مجتمع السود في سوريا... قصص عن العنصرية تجاه الآخر

الخميس 4 يونيو 202010:51 ص

ما إنْ تخرج تحركات ضد الحكومة الأمريكية أو إحدى الحكومات الأوروبية، من تظاهرات السترات الصفراء في فرنسا إلى التظاهرات ضد العنصرية في أمريكا حالياً، حتى تظهر موجة تضامن وشماتة في وسط شريحة المجتمع السوري التي دعمت النظام منذ بداية الثورة السورية: تضامن مع الضحايا وشماتة بالحكومة الغربية والمعارضين السوريين في آن واحد.

الحرية ليست للجميع

خلال أيام تظاهرات الولايات المتحدة الحالية، عجّت مواقع التواصل الاجتماعي بأشخاص مؤيدين للنظام وهم ينددون بالعنصرية تجاه مجتمع السود وبالأفضلية المجتمعية للبيض، ويشجبون العنف الذي مورس على المتظاهرين.

خلال تصفحي لما يُكتب، بدأت ذاكرتي تستعيد صوراً من الثورة السورية المظلومة، حتى وصَلَت إلى ذكرى حادثة قرية البيضا في بانياس، قبل نحو سبع سنوات وشهر. أتذكرون؟ رجال قرية كاملة متجمعين في ساحة مشمسة مثل الكتل البشرية التي شاهدناها في سجن أبو غريب، مسحولين على بطونهم وأحد العناصر الأمنية السورية يسخر من مطلب الحرية ويدوس على رؤوسهم وظهورهم ويقول مستنكراً: بدكن حرية؟!

سود سوريا

في قصة رُويت لي، عُقد اجتماع قبل عدة سنوات، قبل الثورة السورية، بين موجهين تربويين سوريين وخبراء من اليونسكو وبعض البلدان الأخرى، للتباحث في عملية تطوير المناهج التعليمية في سوريا. اقترح الموجهون السوريون إحداث عملية فصل للمناهج التعليمية بين المحافظات السورية بحيث يكون مستوى المناهج التعليمية مختلفاً بين المحافظات، بناء على المستوى التعليمي لأبناء كل محافظة. رفض الخبراء الأجانب هذا الطرح كلياً من مبدأ وجود خلل بنيوي في المجتمع السوري وتفكك بين محافظاته، وفقدان للروح الوطنية الجمعية، ما يعني أن وضع مناهج مختلفة سيكرّس هذا الانقسام المجتمعي.

هل يمسّ الكلام السابق وجدان الأمة ويوهن نفسيتها؟ باعتقادي، بالطبع. تُرى ما السبب العميق الذي دفع الموجهين إلى اقتراح مناهج مختلفة لأبناء المجتمع السوري؟ في الظاهر، قد يبدو القصد من الموضوع مساعدة طلاب المناطق المتأخرة تعليمياً، حسب التبرير التبسيطي الذي قدّمه الموجهون السوريون، ولكن في العمق هو عنصرية تجاه أبناء هذه المناطق وهروب من مشكلة إلى الأمام بدل العودة إلى الخلف، إلى جذورها.

شريقي، ديري، ضيعجي... كلمات تصف أبناء المناطق الشرقية والريف السوري وتُستخدم بقصد تحقير شريحة تمثّل تقريباً نصف سكان سوريا. الشريقي في وعي كثيرين هو شخص لم يواكب تحضّر أبناء المدن الكبرى، دمشق أو حمص أو اللاذقية، أو حلب حتى فترة قريبة، قبل النزوح الحلبي.

النظرة إلى هذه الشريحة عنصرية ومقيتة، وتظهر في الدوائر الحكومية ووسائل النقل، إذ تُعاملهم فروع الأمن وكثيرون من المواطنين العاديين كمواطنين من الدرجة الثانية، وتحوم الشكوك حولهم فور وقوع أية عملية سرقة أو نشل.

كالنقش على الحجر

عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي، كان معنا طالب من أقلية التركمان، يجلس وحيداً في المقعد الأخير. كان الاقتراب من هذا الطالب هو العقاب للآخرين. مَن كان يثير الشغب كان يُعاقَب بإجلاسه قربه. وكان مثير الشغب هذا يبدأ بالبكاء والاعتذار كي لا يجلس في المقعد الأخير.

في سنوات الإعدادية، لطالما شتَمَنا معلم التربية العسكرية بنسبنا إلى المنطقة الشرقية في سوريا (شريقي وديري)، حتى ولو لم نكن من هناك. كان يحدّثنا دائماً عن جهل أبناء تلك المناطق وقلة نظافتهم ويختم "موعظته" بسرد قصة يقول إنها حصلت معه أثناء زيارة له إلى مدينة دير الزور، ومفادها أنه كان في مضافة واقتحم أحدهم المكان وصرخ: الرئيس يخطب على التلفاز. وعلى التلفاز كان صدام حسين.

لندرك خطورة ما سبق، يكفي تخيّل أن ما يقارب نصف الشعب السوري، ينظر بدونية واحتقار تجاه النصف الآخر، ويتهمه بالعمالة والجهل والعيش في العصور الوسطى، أما هو فيعيش في عالم يتوفّر فيه الكابتشينو ويستطيع التحدث بالإنكليزية.

يجري ذلك بينما الدولة السورية تتفرّج من موقف المراقب الخارجي الذي يسجّل فقط وكأن لا علاقة لها بما يحصل، بل ويشجع على الأمر بتغييب أي مساءلة للمعلمة التي كانت ترسّخ في ذهن ثلاثين طالباً سنوياً فكرة أن أحد أبناء الأقليات هو عقوبة، أو لمعلم التربية العسكرية الذي زرع في رؤوس طلابه كرهاً وحقداً مناطقياً ممنهجاً تجاه نصف المجتمع السوري.

العديد من أبناء المدن الكبرى في سوريا لا يعلمون أن نفطهم وخبزهم من المنطقة الشرقية ولم يعلموا أنه حين احتُلَّت هذه المناطق من قبل داعش، كادوا يموتون جوعاً جراء انقطاع القمح، وأنّ خروج آبار تلك المنطقة النفطية عن سيطرة الحكومة هو ما جعلهم يسمعون بمصطلح "البطاقة الذكية"، ويقفون طوابير طويلة في محطات الوقود للحصول على بضعة ليترات من البنزين، ويتناسون ويتجاهلون، أو يجهلون، أن ما في ملابسهم من قطن لم يُزرع في الشعلان أو في حي الأمريكان بل في النصف الآخر من بلدهم، النصف الذي يعتبرون الانتماء إليه شتيمة.

خوف الغريب

في بدايات نزوح أهالي مدينة حلب، صرخت أمّي المدمنة على حضور التلفزيون الحكومي بابنة أختي الصغيرة من على شرفة منزلنا: تعالي بسرعة ولا تقتربي من الحلبية. حزنت الفتاة الصغيرة وحزنت صديقتها النازحة من جبهات القتال. بصرختها، وأدت صداقة في مهدها ووسمت الفتاة الصغير بالحلبية بدل اسمها.

"العنصرية في سوريا أعمق وأشدّ رسوخاً من العنصرية في الولايات المتحدة. حركة الحقوق المدنية الأمريكية مستمرة في نضالها القديم لتحقيق المساواة وإنهاء التفرقة على أساس اللون، ولكن في بلد مثل سوريا، لم يبدأ هذا النضال بعد"

خلال الفترة الماضية، خرجت مجموعة تظاهرات لليمين المتطرف في أوروبا، تنديداً باستقبال الفارين من جحيم الحروب، وبدأت معها موجة من السخرية والشماتة باللاجئين في أوروبا من قبل سكان المدن الكبرى في سوريا، شماتة تخللها حقد وتشفي وحملات "الوطن ليس فندقاً". ولكن ما كان حال هؤلاء السوريون ليكون لو بقوا في سوريا ونزحوا جنوباً؟

يعتقد أبناء المدن الكبرى ممَّن ظلت الحرب الشرسة بعيدة عن ساحاتهم وتاهت البراميل عن بيوتهم إلى بيوت السوريين الغرباء، أن قبولهم لوجود النازحين في مجتمعاتهم هو فضل ومنّة عليهم، وهو حالة رقي وتسامح، فيبدأ الشباب البعثي بإطلاق مبادرات تطوعية وتبدأ سيدات ورجال المجتمع المدني المرضي عنهم بتنظيم حملات دعم لإظهار الوجه المتسامح والراقي أمام هؤلاء الغرباء القادمين في مجاهل سوريا.

وبنفس الغرابة التي بادروا فيها إلى التطوع، يتجمّعون في أحد المطاعم الراقية أثناء أحد الاحتفالات، ويحمّلون نازحي الداخل وزر كل مصائبهم وفشل دولتهم. يتحوّل النازحون تلقائياً إلى غرباء ومواطنين من الدرجة الثانية، يُفرَض عليهم الوقوف في الباصات لمجرد سماع لهجتهم، يتعرضون للمضايقات في الشوارع، وتُفرض عليهم أسعار مضاعفة لإيجارات المنازل ويُرفض تشغيلهم لمجرد المنطقة التي قدموا منها أو يُشغّلون مقابل مردود مادي لا يعادل ثمن نصف وجبة غذائية لعائلة من خمسة أفراد.

النفاق العام

النفاق من سمات المجتمعات العاجزة المتلطية خلف مصائب الآخرين، لتعمية نفسها عن مصائبها ورغبةً في تحقيق نصر وهمي مزيّف يمنحها بعض السكينة المؤقتة.

تظهر حالة النفاق الفاقعة التي يمارسها أبناء المدن الكبرى من داعمي النظام السوري في مواقفهم مما يحصل في الولايات المتحدة. الآن، يشمتون بالحكومة الأمريكية ويصدرون بيانات الشجب وينشرون الصور المتعاطفة. التعاطف حق مشروع وعمل إنساني، ولكن كيف تبيحه لنفسك وتحرم الآخرين منه؟ وما هي كمية النفاق التي تعكسها حينما تشمت بأبناء وطنك المهجّرين والمنفيين وتتعاطف مع الآخرين؟

شريقي، ديري، ضيعجي. كلمات تصف أبناء المناطق الشرقية والريف السوري وتُستخدم بقصد تحقير شريحة تمثّل تقريباً نصف سكان سوريا... عن نفاق المتضامنين مع المتظاهرين الأمريكيين فيما يتنمّرون على "مجتمع االسود في بلادهم"

كيف لك كسوري دعمتَ عمليات القتل التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية والجيش والميليشيات الرديفة أن تتعاطف مع التظاهرات الأمريكية؟ ألا تشعر بأنك تشبه الشرطي الذي قتل جورج فلويد؟

كيف تتعاطف مع حركة المطالبة بالحقوق المدنية وإنهاء رواسب التمييز العرقي وأنت كنت تبلّغ الأجهزة الأمنية عن أصوات تسمعها من شقة جارك الحلبي، ظناً منك أن لهجته تعني أنه يصنع متفجرات؟ كيف تنتقد عنف الشرطة الأمريكية وسبق أن هللت لمشهد الأجساد المسحولة في ساحة قرية البيضا؟

كيف تتحدث عن عنصرية الشرطة الأمريكية وقد صمتَّ يوم أُنزل المهجر في مدينتك من باص النقل، فقط لأنه مهجر؟ كيف تتضامن مع السترات الصفراء وأنت وقفت في وجه أبناء بلدك عندما خرجوا في الشوارع والساحات مطالبين بأقل بكثير مما طالب به متظاهرو السترات الصفراء؟

دولة العجز

دائماً ما يُلقى اللوم على سكان المناطق المنبوذة أو "سود سوريا"، في محاولة لرفع المسؤولية عن الدولة وتبرير كل تبعات السياسات الخاطئة التي انتهجَتها خلال عشرات السنوات، بتحميلهم مسؤولية ما وصلوا إليه من بؤس وفقر.

على مدار السنوات الماضية، كان هنالك تغييب ممنهج لإنشاء بنى تحتية حقيقية لنظام تعليمي في المناطق المهمشة في سوريا. على سبيل المثال، جامعة الفرات، في دير الزور، افتتحت منذ بضع سنوات فقط، بعد عشرات السنين من تجاهل حاجة المنطقة الشرقية في سوريا إلى جامعة تغني أبناءها عن السفر بين المحافظات للتعلم.

المنطقة التي توفّر للسوريين سلتهم الغذائية ونفطهم، لم تشهد يوماً برنامجاً عادلاً لتوزيع الثروة في سوريا.

وهن نفسية الأمة

بنية المجتمع السوري المفككة والمقسمة، بعد عشرات السنوات من حكم توتاليتاري عسكري ساعد وساهم في تغذية التفرقة بين المواطنين، لضمان سيطرته، باللعب على وتر حماية الأقليات وتغييب أي حركات ثقافية تسلط الضوء على المشاكل الاجتماعية وأي حراك حقيقي لفتح جروح هذا التفكك، وذلك بحجة عدم وهن نفسية الأمة.

تفكك المجتمع السوري وصل إلى مرحلة الشماتة بالسوريين العائدين إلى سوريا، عبر عمليات الإجلاء بسبب جائحة كورونا، ولومهم على عودتهم مع تحميلهم جميل إيوائهم وإطعامهم، رغم الظروف المزرية لمراكز الحجر.

العنصرية في سوريا أعمق وأشدّ رسوخاً من العنصرية في الولايات المتحدة. حركة الحقوق المدنية الأمريكية مستمرة في نضالها القديم لتحقيق المساواة وإنهاء التفرقة على أساس اللون، ولكن في بلد مثل سوريا، لم يبدأ بعد هذا النضال ولم يتم الاعتراف حتى بضرورته وقلة فقط تجرأت على الخوض فيه بطريقة منهجية حقيقية، بقصد التعمق في فهم انقسامات المجتمع السوري ومسبباتها، وهي للعلم أخطر مما هي عليه في باقي الدول لأنها لا تتعلق بلون فقط، بل بمنطقة ودين وطائفة وحي وقرية...

قد يتغيّر كل شيء في سوريا، النظم الحاكمة والأفراد، وقد يبقى كل شيء على حاله. في كلتا الحالتين، على المواطن السوري الذي يتعاطف مع السترات الصفراء وحركات الاحتجاج ضد العنصرية أن يعي ويفهم جيداً أن مَن خرجوا إلى الشوارع في تلك الدول، هم مواطنون لديهم الحق في التظاهر، وهم ببساطة يدافعون عن قضية، ويطالبون بالمساواة والعدالة، مثلهم مثل السوريين الذين خُوّنوا ولا يزالون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard