (32 عاماً) الذي قُتل دون رحمة، وعن تفاصيل شخصية حول حياته تجعل وقع الجريمة أشد قسوة.

في التالي، أبرز ما أورده التقرير عن حياة إياد انطلاقاً من حادثة قتله، كما نقل الكاتبان عن عائلته ومرشدته ومن عايشه.

توسلت مرشدة إياد الجنود كي لا يقتلونه وهي تشرح لهم حالته، بالعبرية والعربية. لكن النار اخترقت لثلاث مرات جسد إياد عن مسافة قريبة، بينما كان مذعوراً وهو ملقى في غرفة لحاويات القمامة كان قد ركض للاختباء فيها.

غرفة القمامة تلك موجودة في البلدة القديمة في القدس، على مسافة قريبة من باب الأسباط، وللمفارقة فهي تقع في بداية طريق الآلام حيث سار المسيح إلى المكان الذي صُلب فيه، وهو معروف بشارع الملك فيصل الآن. لا قدسية المكان، ولا كون إياد من ذوي الاحتياجات الخاصة شفعا للشاب الذي يعاني من التوحد والذي كرّس والداه حياتهما لعلاجه والعناية به.

كان يخاف من الدماء: كانت والدته تتولى حلاقة ذقنه كي لا يجرح نفسه، فكل خدش كان يصيبه بالذعر، كما تقول. كان يخاف كذلك من رجال الأمن المسلحين الذين كانوا يقفون على الطريق المودية إلى المؤسسة التعليمية التي يرتادها. كانت معلمته هناك قد دربته على السير بمفرده، وقد استغرقه الأمر شهراً حتى تجرأ على السير لحوالي كيلومتر تقريباً من بيته في وادي الجوز إلى المؤسسة.

في الأيام الأولى التي بدأ فيها إياد بالذهاب إلى هناك، وقفت معه مرشدته قرب مكان تواجد رجال الأمن، وشرحت له بأن لا داعي للخوف منهم فلن يقوموا بإيذائه، كما أوضحت لهؤلاء حيثيات ظروف إياد.

خلال ست سنوات، بقي الأخير يمر من أمام رجال الأمن دون مشاكل على ما يبدو، بينما يحمل في جيبه بطاقة المؤسسة المكتوب عليها باللغتين العبرية والعربية وضعه، مع أخرى من "مؤسسة التأمين الوطني" التي تثبت إعاقته بنسبة مئة في المئة.

تفاصيل اللحظات الأخيرة

يوم السبت الماضي، ترك إياد المنزل بعد الساعة السادسة صباحاً بقليل. ومع أن الدروس في المؤسسة تبدأ عند الساعة السابعة والنصف، لكن إياد كان يفضل الوصول باكراً من أجل تحضير المطبخ قبل البدء بدروس الطبخ. الأسبوع الماضي، كانت المرة الأولى في حياته التي يقوم بنفسه بتحضير سلطة الخضروات لوالديه، إذ قام بتقطيع البصل والبندورة بمفرده ثم أضاف الزيت. عن تلك السلطة، قال والده، خيري، إنها ألذ ما تذوقه في حياته من سلطات.

تلك كانت من الأمور التي أظهرت حب إياد للمؤسسة، والذي ظهر كذلك في فترة الإغلاق بسبب كورونا، إذ اضطرت والدته لاصطحابه إلى هناك مرات عدة ليتأكد بنفسه أنها مقفلة. في يومه الأخير، شرب إياد الشاي وأكل سندويشاً أعدته والدته له، استحم وارتدى ملابسه وخرج من المنزل وهو يحمل كيس نفايات ليرميه في سلة القمامة، وهو أمر اعتاد القيام به كل صباح.

قبل الساعة السادسة بقليل من ذلك اليوم، خرجت مرشدة إياد، وردة أبو حديد، من منزلها متوجهة بدورها إلى المؤسسة. عند الساعة السادسة وعشر دقائق مرت من أمام الجنود، وبعد سيرها مئة متر تقريباً، سمعت صراخاً وراءها وعبارة "إرهابي، إرهابي"، بعد ذلك سمعت صوت طلقات. ركضت باتجاه غرفة القمامة من أجل الاختباء، بعدها دخل إياد إلى الغرفة في حالة ذهول، ثم سقط على الأرض.

رأت وردة تلميذها على الأرض وهو ينزف من إصابة في قدمه على ما يبدو، ثم أخبرت لاحقاً أن إياد كان ملقى لثلاث أو خمس دقائق وهو مصاب قبل قيام الجنود بإطلاق النار عليه وقتله. في تلك الأثناء كانت تصرخ بأنه "معوّق" وهو يكرر "أنا معها"، محاولاً الإمساك بها كأمل أخير. ولا يصعب تخيّل ما كان يدور في ذهنه بينما ركض ثلاثة رجال أمن إلى الغرفة وراءه وهم يسألونه "أين البندقية؟ أين البندقية؟".

يوم مقتله، ترك إياد المنزل بعد السادسة صباحاً بقليل. ومع أن الدروس في المؤسسة تبدأ عند السابعة والنصف، لكنه كان يفضل الوصول باكراً من أجل الاستعداد لدروس الطبخ. الأسبوع الماضي، كانت المرة الأولى التي يقوم فيها بتحضير سلطة خضروات لوالديه. قال والده إنها ألذ ما تذوقه في حياته... 

أصرت وردة على الشرح بأنه لا يملك سلاحاً، وبحوزته فقط القناع المطلوب وضعه بسبب كورونا مع الكفوف، لكن الرصاصة التي اخترقت جسد إياد كانت أقوى من التبريرات.

بعد ذلك، وصلت قوات كبيرة من حرس الحدود، بينما صوّبت شرطية بندقيتها إلى رأس المرشدة، ثم فتشتها. لاحقاً، وفي غمرة ذهولها، سيقت وردة إلى مركز الشرطة حيث أُمرت بخلع كل ملابسها تقريباً بحثاً عن قطعة السلاح المزعومة ثم احتجزت لساعات عدة قبل الاتصال بمديرة المؤسسة، والسماح لها بالمغادرة على أن تحضر إلى التحقيق في وقت آخر.

حلم إياد

"متى تنوون القيام بالجنازة"، هكذا علم والد إياد بوفاة ابنه عندما اقتحم رجال الأمن المنزل لتفتيشه. قبل ذلك، كان قد تلقى اتصالاً من المؤسسة يبلغه بإصابة ابنه في رجله، وحين حاول مع زوجته مغادرة المنزل، منعهما رجال الشرطة الذي كانوا قد حضروا على الفور. أما شقيقة إياد التي حاولت الإمساك بذراع شرطي كان يفتش المنزل بطريقة فظة، فسمعت من الأخير بشكل عنيف عبارة: "لو كنتِ شاباً لكنت أشبعتك الآن باللكمات".

والد إياد رجل لطيف عمره 64 عاماً، وهو عاجز نتيجة إصابة عمل سابقة. عيناه تملؤهما الدموع وهو يحكي قصة ابنه. ولإياد شقيقتان ديانا (35 عاماً) وجوانا (34 عاماً). في المنزل، غرفة إياد الضيقة مرتبة ونظيفة، فيها سريره المغطى ببطانية لونها بني، وجهاز تلفاز على الحائط وعدد من زجاجات العطور الرخيصة التي كان إياد يحبها جداً، موضوعة قرب زجاجة التعقيم، حسب التعليمات. بحسب عائلته، حرص إياد  بشكل كبير على مظهره. يقول والده: "أنا لا أرتدي ملابس جميلة مثله ولا أملك هاتفاً محمولاً مثله".

والدة إياد لا تزال مقتنعة بأنه سيعود. "أخذوا إياد، أنا أريد إياد، متى يعود؟ متى؟ متى؟ أقف كل يوم على الباب، فربما يطل". تقول: "32 عاماً ربيته فيها خطوة بخطوة. استثمرت فيه الكثير، صحتي تضررت. كل من اعتنوا به قالوا لم يكن هناك أي فلسطيني تمت العناية به بهذا الشكل، لكن أنتم تعتقدون أنه كان قمامة. لهذا السبب قُتل".

بدأت مخاوف الوالدين على إياد مذ كان في الثانية من عمره. لعامين إضافيين، اصطحباه لأطباء كثر، حتى تم تشخيص إصابته بالتوحد. في البداية، أدخلاه إلى مدرسة خاصة عادية، لكن لم يتم استيعابه. أما السنوات الست التي قضاها في المؤسسة العلاجية الخاصة فكانت الأفضل في حياته، حسب قول والديه. وعندما لم يكن يذهب إلى هناك، كان يتوجه في الصباح لشراء الكعك المقدسي مع السمسم للعائلة، لم يكن يتحدث للغرباء لكن مع الأشخاص الذين يعرفهم جيداً كان يحب الحديث والضحك.

"أحببناه بقوة"

"يحتاج إلى وقت طويل كي يعتاد عليك"، يقول والده. وفي غرفته، كان يشاهد الكثير من أفلام الكرتون كميكي ماوس وتوم أند جيري، بينما تقول أمه إنه لم يكن يركز عليها بل يحدق فقط. "كان طفلاً ذي عامين"، بحسب الأم أما الوالد فيقول: "كان بعمر 32 لكنه بذكاء ابن ثماني سنوات".

حلم إياد كان بأن يعمل مساعداً لشيف في المطبخ، وهو حلم عززته المؤسسة حيث كان يتدرب على إعداد الطعام ثم يقوم مع رفاقه بتوزيعه على أطفال آخرين من ذوي الاحتياجات أيضاً.

في خيمة العزاء، كان يجلس صديق لإياد يرتدي معطفاً ثقيلاً في جو حار. يقول والد إياد: "طرحت عليّ الكثير من الأسئلة والآن دوري، أريد أن أسألك، أنظر إلى ذاك الشخص، هل يمكنك أن ترتدي معطفاً في هذا الجو؟ ماذا ترى في شخص يرتديه الآن؟ والآن إذا أحضرت طفلاً صغيراً بمعطف، ماذا سترى؟ طفل. طفل مريض. هذا ما رآه رجل الأمن الذي قتل إياد".

"يحتاج إلى وقت طويل كي يعتاد عليك"، يقول والد إياد الحلاق. في غرفته، كان يشاهد الكثير من أفلام الكرتون.  بحسب والدته، "كان طفلاً ذي عامين"، أما والده فيضيف: "كان بعمر 32 لكنه بذكاء ابن ثماني سنوات"

​في الليلة التي سبقت قتل إياد، طلب والداه منه ألا يذهب في الغد إلى المؤسسة، لكنه أصر. وكعادة الوالدين، قالت الأم إن إحساساً سيئاً انتابها في تلك الليلة. "شاهدنا الشرطي في الولايات المتحدة الذي قام بالقتل. وهو الآن معتقل. وماذا في إسرائيل؟ على الأقل سيأخذ 25 سنة. هم قتلوه وكأنه ذبابة".

أما قريب إياد الذي يحضر رسالة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية فيقول: "هل يمكننا التظاهر الآن ضد ما حصل؟ أحرقوا مقراً للشرطة في الولايات المتحدة. لا نريد أن نحرق شيئاً، لكن هل يمكننا التعبير عن غضبنا؟ سيطلقون الرصاص الحي علينا".

ومن منزل إياد، كانت المؤسسة تبعد عشرات الأمتار. هناك بوابة كهربائية وزجاج مصفح لحماية الموجودين. المديرة منار الزماميري قالت إن مؤسستها تعتني بحوالي مئة طالب، جميعهم فوق الـ21 عاماً. وللمؤسسة ثلاثة فروع تضم نحو 400 طالب.

حتى يوم السبت الماضي، إياد كان واحداً منهم. عنه قالت المديرة: "كان لطيفاً جداً، وأحببناه بقوة. أما والدته فهي امرأة قوية، مقدسة". خلال هذا الأسبوع، حاولت المديرة أن تشرح للموجودين في المؤسسة تفاصيل قصة إياد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard