العدالة الغائبة في مصر… توثيق الجرائم كخطوة نحو المحاسبة

الجمعة 5 يونيو 202012:10 م

تقدم الناشط الأمريكي من أصول مصرية، محمد سلطان، بدعوى قضائية في محكمة دائرة واشنطن بالعاصمة الأمريكية، ضد رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي، وعدد من المسؤولين وعلى رأسهم الرئيس الحالي لجمهورية مصر العربية، عبد الفتاح السيسي، ومدير مكتبه ورئيس المخابرات العامة، عباس كامل، ومحمد إبراهيم، وزير الداخلية الأسبق وآخرين.

واتهم "سلطان" في دعواه، المذكورين باستهدافه وتعذيبه.

وتعتبر هذه أول قضية من نوعها ضد مسؤول مصري، ليصبح من الممكن معاقبة الببلاوي، خاصة وأنه يعيش الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشغل منصب المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي، ما يتيحه قانون حماية ضحايا التعذيب لأي شخص في أمريكا، وهو قانون فيدرالي، برفع دعوى مدنية للتعويض في جرائم التعذيب والقتل خارج القانون التي ارتكبها مسؤولون أجانب في دول أخرى.

يعتقد النظام الحالي دائماً أنه في مأمن من المحاسبة والمحاكمة، أو حتى الملاحقة، لكن تاريخياً هذا غير صحيح.

مسار العدالة الانتقالية في مصر

بعد ثورة يناير وسقوط الديكتاتور حسني مبارك، كان لدي الكثير من المصريين تطلعات كثيراً لمحاسبة "مبارك" ونظامه، على إرثهم العفن وانتهاكات حقوق الإنسان على مدار ثلاثين عاماً، إذ إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، بداية جمهورية ثانية دون تعويض الضحايا، ومحاكمة المتسببين في قتلهم وتعذيبهم، وجبر ضرر أهالي الضحايا وتعويضهم.

وكان من المنتظر أن يشرع مجلس الشعب المنتخب بعد ثورة يناير، الذي كان تحت سيطرة جماعة الإخوان المسلمين بنسبة 43%، قانوناً للعدالة الانتقالية، وهو ما لم يحدث، وبالرغم من القبض على "مبارك" وأعمدة نظامه بعد ثورة يناير، بسبب الضغوط الشعبية وتظاهرات المصريين، فشل النظام القضائي في مصر، لأسباب كثيرة، في إدانة نظام "مبارك" على الجرائم التي ارتكبت أثناء ثورة يناير، أو جرائمهم طوال فترة حكمهم.

وكمصري عاصر تلك الفترة، حيث لم تكن محاسبة نظام مبارك من أولويات النظام الحاكم في مصر، ولكن كان هناك بعض الفرص والآمال، مثل لجان تقصي الحقائق التي تكونت بعد الثورة، ومحاولة تعويض الضحايا.

ومع حالة الاستقطاب في مصر أثناء فترة حكم محمد مرسي، وتدخل الجيش في يوليو 2013 وعزل محمد مرسي، تعثر ملف العدالة الانتقالية بسبب جسامة الانتهاكات التي كانت ترتكب يوماً بعد يوم، من عمليات اعتقال جماعي للمتظاهرين، وكذلك عمليات قتل جماعي في كثير من الأحداث، كالحرس الجمهوري، المنصة، وكان الحدث الأكبر "رابعة العدوية"، الذي قتل فيه أكثر من 800 شخص على يد قوات الجيش والشرطة.

ومن المضحكات المبكيات في ذلك التوقيت، أن الحكومة الجديدة كانت قد استحدثت وزارة للعدالة الانتقالية (تم إلغاؤها بعد عام من إنشائها) وطبقاً لمصادر قضائية وقتها، فإن إلغاءها كان بسبب استحالة حدوث مصالحة حقيقة.

 يرسّخ النظام  المصري الحالي يوماً بعد يوم مسألة الإفلات من العقاب. ولا يعتبر الأمر غريباً، فالرئيس عبد الفتاح السيسي، في فيديو مسرب نُشر عام 2013، عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع، قال: "الضابط اللي هيضرب قنابل غاز وخرطوش، وحد يموت أو يحصله حاجة في عينه مش هيتحاكم، والمتظاهرين أدركوا ذلك"

تم تعطيل العمل بدستور 2012 بعد تدخل الجيش في يوليو 2013، وتم تعديله بعد إقرار التعديلات الجديدة، ونصت المادة 241 من الدستور: "يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور، بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، المحاسبة، اقتراح أطر المصالحة الوطنية وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية"، ولكن تعتبر هذه المادة، كمواد كثيرة تتعلق بحقوق الإنسان، مجرد حبر على ورق، فحتى يومنا هذا لا يوجد محاسبة حقيقة ولا قانون للعدالة الانتقالية في مصر، ويرسّخ النظام هذا الأمر يوماً بعد يوم للإفلات من العقاب.

ولا يعتبر الأمر غريباً، فرئيس الجمهورية الحالي، عبد الفتاح السيسي، في فيديو مسرب نشر عام 2013، عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع، قال: "الضابط اللي هيضرب قنابل غاز وخرطوش، وحد (شخص ما) يموت أو يحصله حاجة في عينه مش هيتحاكم، والمتظاهرين أدركوا ذلك".

يعتقد النظام الحالي دائماً أنه في مأمن من المحاسبة والمحاكمة، أو حتى الملاحقة، لكن تاريخياً هذا غير صحيح، فعلى سبيل المثال، الديكتاتور الشيلي "بينوشيه"، رغم أن القضاء الشيلي لم يتمكـن من إدانته، إلا أنه كان محل متابعة قضائية بتهم انتهاك حقوق الإنسان والفساد، حيث تم توقيفه في بريطانيا عام 1998، وألقت شرطة مدينة لندن القبض على الجنرال "أوغسطو بينوشيه" بناء على أمر قضائي إسباني بالقبض على الدكتاتور السابق، بتهمة ارتكاب جرائم ضد حقوق الإنسان في شيلي، إبان فترة حكمه التي دامت 17 عاماً، ورفضت المحاكم البريطانية ما زعمه "بينوشيه" من الحق في الحصانة، وحكمت بجواز تسليمه إلى إسبانيا لمحاكمته هناك، ولكنه في الأخير لم يحاكم ورجع إلى شيلي بسبب تدهور حالته الصحية.

وفي البلاد العربية، رغم أن ملف العدالة الانتقالية منقوص في تونس إلا أنها اتخذت خطوات كبيرة في ذلك الملف، إذ يوجد هيئة مسؤولة عن ملف العدالة الانتقالية، وهي هيئة الحقيقة والكرامة، وقانون للعدالة الانتقالية، ودوائر متخصصة تنظر في القضية التي تحال من هيئة الحقيقة والكرامة، وتستمع لمشاهدات أهالي الضحايا

المحاسبة هي الضامن الوحيد لوقف الانتهاكات، فلو تمت محاسبة حقيقية لنظام "مبارك" لما وقعت انتهاكات ضد حقوق الإنسان في فترة حكم "مرسي"، ولا وصلنا للمشهد الحالي من الانتهاكات المستمرة يومياً ضد حقوق الإنسان في مصر

لماذا تعتبر قضية محمد سلطان خطوة على طريق المحاسبة؟

لا يشترط تطبيق العدالة في الجرائم المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان، شرط أن تتم داخلياً، ويمكن أن تحدث في بلاد أخرى، كما حدث مع "بينوشيه"، فتم توقيفه بناء على قرار من محكمة إسبانية، رغم أن الجرائم التي كان متهماً فيها حدثت داخل شيلي، لذلك تعتبر خطوة على طريقة محاسبة جلاديه وتعطي أملاً في محاسبة مسؤولين سابقين، ويمكن أن تفتح تلك القضية الطريق لكثير من النشطاء المقيمين بالخارج، ويحملون جنسيات أجنبية، ممن مورست بحقهم انتهاكات أثناء سجنهم في مصر، لرفع دعاوى مشابهة ضد مسؤولين مصريين.

وفي الجانب الآخر، تعتبر هذه القضية هي توثيق من ضحية تعذيب ضد جلاديه، وتوثيق للجرائم التي تمارس ضد حقوق الإنسان في مصر، الذي حتماً سيأتي يوماً وتحاسب كل مسؤول فيها، فلن تمر المجازر والتعذيب والاخفاء القسري التي تتم بحق المصريين يومياً دون محاسبة.

المحاسبة هي الضامن الوحيد لوقف الانتهاكات، فلو تمت محاسبة حقيقية لنظام "مبارك" لما وقعت انتهاكات ضد حقوق الإنسان في فترة حكم "مرسي"، ولا وصلنا للمشهد الحالي من الانتهاكات المستمرة يومياً ضد حقوق الإنسان في مصر، وتمر علينا أخبار موت شباب في مقتبل العمر في السجون، كشادي حبش الذي قضى أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي، خلافاً للقانون، وتوفي بسبب الإهمال الطبي، دون محاسبة، لذا يجب أن تحدث محاسبة حقيقة، وحتماً ستحدث، حتى يشعر كل جلاد أنه ليس بمنأى عن الحساب مهما طال الزمان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard