تمييز في التعليم والقضاء والطبابة والتملّك... الوجوه المختلفة لمأساة السود في أمريكا

الأربعاء 3 يونيو 202002:03 م

"ثمة أسطورة إعلامية تقول إن الولايات المتحدة تمكنت من إنهاء مشكلة العنصرية"، كان هذا تعليق الأخصائي الاجتماعي دارنيل هانت، مدير مركز الدراسات الإفريقية-الأمريكية في جامعة كاليفورنيا، على حادث قتل الشاب ذي الأصول الإفريقية مايكل براون في التاسع من أغسطس/ آب عام 2014 في مدينة فيرغسون بولاية ميزوري الأمريكية.

أعقب مقتل براون العديد من الاحتجاجات وأعمال العنف التي أكدت على أن ما حدث في فيرغسون ليس حالة فردية بل مثال على ما حدث مراراً خلال العقود الماضية وما يعيشه السود في أمريكا من مخاوف وانتهاكات.

تعليقاً على حادث براون، قالت وقتها المتحدثة باسم منظمة الحقوق المدنية وحقوق الإنسان ليكسار كوامي إن حالات عدة قامت فيها الشرطة بإطلاق النار على أمريكيين سود غير مسلحين وتم قتلهم دون معاقبة المسؤولين عن ذلك، مذكرة بمقتل ترايفون مارتن في ولاية فلوريدا، والذي ضجّت وسائل الإعلام بأخباره حتى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما علّق قائلاً: "أنا نفسي كان يمكن أن أكون في مكان ترايفون مارتن".

"لا أستطيع التنفس"، كان هذا ما قاله المواطن الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد وهو يُحتضر تحت رجل الشرطي الأمريكي ديريك تشوفين لأكثر من سبع دقائق، في مدينة مينيابولس بولاية مينيسوتا، في 25 أيار/ مايو 2020. الفيديو الذي يوثق الحادث جاب العالم، وأثار ردود فعل واسعة أعادت تسليط الضوء على معاناة الأمريكيين الأفارقة مع التمييز على أساس الفوارق العرقية في أغلب نواحي حياتهم، وصولاً إلى نظام العدالة الجنائية.

يواجه السود في الولايات المتحدة عوائق هيكلية حينما يطمحون إلى تأمين سكن جيد ورعاية صحية وتوظيف وتعليم، بسبب قوانين عنصرية تم إلغاؤها لكنها تحولت إلى أعراف وتقاليد في المجتمع تفوق قوتها نصوص القانون في أحيان كثيرة، في حين أن خطاب الكراهية لا يُجرَّم بشكل واضح في النصوص القانونية الأمريكية بحجة تعارضه مع مبدأ حرية التعبير الذي يكرسه الدستور. 

صحيح أن الأمريكيين السود يعترفون أنهم حصلوا على أضعاف ما كانوا يحصلون عليه قبل ستينيات القرن الماضي من حقوق ومميزات، لكن قراءة عدد قليل من الدراسات في كافة المجالات تثبت أن الولايات المتحدة لا تزال أرضاً خصبة للعنصرية.

بعد مقتل فلويد، توالت الشهادات التي يوثق فيها من كان يمكن أن يكونوا مكانه معاناتهم مع نظرة المجتمع إليهم، ومنها تلك التي يقول فيها أستاذ جامعي يعيش في منطقة راقية إنه يتجنّب المشي وحده في الشارع، مفضلاً اصطحاب ابنته وكلبه عند الخروج. بحسب ما يقول، المشي وحده "يثير الشبهات دائماً" لكن وجود طفلة وكلب معه يعطيه صورة "الأب الجيّد" بالنسبة لسكان الحي والشرطة. 

في معرض حملات التضامن المتكررة مع السود حول العالم، كرّس البعض فكرة استخدام كلمة "أمريكي من أصول أفريقية" كبديل أكثر "صوابيّة" عن كلمة "أسود"، وسادت في العالم العربي فكرة أن الأخيرة كلمة عنصرية يُفضّل تجنب استخدامها. لكن "أسود" بقيت ترد في العديد من الدراسات من دون أن تحمل مدلولاً عنصرياً، حتى أن دراسة نُشرت قبل سنوات عن جامعة "أكسفورد" نقلت تفضيل أصحاب العلاقة لتعبير أسود على ذاك الذي يصفهم بـ"ذوي أصول أفريقية" أو "ملونين".  

وإن انكب الإعلام العربي على اتباع "الصوابية السياسية" في مقاربة قضايا السود، لكن التمييز الهيكلي الذي يعاني منه هؤلاء لم يحظ بالاهتمام الجدي نفسه، وبقي خاضعاً لاستنسابية نفسية واجتماعية وقانونية يشهدها العالم العربي ضد "المختلفين" من السود والعاملات/ العمال المنزليين واللاجئين والأقليات والمهمشين... أما الخوض في أشكال هذا التمييز، فقد يقدم صورة أوضح عن العنصرية التي تُترجَم بطرق مختلفة يومياً لكنها تسقط من حسابات النقاش حتى لدى المدافعين عن تلك الفئات أحياناً.

العنصرية الأمريكية في التعليم

يُعد التعليم واحداً من أشد المجالات التي يعاني فيها الأمريكيون السود من التفاوت العرقي، حتى تحولت المدارس بالنسبة للأطفال إلى أشبه بسجن. 

في المرحلة المعروفة باسم الحضانة، يُشكّل الأطفال السود 18٪ من جميع الأطفال في سن ما قبل المدرسة، لكنهم يمثلون ما يقرب من 50٪ من جميع حالات التعليق/ الفصل المؤقت. في المقابل، يشكل الأطفال البيض 43٪ من المنتمين إلى هذه المرحلة، ومع ذلك 26٪ منهم فحسب الذين تم تعليق دراستهم.

في دراسة حديثة، وجد الباحثون أن الأولاد السود الذين لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات يُنظر إليهم بشكل روتيني على أنهم أكبر بكثير من أعمارهم، وأقل براءة، مقارنة بالأولاد البيض من العمر نفسه.

ويزيد احتمال خضوع الطلاب الأمريكيين السود لقرارات الفصل المؤقت في المدارس بثلاث مرات مقارنة بنظرائهم البيض، حتى الفتيات الأمريكيات من أصل أفريقي أكثر عرضة لتلقي تعليق مدرسي أكثر بست مرات من نظيراتهن البيض.

وقد جدت إحدى الدراسات أنه لم يتم طرد أي من الفتيات البيض من مدارس مدينة نيويورك خلال العام الدراسي 2011-2012 ، وفي حال كانت هناك حالة طرد واحدة فإن معدل طرد الفتيات الأمريكيات من أصل أفريقي أعلى بـ53 مرة.

وجد باحثون أن الأولاد السود الذين لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات يُنظر إليهم بشكل روتيني على أنهم أكبر بكثير من أعمارهم، وأقل براءة، مقارنة بالبيض من العمر نفسه... ويزيد احتمال خضوع الطلاب السود لقرارات الفصل المؤقت بثلاث مرات مقارنة بنظرائهم البيض

وفقًا لتقرير عام 2015، هناك أكثر من 43 ألف شرطي و39 ألف حارس أمن يعملون في 84 ألف مدرسة حكومية في البلاد، والهدف من وجودهم بشكل أساسي كان تأديب الطلاب السود في المدارس. وهي ظاهرة حوّلت المدارس بالنسبة لهم إلى معسكرات سجن، يتعرضون فيها لاعتداءات من الشرطة.

وفي 2018، ظهر مقطع فيديو لضابط شرطة في مدرسة يعتدي بوحشية على طالبة أمريكية من أصل أفريقي أثناء جلوسها على مكتبها، بينما تمّ اعتقال زميلتها التي سجّلت الاعتداء.

نظام صحي قاتل

تُعدّ أزمة تفشي كورونا، أبرز مثال على عنصرية النظام الصحي الأمريكي، إذ تُظهر الإحصائيات في عدد من المدن والمقاطعات منها كارولاينا، وإلينوي، ولويزيانا، وميشيغن، ونيوجيرسي، ونيويورك وويسكونسن أن السود يمرضون ويموتون بسبب الفيروس بمعدلات أعلى من البيض.

في مقاطعة ميلووكي، ولاية ويسكونسن، أظهرت إحدى الاحصائيات أن 81% من الوفيات هي من السود، على الرغم أن هؤلاء يُشكّلون 26٪ فقط من سكان المقاطعة.

واعتبرت تقارير أمريكية أن الأطباء البيض المتحيّزين، وعدم ثقة الشعب الأسود في المجتمع الطبي، وعدم جمع البيانات والإبلاغ بشكل صحيح عن الحالات أبرز أسباب هذه المأساة.

حتى حين دعت الحكومة إلى سياسة التباعد الاجتماعي، فإن التقارير رصدت أن "أقل من واحد من بين كل خمسة عمال سود وحوالي واحد من كل ستة عمال من أصل إسباني كانوا قادرين على العمل من المنزل".

في مدينة ناشفيل، بقيت ثلاثة مراكز اختبار، في مناطق السود، فارغة طوال أسابيع من المعدات المطلوبة لعمل الاختبارات الضرورية والعتاد الوقائي مثل القفازات والأقنعة.

وتُظهر دراسة أن العنصرية قد قصّرت من عمر الأمريكيين الأفارقة، إذ دمّر الإحساس بها خلايا أجسادهم، كما أن الأمريكيين من أصل إفريقي يعانون بشكل كبير من السمنة والضغط والسكري وارتفاع هرمونات الإجهاد، نتيجة قلة الرعاية الصحية.

وبحسب تقرير لصحيفة "الغارديان"، عام 2018، فإن معدلات وفيات الأمهات السود أثناء النفاس ووفيات الرضع تشكل قرابة ضعفي المعدلات لدى البيض.

عنصرية الشرطة وغياب العدالة

تُظهر دراسة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن الشرطة توقف وتفتش السائقين السود بمعدلات أكبر من البيض، وتستخدم تكتيكات قاسية معهم على الرغم من أن نسبة من يقودون السيارات في الولايات المتحدة بأكثر من المتوسط هم من البيض.

أظهرت كذلك بيانات من مدينة نيويورك أنه يتم القبض على السود بسبب الماريجوانا بمعدل ثمانية أضعاف الأشخاص البيض، وقد بلغت الحالات في مانهاتن 15 مرة.

وتقود الشرطة حملات اعتقال واسعة في أحياء السود أكثر منها في أحياء البيض، على الرغم أن البيانات تشير إلى أن الشكوى من استخدام الماريجوانا متساوية في كافة الأحياء.

ووجد تقرير صدر عام 2017 أن السود يشكلون 17 % من سكان ولاية فلوريدا، ومع ذلك فإنهم يشكلون 46% من إدانات المخدرات الجنائية منذ عام 2004.

ويظهر أن الأشخاص السود أكثر عرضة للسجن بمقدار خمس مرات لحيازة المخدرات من الأشخاص البيض. ووفقًا لبيانات التبرئة، فإن الأشخاص السود أكثر عرضة للإدانة بشكل خاطئ 12 مرة بجرائم المخدرات.

بموازاة ذلك، وجدت دراسة أجريت عام 2011 من كلية الحقوق في جامعة ميشيغن أنه بين عامي 1990 و2010 تم عزل 53% من المدعين العامين السود المؤهلين للعمل في المحاكم كمحلفين في القضايا الجنائية، مقابل حوالي 26% من البيض.

في السنوات العشر الماضية، كانت ثمانية من أحكام الإعدام التسعة التي صدرت في ولاية تينيسي لمتهمين سود، وفي لويزيانا من يقتل شخصاً أبيضاً كان أكثر عرضة للإعدام بـ14 مرة ممن يقتل شخصاً أسود... في القضاء كما في التعليم والصحة يستمر التمييز بحق السود رغم إلغائه من القوانين

وبحسب دراسة أُجريت عام 2016 فإن من يقتل شخصاً أبيضاً في لويزيانا كان أكثر عرضة للإعدام بـ14 مرة ممن يقتل شخصاً أسود.

وفي ولاية تينيسي، يشكل السود 17% من السكان لكن 44% من المحكوم عليهم بالإعدام من الأمريكيين هم من أصل أفريقي.

وفي السنوات العشر الماضية، كان ثمانية من أحكام الإعدام التسعة التي صدرت في هذه الولاية لمتهمين سود.

ووجد تقرير لمعهد ستانفورد، عام 2006، أنه عندما تم اتهام شخص أسود بقتل شخص أبيض، فإن المتهمين كانوا أكثر عرضة بمرتين لحكم الإعدام، وعندما كانت الضحية سوداء، لم يكن هناك فرق تقريباً.

يُذكر أن تقارير عديدة تُشير إلى الجانب النفسي في النظر للمتهم الأسود، فعندما يتم إحضار أحد البيض كشاهد للتعرف على متهم أسود، تكون قدرته على التمييز بين ملامح الوجه وتحديد المتهم الفعلي أقل بكثير مما لو طُلب منه التعرف على متهم أبيض.

وفي لويزيانا، ظهر أن الذين أدينوا بقتل الأشخاص البيض كانوا أقل عرضة لإلغاء أحكامهم عند الاستئناف، كما أن هذه الولاية لم تقم بإعدام شخص أبيض لقتل شخص أسود منذ عام 1752.

وعلى الرغم أن البيض من غير اللاتينيين يشكلون حوالي 61% من سكان الولايات المتحدة، فإنهم يشكلون 83% من قضاة المحاكم و80% من قضاة محاكم الاستئناف.

ووجدت دراسة أنه من الاحتمال تعرض السود للعزل وإطلاق النار من قبل الشرطة بمعدل 3.49 مرة من البيض، في حين كشفت دراسة أجريت عام 2018 حول ممارسات الكفالة في مدينة نيو أورلينز أنه من المرجح أن يُطلب من السود دفع كفالة أكثر من البيض، بينما يكونون عادة غير قادرين على تحمل التكلفة، وبالتالي هم أكثر عرضة للبقاء في السجن حتى موعد المحاكمة.

وأكدت دراسة أخرى حول التوقفات المرورية في فيرمونت أن السائقين السود هم أكثر عرضة للتفتيش والتوقيف بأربع مرات من السائقين البيض، على الرغم من أن السائقين البيض يزيد احتمال العثور على مواد مهربة معهم بنسبة 30 إلى 50%.

وفي استطلاع جرى عام 2018 تبيّن أن 63% من السود لديهم أفراد من العائلة مسجونين، مقابل 42% من البيض.

لماذا تعاني أمريكا من العنصرية؟

يرجح تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن الولايات المتحدة لم تأخذ على محمل الجد - بموجب المادة 2 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري- الإجراءات القانونية للتصدي بشكل إيجابي للتمييز العنصري.

في بعض الأحيان، لا تلعب الطبقة الاجتماعية دوراً في مساواة حياة السود مع البيض من الطبقة نفسها، فالأولاد السود، حتى الذين نشأوا في أسر عالية الدخل والمستوى، يعانون من عدم المساواة في الراتب عندما يكبرون، مقارنة بالبيض من بيئة مماثلة

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة قامت بترشيد الآثار التمييزية العنصرية ولم تمنعها، أو تصحح الأوضاع القديمة منها استمرار الأحياء السكنية للبيض وأخرى للسود.

وأظهرت أبحاث العلوم الاجتماعية أن الأمريكيين لديهم في العقل الباطن، معتقدات ومواقف وتوقعات تستند إلى الصور النمطية حول العرق أو الجنس أو العمر أو المجموعة الأخرى التي ينتمي إليها الفرد.

في ستينيات القرن الماضي كان يتم رفض منح السود القروض، حتى البيض الذين يعيشون في أحياء السود يتم رفض منحهم المال.

وخلقت هذه الإجراءات فصلاً عنصرياً بين الأمريكيين البيض والسود، في المناطق السكنية، حتى أن هذه القوانين مثل غيرها من القوانين العنصرية، تحولت إلى أعراف وتقاليد أمريكية تسببت في استمرار التفاوت العرقي.

وفي بعض الأحيان، لا تلعب الطبقة الاجتماعية دوراً في مساواة حياة السود مع البيض من الطبقة نفسها في الولايات المتحدة، فبحسب تقرير "الغارديان" فإن الأولاد السود، حتى الذين نشأوا في أسر عالية الدخل والمستوى، يعانون من عدم المساواة في الراتب عندما يكبرون، مقارنة بالبيض من بيئة مماثلة.

هكذا، وفقاً للتقرير، يتقاضى السود رواتب وأجوراً أقل، حيث أن العرق - وليس الطبقة الاجتماعية - هو العامل المؤثر في هذا الإطار.

وتُعد المحاكم الأمريكية من أبرز العقبات التي تحول دون مكافحة العنصرية لأنها غالباً ما تقرأ وتفسر العديد من السلوكيات ضمن باب الحريات، وتُقيّد واضعي السياسات من التدخل لمحاربة التفاوتات العرقية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard