هل هناك نص عصي على الترجمة؟ II مقامات الحريري بقلم كوبرسون

السبت 6 يونيو 202001:08 م

نثَرَ الجوُّ على الأرْضِ بَرَدْ              أيّ دُرٍّ لنحورٍ لو جَمَدْ

ذاتِ قطرٍ داخلٍ جَوْفَ الثرى           كحياةِ الروحِ في مَوتِ الجَسَد

(ابن حمديس)

كيف يمكن لمترجم إنكليزي أن يفهم دوافع شاعر عربي لوصف محبوبته بالبرَد والمطر وبالأخص إذا ما فكر في أن قصيدة شيكسبير "هل أشبهك بيوم صيفي؟ لكنك أكثر جمالاً وأكثر هدوءاً" وضعت معياراً جمالياً أكثر دفئاً.

النص العصي على الترجمة يعني "عدداً لا نهائياً من الترجمات المختلفة للنص نفسه"... محاولة تجريبية إبداعية جرئية لترجمة المقامات

ماذا لو قلنا إن الشاعرين قصدا ذات المعنى، وأن الحياة التي يحملها صيف لندن إلى المدينة الضبابية عند شيكسبير شديدة الشبه بالحياة التي يحملها الشتاء لصحراء نجد القائظة عند ابن حمديس، هل يبدو منطقياً عندها أن يستبدل المترجم الشتاء بالصيف كي يقرب المعنى إلى أذهان قرائه؟ أو بالأحرى أن يخلق نسخة أخرى تجعل المعنى يبدو أكثر طبيعية لجمهور ناطق بالإنكليزية؟

 ربما يمكن أن نجد الإجابة في الترجمة الفريدة لمقامات الحريري بعنوان "الاحتيالات" والتي قدمها مايكل كوبرسون، أستاذ الأدب العربي في جامعة كاليفورنيا وعضو لجنة تحرير المكتبة العربية في جامعة نيويورك بأبو ظبي LAL، ضمن سلسلة "مكتبة الأدب العربي" التي تكرس إصداراتها للتراث العربي بشكل رئيسي. وفي تجربة حاول أن يثبت فيها أن النص العصي على الترجمة يعني "عدداً لا نهائياً من الترجمات المختلفة للنص نفسه" وربما حمل عمل كوبرسون رسالة مفادها أن "الأمانة للنص الأصلي" قد تقتضي تبديل القطر بيوم صيفي دافئ.


مقامات كوبرسون

يقدم الكتاب ترجمة لمقامات محمد الحريري البصري (1122-1054) التي تتضمن أسلوباً مطوراً من فن السرد العربي عن طريق السجع والشعر والنثر بطريقة تفرط في توظيف المحسنات البديعية وتظهر تعدداً بلاغياً يبرز السخرية والطرافة على لسان الشخوص الأدبية من خلال أحداث حياتهم اليومية. تتألف المقامات من خمسين حكاية قصيرة منفصلة متصلة يرويها رجل يدعى الحارث بن همام. وتدور الأحداث التي شهدها بنفسه حول رجل متجول يدعى أبو زيد السروجي، ترك حرفة الأدب حين ضاقت به الأحوال وبدأ يجوب البلاد محتالاً على الناس في سبيل ابتزاز المال والحصول على العطايا مستفيداً في ذلك من صنعته اللغوية.

يظهر السروجي في النص كشخصية لا تتمتع بمصداقية، فنراه دائماً ما يسخر براعته في الكذب والاحتيال في مغامراته التي يخوضها، فمرة يزعم أنه ملم بالطب وفي أخرى يتظاهر بأنه أعمى، أو يتآمر مع ابنه ليكذبا على قاض في مدينة ما. وتذكر مقدمة الناشر أنه "في كل مغامرة، يظهر نفسه على أنه عالم كلمات لامع، يؤلف الشعر والألغاز"، ولهذا تحمل نسخة كوبرسون عنوان "الاحتيالات" في إشارة من المترجم إلى فعل التنكر والتلاعب اللغوي الذي يقوم به أبو زيد. وهو نفسه ما صعب مهمة المترجم في مجاراة النص العربي بأدواته اللغوية ورشاقة تنقله بين القوافي والإيقاعات المختلفة للسجع والشعر.

كيف يحاكي كوبرسون بلاغة الحريري؟

على الرغم من وجود ترجمة حرفية سابقة لمقامات الحريري قدمها توماس تشينري وفرانسيس شتاينكس منذ عام 1867، إلا أن الكتاب لم يلق شعبية بين جمهور القراء باللغة الإنكليزية. ولهذا قرر كوبرسون خوض هذه التجربة بشكل مختلف، كما يذكر في مقابلة إذاعية له: "تخيلت أن الحريري يقول لي: لقد استعرضت كل إبداع اللغة العربية في كتابي هذا، وفي ترجمته عليك أن تستعرض كل إبداع اللغة الإنكليزية، وإذا فشلت في ذلك فاعلم أن ترجمتك فشلت أيضاً". فبدأ بتجربة ما أسماه "أغرب ممارسة على الإطلاق" معتمداً على العودة إلى نصوص إنكليزية تتشابه في المضمون والحس الفكاهي مع نص الحريري ليستعين بألفاظها في الترجمة إلى الإنكليزية. كتلك القصة التي استعان فيها بأعمال الكاتبة المسرحية أفرا بين من القرن السابع عشر وأشهرها مسرحية "المتجول" ليتأكد من استخدامها لنفس الألفاظ في ترجمته ولألفاظ أخرى ترادفها، فانتهى به الأمر إلى "الحصول على ما أراد الحريري قوله بألفاظ أفرا بين" التي أعاد كوبرسون تنسيقها على حد قوله. ويذكر أن ما دفعه لهذا هو ملاحظته للتشابه بين عقليتها وعقلية الحريري في توظيف التراكيب اللغوية لإبراز حس السخرية والفكاهة، وفي مراجعته لنتائج هذه التقنية "الغريبة" وجد أن التجربة قد نجحت فعلاً. كما استعان بمعجم لمصطلحات اللغة العامية من لهجات إنكليزية متعددة كلف بوضعه طلاب اللغويات في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس.

أما بالنسبة للألغاز اللغوية والتلاعب اللفظي في نص الحريري كالجناس والطباق وغيرها من التراكيب اللغوية، فقد سعى إلى صياغتها على شكل أحاجي الكلمات المتقاطعة باللغة الإنكليزية وأرفقها بحواشي الكتاب كي يعيد تجسيد تجربة المقامات بشكل متكامل في ترجمته لها. وفي حديث خص به رصيف22 أخبرنا أنه استند في مقاربته هذه "على الخصائص المميزة لمقامات الحريري، ولن أقوم بتطبيقه على نصوص أخرى، حديثة أو تراثية، إلا في حال اعتمدت أيضًا بالتلاعب اللفظي، وحتى في تلك الحالة قد أتبع طرقاً أخرى تتناسب بشكل أكبر". وعن الصعوبات التي قد يواجهها المترجم في العمل على نص تراثي أشار كوبرسون إلى أن "الفجوة بين النصوص التراثية والحديثة أكبر منها بين أي نصين في القرن الحادي والعشرين، لذا فإن الانتقال من القرن الثاني عشر إلى القرن الحادي والعشرين يتطلب استراتيجيات أكثر راديكالية، إذا كان الهدف هو تكرار تجربة النص الأصلي (وقد لا يكون هذا الهدف الوحيد الصحيح للترجمة).

ما دوافع هذا الأسلوب التجريبي؟

قدم البروفيسور مايكل كوبرسون ترجمة لنصّ كان يستشهد به كنص "عصيّ" على الترجمة، وهو المقامات، وفيه قام باسكتشاف إمكانية أن تثير الفكاهة العربية التي كانت تمتع مجتمعات العصور الوسطى من خلال الألاعيب اللغوية والصنعة الأدبية نفس الدرجة من المتعة لدى الجمهور الغربي في وقتنا هذا

هدفت ترجمة كوبرسون إلى اسكتشاف إمكانية أن تثير الفكاهة العربية التي كانت تمتع مجتمعات العصور الوسطى من خلال الألاعيب اللغوية والصنعة الأدبية نفس الدرجة من المتعة لدى الجمهور الغربي في وقتنا هذا. فحاول محاكاة القوافي والإيقاعات والجمع بين الشعر والنثر كما يفعل النص الأصلي دون أن يظهر "صوته الخاص"، على حد تعبيره بل التزم بدوره ك"مقلّد" يختبئ خلف كلمات المؤلف وإيقاعاته.

ومن أمثلة هذه المحاكاة نجدها، على سبيل المثال لا الحصر، في المشهد الذي يدافع فيه أبو زيد عن نفسه أمام قاضي الإسكندرية كي يرد عنه شكوى امرأته، فيأتي دفاعه على شكل قصيدة نذكر منها هذه الأبيات:

فإن يكن غاظها توهمها               أني بناني بالنظم تكتسبُ

أو أنني إذ عزمتُ خطبتها           زخرفتُ قولي لينجح الأربُ

فوالذي سارت الرفاق إلى            كعبته تستحثها النّجبُ

ما المكر بالمحصنات من خلقي     ولا شعاري التمويه والكذبُ

وترد في ترجمة كوبرسون مع بعض الاختزالات في العبارات التي ربما لن تكون مفهومة لجمهور القراء الغربي مع استعانته باستعراضات المسرحيين ويليام جيلبيرت وآرثر سوليفان من الحقبة الفيكتورية، وهذا الذي حدّد له الأسلوب بما فيه من وزن وقافية ومفردات:

Now as for her assertion that I bent the truth a tad or two,

And that to my CV I was a shameless sort of adder-to,

I urge you, sir, to disregard her recent testimonial:

I never lie to ladies in re prospects matrimorial.

لقد استدعت مقامات الحريري أن يطبق كوبرسون كل هذه الاستراتيجيات الفريدة والمبتكرة أو "الغريبة" كما دعاها في ترجمته ليقدم بين صفحاته ما مفاده أنه لا وجود فعلي للنص العصي على الترجمة. وليوضح نظرته إلى مثل هذه النصوص فضل أن يقتبس مما قاله المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي: إن النص العصي على الترجمة يتألف من "النقاط التي تتجلى فيها أعراض الاختلاف بين اللغات والثقافات، الأمر الذي لا يعني أن إمكانية التقارب مستحيلة، وأن ما لا يقبل الترجمة هو ما لن يترجم قط، وإنما هو ما لن ننفك عن ترجمته. ما لا يقبل الترجمة إذن ليس ما لا يمكن ترجمته، وأنما ما يمكن ترجمته بكيفية لا متناهية (ضيافة الغريب، ص ١٢ -١٣).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard