جريمة قتل على خلفية أغنية كردية… عن شارع العنصرية التركية والرصيف المخصص للأكراد

الأربعاء 3 يونيو 202003:22 م

كان الشاب الكردي، باريش جاكان، يجلس مع مجموعة من أصدقائه في حي إيتيمسوجت في العاصمة التركية، أنقرة، عندما هاجمه ثلاثة شبان أتراك، وقتلوه بالسكاكين، بسبب سماعه للموسيقى الكردية، وسبق أن استُهدف أفراد من عائلته بسبب قيامهم بالفعل ذاته، وفق ما صرّح أقرباؤه لوسائل إعلام تركية.

إن أغلب المعترضين السابقين على جرائم العنصرية والكراهية تجاه الكرد، إما تم اعتقالهم أو تم نفيهم واغتيالهم.

وعلى عكس ما ألفته الأنظمة الحاكمة في تركيا، من صور نمطية لشكل الجرائم العنصرية والكراهية في البلاد وسياسة التصفية التركية، التي كانت تقوم على اغتيال القادة والمسؤولين والمفكرين الأكراد، مثل حادثة قتل المفكر الكردي، موسى عنتر، ورئيس نقابة المحاميين في ديار بكر، طاهر التشي، وغيرهم، تأتي هذه الجريمة دلالة على انحدار الفاشية في تركيا واقصاء الدولة كطرف وحيد للاقتصاص من الأكراد، بل أن المجتمع هو من صار جهة إضافية للاقتصاص، ومصدّر العنصرية والكراهية.

كانت أدوات العنف في الماضي بيد الدولة، وكانت هي الجهة التي تنفذ الجرائم بحق النخبة والقادة الكرد، وصارت الأدوات اليوم بيد أناس عاديين من المجتمع التركي، ينفذون الجرائم بحق أناس عاديين آخرين من المجتمع الكردي، دون أن يكون لأجهزة الدولة والمخابرات والجيش دور في هذه النشاطات، وبالتالي فإن المشكلة باتت متفاقمة أكثر، والمجتمع التركي هو الذي صار متعصباً ضدّ الكرد بقدر تعصّب الدولة، وأعنف أحياناً، مع أن الدولة لا تزال تلعب دوراً في جرائم العنصرية المجتمعية بصورة غير مباشرة، فقد كانت طيلة المدّة الماضية تكرّس جهودها لتجييش المجتمع التركي ضدّ المجتمع الكردي، وتتغاضى عن جرائم العنصرية التي تحدث بحق الكرد من قبل العنصريين الأتراك، وتبرئ الفاعلين ولا تلاحقهم أمنياً.

 تأتي هذه الجريمة دلالة على انحدار الفاشية في تركيا واقصاء الدولة كطرف وحيد للاقتصاص من الأكراد، بل أن المجتمع هو من صار جهة إضافية للاقتصاص، ومصدّر العنصرية والكراهية

وفي منظور آخر، فإن المشكلة الأساسية في مواجهة العنصرية في تركيا تتمحور حول غياب حق الاعتراض، ذلك أن أغلب المعترضين السابقين على جرائم العنصرية والكراهية تجاه الكرد، إما تم اعتقالهم أو تم نفيهم واغتيالهم. بمقدار من الحذر، اعترضت قلّة من الأصوات الكردية السياسية على حادثة قتل الشاب الكردي باريش جاكان، لأن تركيا اليوم دولة لا تهادن ولا تمنح الحصانة لأحد، الكل مستباح أمام السلطة العسكرية والسياسية القائمة على أساس العنصرية.

ثاني المشاكل تكمن في أن الحكومة التركية أزاحت جزءاً واسعاً من قادة ومسؤولي ومناصري حزب الشعوب الديمقراطية والأحزاب الكردية من المشهد العام التركي، وبالتالي ليس ثمة جهة معارضة تركية سواهم يمكن أن يقف إلى جانب الضحية، إلا إذا كانت هذه الضحية تركية. بمعنى آخر، إذا ما تضامنت الأحزاب التركية واعترضت على ممارسات العنصريين الأتراك بحق المجتمع الكردي، فإنها ستفقد جزءاً من مناصريها في المجتمع التركي، رغم أنهم معارضون لحزب العدالة والتنمية، ذاك أن العنصرية تجاه الكرد صارت تخص المجتمع أكثر من كونها تخص الدولة، وهذا يعني أن الاعتراض صار متأصلاً في المجتمع التركي، موالين ومعارضين لحزب العدالة والتنمية.

أمّا الجانب الآخر، فإن التحالف المسموم بين حزب العدالة والتنمية مع الحركة القومية التركية، صار أحد ثغرات استباحة المجتمع الكردي، فجمهور الطرفين باتا يعملان على خطاب العنصرية والكراهية تجاه الكرد، وصار حزب العدالة والتنمية نفسه، وجمهوره، متأثّرين بمفردات ومصطلحات الحركة القومية التركية، كأن هناك نوع من التداخل السياسي بين الحزبين. حزب العدالة والتنمية تحول من كونه حزباً إسلامياً وقومياً، إلى روح القومية التركية المتطرفة، وهو ما زاد من جرائم العنصرية تجاه الكرد.

والحال أن المجتمع التركي نفسه يجد هويته متفوقة على هويات القوميات الأخرى، بمعنى أنه صار يجد جميع الأجناس الثانية منحطة، وأن الثقافة والهوية التركية تكونت ذاتياً، ولم تكن حصيلة تجميع ثقافات عشرات الهويات المغايرة، ومنها الكردية، وهو جوهر خطاب الكراهية والعنصرية التركية الحالية، وجرائم العنصرية المجتمعية الموجودة هي نتاج هذه الذائقة الجمعية.

تصير المسؤولية التقصيرية للدولة، عدم وقوفها على الحياد تجاه العمومية وغياب القضاء المحايد في مثل هذه القضايا، جزءاً أساسياً من تنامي جرائم العنصرية في تركيا.  تبدو تركيا اليوم شارعاً للكراهية، وليس من حق الأكراد والأقليات الأخرى إلا أن تقف على الرصيف

وبالعودة إلى الحادثة، في مطلق الأحوال كانت أدوات الحكومة التركية منحازة، بشكل ما، نحو القتلة، وكانت الأجهزة الأمنية والإعلامية تقف إلى جانب المجرمين الأتراك كونهم أتراكاً، ويقفون ضد المقتول الكردي كونه كردياً.

بصورة ما، تصير المسؤولية التقصيرية للدولة، عدم وقوفها على الحياد تجاه العمومية وغياب القضاء المحايد في مثل هذه القضايا، جزءاً أساسياً من تنامي جرائم العنصرية في تركيا. ربما إذا تحولت قضية مقتل الشاب الكردي في أنقرة إلى القضاء الأعلى في تركيا، لتحوّل الضحية الكردي إلى مذنب، وربما تم اعتباره مخالفاً ضدّ الأمة التركية بسماعه لأغنية كردية، ليُقتل مرتين، مرة على يد عنصريين أتراك، ومرة على يد القضاء التركي.

تبدو تركيا اليوم شارعاً للكراهية، وليس من حق الكرد والأقليات الأخرى إلا أن تقف على الرصيف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard