"فرصة تاريخية لأنقرة"... هل تتدخّل تركيا في اليمن بعد سوريا وليبيا؟

الأربعاء 3 يونيو 202010:21 ص

ما إنْ بدأت تركيا في تغيير موازين القوى في ليبيا، لصالح حكومة الوفاق في طرابلس، وقبلها كان إيقافها اجتياح قوات النظام السوري لإدلب، حتى بدأ بعض اليمنيين يتساءلون: لماذا لا نستدعي أنقرة للتدخل في حرب باليمن؟

يرى الداعون للتدخل التركي في اليمن أن أنقرة نجحت في وقف ما يسمونه بـ"العدوان" على إدلب وطرابلس، وبالتالي يمكنها مساعدة الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين المدعومين إيرانياً أو قوات المجلس الانتقالي التي تطالب بانفصال الجنوب، بمساندة إماراتية.

ولكن مقابل هؤلاء، يعتبر آخرون أن التدخل التركي في سوريا أو ليبيا، ولاحقاً في اليمن، ما هو إلا دعوة إلى ما وصفوه بعودة "الاستعمار العثماني" للبلدان العربية.

في 21 أيار/ مايو، نشر الكاتب التركي إسماعيل ياشا تغريدة يحث فيها اليمنيين على تعلّم استخدام الطائرات بدون طيار، فانهال يمنيون على التعليق عليه مطالبين بالاستعانة بأنقرة في الحرب ضد الحوثيين، أو محذّرين من التدخّل في الشأن اليمني.

ما قاله ياشا هو: "الأشقاء الليبيون أصبحوا معلمين في استخدام الطائرات المسيرة... ما شاء الله تبارك الرحمن... صيادون ماهرون... من الأفضل أن يبدأ أشقاؤنا اليمنيون أيضاً يتعلمون استخدام تلك الطائرات إما عند الأتراك أو الليبيين".

وكتب "صالح على أحمد": "إذا كانت تركيا الجديدة تريد حلفاء فهذه فرصة تاريخية فالشعب اليمني يبحث عن مَن ينقذه من المال الإماراتي، وعليكم أن تعرفوا أن في اليمن أُسقطت فارس وهي المدد وانتشر الإسلام".

من جانب آخر، قال المحلل السياسي اليمني خالد عقلان "إن الشعب اليمني أصبح الآن أمام خيارات مفتوحة مستقبلاً في صناعة تحالفات جديدة حفاظاً على السيادة الوطنية ومواجهة المخاطر والتهديدات التي تسبب فيها التحالف السعودي الإماراتي والذي صار يمارس احتلالاً مكشوفاً يعمل على تمزيق اليمن وتمكين ميليشيات مسلحة تهدد كيان الدولة اليمنية".

وفي 25 أيار/ مايو، غرّد الصحافي اليمني سيف الحاضري، رئيس تحرير صحيفة أخبار اليوم اليمنية المعروف بقربه من نائب الرئيس اليمني علي محسن الأحمر، قائلاً: "بكل وضوح وبدون مواربة، إذا لم تحسم الشقيقة (السعودية) أمر التمرد في عدن وتنهي التواجد الإماراتي في اليمن، وترفع الفيتو عن تحرير صنعاء، فإن الواقع يفرض على القيادة السياسية فرضاً أن توسع دائرة تحالفاتها، بما يمكّن الحكومة الشرعية من تحقيق هدف إنهاء الانقلابات و إنهاء التواجد الإماراتي".

تركيا في اليمن

يتوقّع المحلل السياسي اليمني محمود الطاهر تدخلاً تركياً في اليمن، في الفترة القادمة، كامتداد طبيعي للتدخل الذي حدث في ليبيا، ويتحدث عن اجتماع مسؤولين في الحكومة اليمنية مع أتراك، في نهاية العام الماضي، ودعوتهم للعمل في المناطق المحررة من سيطرة الحوثيين.

وفي السادس من كانون الأول/ يناير الجاري، أعلن وزير النقل اليمني صالح الجبواني أنه توصل إلى اتفاق مع نظيره التركي يقضي بتشكيل لجنة فنية لتوقيع اتفاقية مع تركيا لتطوير الموانئ والمطارات وشبكات الطرق اليمنية.

ويلفت الطاهر إلى أن "انسحاب الجيش الإماراتي من المناطق المحررة خلق فراغاً يطمح حزب الإصلاح الإخواني الذي يسيطر على مفاصل الحكومة في الجنوب أن يملأه بوجود تركي، لذا يخرّب كل المحاولات التي تبذلها السعودية لتشكيل حكومة وحدة وطنية مع المجلس الانتقالي الجنوبي، على أمل النجاح في إقناع أنقرة بتلبية رغبته".

وقال الطاهر لرصيف22: "سنستيقظ على يوم حزين، سيكون فيه الأتراك قد دخلوا إلى اليمن وحققوا هدفهم بإنشاء قاعدة في جزيرة سقطرى موازية لقاعدتهم في الصومال، ليبسطوا سيطرتهم على باب المندب والبحر الأحمر"، وأضاف: "كل بلد فيه إخوان سيحتله الأتراك أو سيكون لهم نفوذاً قوياً فيه، مثلما تتواجد إيران في كل بلد فيه شيعة".

"كل بلد فيه إخوان سيحتله الأتراك، مثلما تتواجد إيران في كل بلد فيه شيعة"... هذا ما يخاف منه يمنيون، في ظل رغبة آخرين بتدخّل تركيا في اليمن

وأضاف: "في اليمن سيكون الأتراك قادرين على المناورة والاتفاق مع الإيرانيين لوقف إطلاق النار وتقاسم الأرض والسلطة والمصالح، مثلما حدث في إدلب وطرابلس".

بدوره، تحدث الكاتب والمحلل السياسي اليمني ياسين التميمي عن رغبة في طلب تدخل تركي في اليمن، إثر حالة الإحباط التي تسيطر على النخبة السياسية اليمنية وعلى معسكر الشرعية، في ظل انحدار الأوضاع في البلاد إلى مستويات سيئة خصوصاً وأنهم يرون أن التحالف تحوّل إلى قوة معادية بالكامل للدولة عبر دعمه وتشجيعه وتمكينه للجماعات الانقلابية والانفصالية وتراجعه عن دعم المعارك مع الحوثيين إلى المستويات الدنيا.

وكانت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً قد اتهمت الإمارات بدعم المجلس الانتقالي بقيادة عيدروس الزبيدي المقيم في أبوظبي، في مسعاه لتحقيق انفصال جنوب اليمن كدولة مستقلة عاصمتها عدن.

ولفت التميمي إلى أن هناك أطرافاً في التحالف وامتداداتها في الداخل تتحدث أيضاً بصوت مرتفع عن تدخل تركي قطري في الشأن اليمني، "في محاولة لتبرير الإجراءات العدائية التي تستهدف الوحدة اليمنية"، على الرغم من عدم وجود مؤشرات حتى الآن تؤكد صحة ادعاءات كهذه.

وقال التميمي لرصيف22: "هذا لا ينفي أن هناك رغبة لدى أطراف يمنية بتدخل تركي، وهؤلاء رأوا نتائجه الإيجابية في الصومال وليبيا وفي شمال سوريا".

السعودية عقبة أمام تركيا

على الرغم من كل هذا الحديث، فإن أي تدخل تركي في اليمن على غرار سوريا أو ليبيا يواجه تحديات صعبة للغاية منها وجود العديد من القوى الإقليمية الأخرى في هذا البلد، وتزايد مشاعر التشكيك في نوايا أنقرة في المنطقة، إضافة إلى تواجد أعضاء الحكومة اليمنية في الرياض.

لا يعتقد التميمي أن تركيا ستتدخل في اليمن "في ظل الارتهان الحالي لقيادة الشرعية ولثقتنا بأن الرئيس عبد ربه منصور هادي ليس بهذه الديناميكية ولا القدرة على المناورة ولا بالشجاعة التي تجلعه يقلب الطاولة على الترتيبات الخطيرة والعدائية للسعودية والإمارات".

ويضيف أن تركيا ملتزمة إلى حد كبير بالتعامل مع السلطة الشرعية رغم ارتهان الأخيرة للتحالف الذي تقوده الرياض، والذي يعمل على إضعافها وإجبارها على تقديم تنازلات لصالح ما يسميه بـ"الجماعات الانقلابية" في شمال البلاد وجنوبها.

ما إن بدأت تركيا في تغيير موازين القوى في ليبيا، لصالح حكومة الوفاق في طرابلس، وقبلها كان إيقافها اجتياح قوات النظام السوري لإدلب، حتى بدأ بعض اليمنيين يتساءلون: لماذا لا نستدعي أنقرة للتدخل في حرب باليمن؟

أما محمود الطاهر، فيقول إنه لن يتفاجأ بخبر هروب الرئيس اليمني من السعودية إلى دولة أخرى، وإعلانه إنهاء دعوة التحالف الدولي لمساندة الشرعية في الحرب على الحوثيين، و"بعدها سيطلب من أنقرة مساعدته".

ويتابع: "تركيا ليست بعيدة عن اليمن. هي منها على ذات المسافة التي تبعدها عن قاعدتها في الصومال، هذه القاعدة التي ستلعب دوراً في هذه المنطقة ودوراً قادماً في اليمن".

يؤكد المحلل السياسي فراس رضوان أوغلو أن تركيا ستصطدم على الأرض بدول آخر إذا تدخلت في اليمن، مثل السعودية والإمارات وسلطنة عمان، وهذا سيكون خطأ تكتيكياً، لأن هذه البلدان لا تزال أقوى كثيراً من أنقرة في اليمن.

ويقول لرصيف22: "صعب جداً التدخل التركي في اليمن، ربما يكون الدور التركي عبر مساعدة أحد الأطراف، لأنها لا تزال ضعيفة جداً في ظل ولاء العديد من القبائل للسعودية والإمارات وغيرها".

ويضيف: "اليمن ليست ليبيا، الطريق إلى هذا البلد طويل، وتركيا تحتاج إلى مقومات أكثر، مثلاً أن يكون هناك تسليح تركي أولاً، والحد من ارتهان الحكومة اليمينة للرياض، والتقليل من الانقسامات الداخلية".

ما يتوقعه رضوان أوغلو هو أن تستخدم تركيا قوتها الناعمة في اليمن، عبر "إرسال المساعدات الإنسانية، وطرح مبادرات لحل الأزمة".

من جانبه، يقول عادل الحميدان نائب رئيس تحرير جريدة الرياض السعودية إن الشرعية والشعب اليمني لن يقبلوا بأي تدخل في شؤونهم، و"المملكة قائدة التحالف العربي تدعم الشرعية، وعليه فإن أي تدخل تركي يجب أن يحصل على موافقة التحالف".

ويضيف لرصيف22: "من الواضح أن البلد القادم لتركيا سيكون اليمن بعد سوريا وليبيا، لكنهم يحتاجون إلى وكيل، وهذ الوكيل قد يكون الإخوان، لكن الشعب اليمني يعلم أن هدف الأتراك إقامة خلافة عثمانية جديدة".

وأكد الحميدان أن أجندة الإخوان باتت مكشوفة، والتحالف ومصر، التي تدرك أن أمن قناة السويس يرتبط بباب المندب، سيتصدون للرغبات التركية.

أحزاب المنفيين

يُجمع المتحدثون على أن تركيا عقب تدخلها في سوريا وليبيا بات يُنظر إليها على أنها لاعب محوري في المنطقة، لكن هناك انقسام في وصف دورها، فهناك مَن يرى أنها مستعمر للوطن العربي وآخرون يعتبرونها حصناً للمضطهدين وداعمة لثورات الربيع العربي.

يحذّر محمود الطاهر من أن تركيا دخلت بالفعل إلى اليمن، وكل الدول العربية، عبر القنوات الإعلامية التي تبث من إسطنبول، والتي رسمت لأنقرة صورة جميلة وصرفت انتباه المواطنين نحو معارضة بلدانهم أو تبرير السياسة التركية.

في 14 نيسان/ أبريل 2019، نشر مراسل صحيفة نيويورك تايمز في بيروت بن هبرد تقريراً قال فيه إن إسطنبول برزت كعاصمة للمنطقة للعديد من السياسيين والناشطين والمتمردين والصحافيين العرب الذين يعملون من هناك على دفع بلدانهم في اتجاه مختلف.

وأضاف: "المنفيون من جميع أنحاء العالم العربي: أعضاء الإخوان المسلمين من مصر، مقاتلون متمردون من سوريا وليبيا، نشطاء سياسيون من العراق واليمن، منشقون من السعودية والأردن، حتى أعضاء سابقون في البرلمان الكويتي جاؤوا إلى تركيا".

وقال إن المنفيين العرب في تركيا ليس لديهم حرية تعبير أكبر مما كانوا عليه في الداخل فحسب، بل لديهم مساحة أكبر بكثير من نظرائهم الأتراك.

ولفت إلى أن هؤلاء المعارضين الذين يصفون إسطنبول بأنها وطنهم، تعكس معارضتهم لبلدانهم حسابات وزارة الخارجية التركية، إذ يُسمح للمصريين والسوريين واليمنيين بأن يهاجموا حكوماتهم دون ضبط للنفس، في حين يُمنع آخرون معارضون من بلدان أخرى من ممارسة معارضة كاملة ضد حكوماتهم.

وأضاف: "يُطلب من المنشقين من السعودية، على سبيل المثال، التزام الهدوء حتى لا تتضرر العلاقات التركية السعودية، وفقاً لمنفي سعودي في إسطنبول تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لحماية أفراد عائلته الذين مُنعوا من مغادرة المملكة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard