"قانون قيصر" يدخل حيّز التنفيذ قريباً... تداعياته على لبنان وشكل المواجهة المقبلة

الاثنين 1 يونيو 202005:32 م

في الأيام الأخيرة، بدأ النقاش يتفاعل بشأن قانون العقوبات الجديد "قانون قيصر" (Caesar Act) الذي تعتزم الولايات المتحدة الأميركية تطبيقه على سوريا. ويشمل النظام وحلفاءه وكل من يتعامل معه من أفراد وشركات أو يقدم إليه مساعدة ولو بالمجان، ويُفترض أن يدخل القانون حيز التنفيذ منتصف حزيران/يونيو الجاري.

وبرغم عدم ذكر لبنان صراحة في القانون، أوحت مؤشرات وتصريحات أمريكية أن للقرار تداعياته على الدول المجاورة، ومنها لبنان، وهذا ما يطرح علامات استفهام حول حجم هذه التداعيات وشكل المواجهة المحتملة.

ففي 27 أيار/مايو الماضي، قال مساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيد شينكر: "سننظر في حزمة من العقوبات ونرى ما يمكن تنفيذه، وستشمل شخصيات من التحالف السياسي الداعم للحكومة اللبنانية، أي حلفاء حزب الله".

ويتزامن تفاعل النقاش بشأن هذا القانون مع ارتفاع وتيرة الحديث عن ضبط المعابر غير الشرعية والحدود اللبنانية السورية، وفي وقت يستكمل لبنان المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض لمواجهة أزمته المالية وفق خطة الحكومة الإقتصادية التي أقرتها في 30 نيسان/أبريل 2020. ولطالما اعتبر الصندوق إجراءات وقف التهريب شرطاً أساسياً لتقديم المساعدة للبنان، في حين يحضر حزب الله عند الحديث عن الجهة المسيطرة على غالبية المعابر الحدودية.

وللحد من التهريب، قررت الحكومة اللبنانية في 14 أيار/مايو 2020 مصادرة جميع المواد التي يتم إدخالها أو إخراجها من البلاد بصورة غير شرعية، وكذلك الآليات التي تقلها، بعد جدل سياسي بشأن تهريب مادتيْ المازوت والطحين المدعوم من الدولة اللبنانية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة، عبر هذه المعابر الى سوريا، وهذا ما يستنزف الخزينة العامة.

وقال رئيس الحكومة حسان دياب في 29 أيار/مايو الماضي: "سنوقف اقتصاد التهريب عبر إقفال هذه المعابر التي تتسبب بأضرار كبيرة للدولة اللبنانية وتستفيد منها حفنة من المهربين". علماً أنّ الحدود اللبنانية السورية مغلقة منذ شهرين في إطار إجراءات الحد من تفشي فيروس كورونا في البلاد.

يتزامن تفاعل النقاش بشأن قانون العقوبات الجديد الذي تعتزم الولايات المتحدة تطبيقه على سوريا مع ارتفاع وتيرة الحديث عن ضبط المعابر غير الشرعية والحدود اللبنانية السورية، وفي وقت يستكمل لبنان مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي لمواجهة أزمته المالية

اللافت أن هذا القانون يأتي بالتوازي مع تقديم السيناتور الأمريكي تيد كروز مشروع قانون في الكونغرس ضد لبنان بذريعة أن لبنان هو تحت سلطة حزب الله، وفق ما لفت إليه الخبير القانوني الدولي في الشؤون الاقتصادية علي زبيب لرصيف22، مشيراً الى التوقيت المشبوه لهذه القوانين.

وربط زبيب التوقيت بصدور القانون في سياق تفاوض لبنان مع المؤسسات المالية التي يمكن أن تكون حريصة على تأخير المفاوضات أو عدم مد لبنان بالأموال اللازمة، وذلك حتى تبيان طبيعة القانون، وخشية من أن يستخدم لبنان المساعدات للتعاطي اقتصادياً مع سوريا، أو لشراء مواد تُهرّب عبر المعابر غير الشرعية، لذا كان إصرار صندوق النقد على منع التهريب.

التداعيات

يعتبر معظم الخبراء المتابعين لهذا الملف أن انكشاف مدى تأثر لبنان بهذا القانون يبقى رهناً للوقت، وتتضح معالمه مع انطلاقة تطبيقه، إذ لا يزال مبهماً بعض الشيء ولا يمكن حسم تبعاته. لذلك يترقب الجميع راهناً ما ستؤول إليه الأمور في الأيام والأسابيع المقبلة.

فعلياً تنقسم الآراء، من باب التوقعات، بين من يعتبر أن القانون سيشكل خطراً على لبنان وبين من يقول إنه ليس بهذه الخطورة ويمكن الالتفاف عليه. وبمعزل عن هذا وذاك، يجد فريق ثالث أن لبنان لا يملك ترف الاعتراض وعدم التزام القانون.

لا يعتقد الخبير الاقتصادي جاد شعبان، وهو أستاذ مشارك في الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت، أن لهذا القانون مفاعيل خطرة على لبنان في المدى المنظور، وذلك لسببين أساسيين يختصرهما بأن حجم التبادل التجاري بين البلدين ليس كبيراً وغير واضح المعالم والتعامل الرسمي الحالي مع سوريا شبه مقطوع، ويرى أن الآثار ستظهر على المدى البعيد في الأغلب، بحسب ما قاله لرصيف22.

في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي حسن مقلد لرصيف22: "فعلياً لم يكن هناك مستوى من الاندفاع اللبناني على مدى السنوات السابقة للعمل في سوريا على قدر ما تفرضه الضرورة والمصلحة والعلاقات بين البلدين. وعلى المستوى السياسي، فإن الدولة اللبنانية لا تتعاطى مع الدولة السورية حتى في القضايا الأساسية التي يمكن أن تعود عليها بالفائدة، كأنّ يعبر لبنان إلى الداخل العربي عبر سوريا، وأن يستقدم لبنان الكهرباء بأسعار متدنية وتشجيعية".

بدوره، اعتبر زبيب أن "هناك تساؤلات حيال مدى تطبيق الأمريكيين القانون بحذافيره، والجرأة في تطبيقه، أو احتمال إهماله بعض الشيء، وهذا مرهون بالوقت"، متوقعاً أن يكون هدف هذا القانون سياسياً بحتاً لأخذ موقع مختلف لدى التفاوض مع سوريا، أو أن يكون المحاولة الأخيرة لضرب النظام السوري.

من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي جان طويلة، في حديثه مع رصيف22، أن "هذا القانون سيشمل لبنان حتماً بسبب تطبيع عدد من الأفراد والشركات اللبنانية مع سوريا، وإن لم يظهر ذلك في المرحلة الأولى من تطبيق العقوبات".

الجانب الاقتصادي

يتفق معظم خبراء الاقتصاد على أن التهديد الأكبر الذي يشكله تطبيق هذا القانون هو على الاستثمارات المستقبلية، والدخول إلى السوق السورية للمساهمة في "إعادة إعمار سوريا"، الجملة التي وردت صراحة في القانون.

بحسب شعبان، "ستكون الشركات عرضة لخطر فرض عقوبات أميركية عليها كتجميد حساباتها المصرفية"، وهذا ما سيرغمها على الانسحاب من سوريا. علماً أن الشركات الفاعلة راهناً في سوريا هي شركات صينية وإيرانية وروسية، فيما الوجود اللبناني ضئيل.

وقال مقلد إن هذه الشركات ستكون أمام خيارين "إما التوقف عن العمل أو حمل المخاطر والعمل وفق تحايل معيّن".

يُذكر أن لبنان كان يسعى إلى تسويق ميناء طرابلس (شمال لبنان) ليكون باباً في إعادة إعمار سوريا، لكن مع القانون الجديد يبدو أن العقوبات الأميركية عائق أساسي أمام ذلك.

"قانون قيصر" الذي تبدأ مرحلته الأولى منتصف حزيران/ يونيو يستهدف النظام السوري بشكل أساسي، لكن يتفق معظم خبراء الاقتصاد على أن له تداعيات على لبنان ستنكشف تباعاً، بينما تنقسم الآراء حول مدى خطورته وضرورة الالتزام اللبناني به كما إمكانية الالتفاف عليه

هذا المنطق في فرض القانون يعني أن خيار اللجوء الى السوق المشرقية الذي روّج له حزب الله والتيار الوطني الحر في الأسابيع الماضية، عبر البوابة السورية، كخيار أساسي لإنقاذ لبنان من اقتصاده المنهار، بات أيضاً شديد الصعوبة، وإلا فسيكون لبنان الرسمي - وليس حزب الله فحسب - في مرمى العقوبات الأمريكية.

يُشار إلى أن مسألة فرض عقوبات جديدة تشمل حزب الله وحلفاءه، لا سيّما شخصيات بارزة في التيار الوطني الحر، يتم الحديث عنها أخيراً، لكن لا أحد يعلم هل تستخدم الإدارة الأمريكية القانون السوري لتوسعة مروحة العقوبات في الفترة المقبلة أم لا، وفق ما قاله شعبان.

في سياق متصل، قال طويلة: "ستكون لهذا القانون تداعياته الاقتصادية إذا لم يلتزمه لبنان، أقله وقف المساعدات الأمريكية. لذا يجب أخذ هذا الأمر في الاعتبار، كونه قد يكون سبباً في عدم حصول لبنان على أموال صندوق النقد، في الوقت الذي أكدت فيه الحكومة اللبنانية أن خلاص لبنان لا يمكن أن يكون إلا من خلال هذا الصندوق".

ولفت طويلة إلى "احتمال أن يكون هذا القانون بطاقة جديدة بين يدي أمريكا لعزل حزب الله والضغط عليه أكثر فأكثر، وقد ينعكس هذا الأمر سلباً على لبنان كله، لكون الحكومة محسوبة على هذا الطرف وحلفائه".

الجانب القانوني

فعلياً، القانون موجه في الدرجة الأولى إلى النظام السوري، وفي ما يعني لبنان أنه يشمل أي دولة أو شركة أو فرد يتعامل مع الدولة السورية في مجال الدعم الاقتصادي، "وهذا ما يعني خروج هؤلاء جميعاً من النظام المصرفي بكليته، وفرض عقوبات اقتصادية بحقهم ووضع أسمائهم لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية - الأوفاك" وفق زبيب الذي وصف "قانون قيصر" بأنه من أصعب القوانين التي أقرت ضد سوريا منذ بداية الحرب فيها عام 2011، وهو شبيه بقانون تحرير العراق، وقانون منع التمويل الدولي لحزب الله اللبناني الذي صدر عام 2015 وعُدّل عام 2017.

ويعتقد زبيب أن خطورته على لبنان تكمن في شموليته، لأنه قانون شامل وفضفاض وليس له حدود، يبدأ بدوائر صغرى ويتسع من الأفراد إلى الدول، قائلاً: "لا نعلم كيف سيوظف المشترع الأميركي هذا القانون، حتى يتذرع به ليفرض عقوبات على من يريد".

"هذا القانون خطوة متقدمة في العقوبات المفروضة على سوريا، لا سيما أنه يشمل نشاطات ذات منحى إنساني وصحي تطال السكان وأي تعاون مع المصرف المركزي. وعليه، هو قانون غير مسبوق في العلاقات بين الدول".

ورأى مقلد أن "هذا القانون خطوة متقدمة في العقوبات المفروضة على سوريا، لا سيما أنه يشمل نشاطات ذات منحى إنساني وصحي تطال السكان وأي تعاون مع المصرف المركزي. وعليه، هو قانون غير مسبوق في العلاقات بين الدول"، لافتاً الى أنه ليس قانوناً دولياً بل قانون أمريكي.

وعن مدى إلزاميته، قال زبيب: "القانون غير ملزم، إذ ليس هناك دولة تلتزم قانون دولة أخرى، ولكن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل بطريقة مختلفة، فهي تفرض قوانينها على مصارفها، أي المصارف المراسلة لجميع مصارف العالم لكون الدولار هو العملة الأقوى، وتالياً تستطيع من خلال مصارفها منع التعامل مع أي مؤسسة مالية دولية لا تطبق القوانين الأمريكية. وعليه ليس لدى أي مؤسسة مالية الجرأة على رفض هذا القانون".

شكل المواجهة المحتملة

في ما يتصل بشكل المواجهة المقبلة، اعتبر مقلد أن ردة الفعل ستكون مرتبطة بردة فعل الدولة السورية وحلفائها من الدول على هذا القانون فور بدء تطبيقه. برأيه، ربما ستتحايل سوريا وحلفاؤها على العقوبات كما فعلت طوال السنوات التسع الماضية، وقد يجعلهم التصعيد الأمريكي يلجأون إلى فتح خيارات اقتصادية أعمق وأوسع في ما بينهم، لا سيما في ظل تغيرات فرضها فيروس كورونا على المستوى الدولي، والحديث عن حرب اقتصادية باردة بين الصين وأميركا ينعكس في بؤر التوتر، ومنها سوريا.

وقال مقلد: "لو توفر القرار السياسي اللبناني لكانت سوريا أصبحت رئة لبنان، ولحصلت الاستفادة من ذلك في الاتجاهين. وفي حال توفّر هذا القرار يمكن أن تفرض الدولة اللبنانية شروطها، وبذلك تتفادى العقوبات، ولكن في ظل غيابه سيكون قانون قيصر ضاغطاً على لبنان".

وأشار مقلد الى وجود طرائق كثيرة لتفادي العقوبات وفق القانون الأمريكي نفسه، كاستخدام اليورو أو العملات الوطنية والتواصل عبر شركات وطنية تتعامل بين البلدين.

من جهته، أضاف زبيب: "لا بد من إيجاد طرائق كي لا يرضخ لبنان لهذا القانون الذي له علاقة بضرب دولة ثانية هي دولة مجاورة، ولا يتصل بلبنان وامتثاله. مثل العمل عبر شركات غير لبنانية والشركات غير المعنية للتعامل مع القطاع المصرفي الأمريكي أو لديها استثمارات خارجية، وغيرها من الأمور لكسر هذا القانون".

وختم: "أما الدولة اللبنانية فهي غير مُلزَمة بفرض عقوبات أو أي نوع من الأمور الجزائية على أي شركة لبنانية تتعامل مع سوريا في جميع الأحوال. من المتوقع أن تبدأ السوق اللبنانية باستيلاد طرائق للالتفاف على هذا القانون من أجل التعامل مع الدولة السورية من دون أن يُعرّض نفسه للعقوبات التي ليس لدى لبنان القدرة على تحملها في ظل الحاجة إلى المؤسسات المالية الدولية التي تسيطر أمريكا عليها بكليتها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard