هل غيّرت أزمة كورونا شكل العمل إلى الأبد؟

الاثنين 1 يونيو 202004:53 م

لقد اتضح تأثير جائحة كورونا في الوطن العربي والعالم ككل على العمالة، خلال ثلاثة أشهر من تطبيق الحظر الصحي، وقد كانت دول العالم الثالث، ومنها دول المنطقة العربية، الأكثر تأثراً، نتيجة لاعتمادها على العمالة اليومية غير المنظمة في سوق العمل، والتي تبلغ أضعاف العمالة المنظمة.

هل تعلم أن عملك الحالي مهدد؟ ما هي الوظائف التي ستفقد بسبب جائحة كورونا؟ ومن هي الفئة الأكثر تضرراً؟ نعرض في هذا المقال أهم التغيرات الإدارية والاقتصادية العالمية المعاصرة، في ظل أزمة فيروس كورونا.

العمالة المياومة والقطاعات غير الرسمية في العالم العربي

من المتوقع حدوث تسونامي من فقدان الوظائف في المنطقة العربية، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يعملون بدون عقود، ومن الممكن أن تتحول أزمة سوق العمل في الوقت الحالي بسهولة إلى كابوس سينعكس حتماً على شكل اضطرابات اجتماعية. لقد صرح المدير العام لمنظمة العمل الدولية، جاي رايدر، أن "العمال والشركات يواجهون كارثة في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية"، ومن الممكن أن ينتهي المطاف بحوالي 300 مليون شخص عاطل عن العمل بدوام كامل من العمالة المنظمة (المسجلة في الشركات)، ومن غير الممكن تحديد رقم للعمالة غير المنظمة حالياً.

من الممكن أن ينتهي المطاف بحوالي 300 مليون شخص عاطل عن العمل بدوام كامل من العمالة المنظمة.

ومن الدول الأكثر تضرراً هي الدول العربية، (خمسة ملايين عامل مسجل بدوام كامل)، ويضاف لها العمالة غير النظامية والعمالة بدوام جزئي التي يصعب حسابها، كما أكدت العديد من الدراسات أنه من بين كل 4 فرص عمل بدوام كامل، هناك فرصة عمل واحدة منظمة ومسجلة (عقد نظامي) في الوطن العربي، أي يمكننا أن نقدر فرص العمل الكلية المهددة بالزوال بالوطن العربي نتيجة جائحة كورونا بحوالي 20 مليون فرصة عمل كتقدير أولي، إذا لم تتخذ الحكومات إجراءات وقائية وعلاجية للأزمة.

وتشير تقارير منظمة العمل التابعة للأمم المتحدة، إلى خطورة خسارة فرص العمل في الدول العربية بنسبة قد تصل إلى 33.2% من إجمالي فرص العمل، بحال استمرار أزمة كورونا حتى نهاية العام الحالي. كما أكد التقرير بأن فرص العمل المهددة بالزوال حسب القطاعات الاقتصادية: تقسم إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى الأشد خطراً: العاملون في قطاع التجارة، قطاع الصناعة وقطاع السياحة، ويشكلون نسبة 32% من العمالة. المجموعة الثانية متوسطة الخطورة: العاملون في النقل، المؤسسات المالية والمصرفية، المقاولات، الترفيه والتسلية، ويشكلون نسبة 20.8% من العمالة. المجموعة الثالثة الأقل خطراً: العاملون في الزراعة، الصحة والتعليم، ويشكلون نسبة 35.9%.

هل تعلم أن عملك الحالي مهدد؟ ما هي الوظائف التي ستفقد بسبب جائحة كورونا؟ ومن هي الفئة الأكثر تضرراً؟ نعرض في هذا المقال أهم التغيرات الإدارية والاقتصادية العالمية المعاصرة، في ظل أزمة فيروس كورونا

هل سنشهد تحقق نظرية نهاية العمل؟

من المتوقع أن يتفعّل في الاقتصاد مفهوم العمل عن بعد، إثر كورونا، وربما لا يكون المفهوم جديداً في حد ذاته، لكن أزمة كورونا جعلت منه واقعاً اقتصادياً واسع الانتشار، وربما بتكلفة مالية مقبولة نسبياً بالنسبة للقطاع الخاص، فسوق العمل عن بعد نمت بمقدار 91% خلال العقد الماضي، لكن شركات مثل "أمازون"، "فيسبوك"، "جوجل" و"مايكروسوفت" قد بدأت العمل عن بعد مع كورونا، وقد حاولت العديد من الشركات الخاصة والعامة تطبيق العمل عن بعد في المنطقة العربية، ومن بين القطاعات الأعلى تفاعلاً وإنجازاً للعمل عن بعد كان قطاع التعليم، فقد عملت وزارات التربية والتعليم العالي في معظم الدول العربية بتوجيه مدرسيها ومحاضريها لنشر المحاضرات والتواصل مع الطلبة عن بعد، وقد كانت هذه التجربة ناجحة لحد ما، على الرغم من عدم توفر كافة التجهيزات اللازمة للعمل عن بعد في العديد من الدول العربية.

من المتوقع أن يتفعّل في الاقتصاد مفهوم العمل عن بعد، إثر كورونا، وربما لا يكون المفهوم جديداً في حد ذاته، لكن أزمة كورونا جعلت منه واقعاً اقتصادياً واسع الانتشار.

إن التطور المهم بالنسبة لباقي الوزارات والشركات الخاصة في الوطن العربي، أن تلك الشركات لم تصمم أو تهيئ بنيتها التحتية لمثل تلك الظروف، وإنما صممتها على أساس المفهوم التقليدي للعمل الجماعي داخل أبنية المؤسسة، ورغم ذلك لم تفلح العديد من الشركات والوزارات العربية خلال الأزمة في تكييف أوضاعها مع التطورات الجديدة، التي تضمنت عمل بعضهم عن بعد، وإنما توجهت إلى الإغلاق والطلب من عامليها الجلوس في المنزل دون تقديم أي عمل بديل. إن عملية التحول للعمل عن بعد ليست عملية سهلة، ولا يمكن تطبيقها على الجميع، فبعض المهن يمكن أن تتكيف مع ذلك، ولكن لا يمكن للعاملين في قطاعات البيع بالتجزئة والمطاعم والفنادق العمل من المنزل، على سبيل المثال، كما أن التطور التكنولوجي المتاح حالياً لا يسمح بأن تكون المخرجات الإنتاجية للعاملين عن بعد مساوية لنظرائهم في بيئة العمل التقليدية.

تركز العديد من الشركات على ضرورة إشاعة نمط العمل من المنزل واعتماده على نحوٍ واسع، وعلى الرغم من مساهمته في توفير الأموال وتخفيف التلوّث نتيجة تراجع حجم التنقلات، فلا يمكن تجاهل الآثار النفسية والصحية المترتبة عليه، كما أنه يُعطي الذريعة لكثير من المؤسسات لتخفيض الأجور بدعوى انخفاض نفقات العاملين فيها، ومن المتوقع توجه العديد من القطاعات الإنتاجية إلى اعتماد أشكال متقدمة من الأتمتة والتكنولوجيا غير المعتمدة على العنصر البشري، بهدف تجنّب تعطّلٍ مماثلٍ لما تشهده هذه القطاعات حالياً، وهو ما سيعني مستقبلاً، تسريحاً متزايداً للعمال، تقليصاً متزايداً لحجم فرص العمل ومعدلات أعلى من البطالة.

وقال دانييل صن، نائب رئيس الأبحاث لدى مؤسسة جارتنر، إن "الشركات تميل إلى اتباع استراتيجيات وخطط تقليدية لاستمرارية الأعمال، تركز على ثبات الموارد والعمليات، ولكنها تهمل نموذج العمل، الذي قد يُبرِز -بحد ذاته- مخاطر على استمرارية العمليات عند وقوع أحداث خارجية، مثل تفشي وباء كوفيد-19 عالمياً.

يبدو أن مستقبل العديد من الوظائف مقبل على تحول من الوظائف التقليدية إلى النموذج الجديد من العمل عن بعد، مع النظر في إمكانية أتمتة بعض الوظائف أو تحويلها رقمياً، والتركيز على الوظائف الإبداعية متعددة المهارات. هذه التطورات المثيرة تدفع إلى التفكير في مستقبل العمل برمته، وما إذا كانت أزمة كورونا ستتسبب في نهايته كما نعرفه اليوم، وما إذا كانت ستتحقق نبوءات بعض الفلاسفة والمنظّرين الذين تنبؤوا بذلك بالفعل، وإن كان لأسباب أخرى. مثل "جريمي ريفكن"، في كتابه "نهاية العمل" الذي طرح ذلك التنبؤ في عام 1995، لدى بزوغ فجر الطفرة التكنولوجية، قائلاً: "إن التكنولوجيا ستُفضي تدريجياً إلى اختفاء اليد العاملة البشرية"، وقد توقع أن ينتج عن ذلك انتشار "البطالة والعوز"، وطالب بالاستعداد لذلك عن طريق "الاستثمار الضخم في الاقتصاد الاجتماعي، والتحلّي بالأمل في ظهور مجتمع أقل تعلّقاً بالتجارة والبيع، وأكثر تضامناً".

هل يكون خيار تسريح العمال هو الخيار الأول لتخفيض النفقات؟

يوجد إجماع على أن قطاع الشركات متناهية الصغر والصغرى والمتوسطة هي الأكثر تضرراً نتيجة الجائحة، مع العلم أن هذه القطاعات الثلاثة هي الأكثر توظيفاً للعمالة على مستوى العالم، وتحتل هذه الشركات أهمية استراتيجية كبيرة في أغلب اقتصاديات العالم، فتمثل أكثر من 90% من الاقتصاديات المسجلة والمنظمة، وتوفر أكثر من 50% من فرص العمل، ولأنها من الشركات الأكثر تشغيلاً لليد العاملة في العالم والمنطقة العربية، وخصوصاً تلك المشتغلة في مجال الفنادق، المطاعم، المصارف، شركات النقل، تجارة الجملة والتجزئة، كانت الأكثر تأثراً، حيث أغلق جزء منها أعماله كلياً وسرح جزء عمالته، والجزء الآخر عمد إلى تخفيض الأجور وإعطاء إجازات طويلة لعامليه.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مجموعة من الباحثين من جامعةTsinghua University في الصين، على عينة متنوعة من الشركات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر، أن أكثر من ثلث الشركات أقرّت بأنها لا تستطيع الاستمرار لأكثر من شهر، في حين أقرّ ثلث بأنه لا يستطيع الاستمرار لأكثر من شهرين، وفي المقابل، خلص الاستطلاع إلى أن 10% فقط من الشركات يستطيع المقاومة لمدة 6 أشهر.

وناقشت مجلة "فورين بوليسي" التحولات التي ستطال العالم بعد كورونا، وركزت على آراء عدد من الخبراء حول العالم، وخرجت بعدد من الاحتمالات، أبرزها أن العالم سيكون أقل انفتاحاً، أقلّ حرية، أكثر فقراً وأكثر فقداناً لفرص العمل، كما أكد الدبلوماسي الأمريكي السابق، ريتشارد هاس، أن معظم الحكومات ستنكفئ إلى الداخل، وتبحث عن اكتفائها الذاتي، وستكون الحكومات معادية للهجرة وللعمال من الخارج، فيما ستصبح الدول الفقيرة أكثر فقراً وضعفاً.

وركزت العديد من الحكومات في العالم إلى إطلاق برامج للتحفيز الاقتصادي، كان نصيب الأسد فيه لقطاع الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة، وعززت الحكومات هذه البرامج بحزم متنوعة من الحوافز الجبائية والمساعدات المالية لهذا القطاع، لحمايته وللحفاظ عليه وتمكينه من القيام بدوره المعهود في تعزيز النمو وتنشيط الدورة الاقتصادية. ولعل البيان الذي صدر عن القمة الاستثنائية الافتراضية لقادة دول مجموعة العشرين، بدعم مالي كبير، يقدر بـــ 5 تريليون دولار أمريكي لدعم الاقتصاد العالمي، خير دليل على الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع وتمركزه في قلب معركة العالم ضد الآثار الاجتماعية والاقتصادية والمالية للجائحة.

 لتحافظ على عملك أو للحصول على فرصة عمل جديدة، يجب أن تكتسب المهارات الآتية: لغة أجنبية واحدة على الأقل، معرفة متقدمة بالبرمجيات المتعلقة باختصاص عملك، معرفة متقدمة بتقنيات الإنترنت ووسائل الاتصال والتطبيقات الحديثة، توفر إمكانية العمل عن بعد أو في المنظمة وغيرها من مهارات تجدونها في هذا التقرير

التغيرات المستقبلية في علوم الإدارة وطبيعة سوق العمل المستقبلي

إن الأزمة الراهنة كشفت جوانب لم ينتبه إليها البشر من قبل في أساليب أداء العمل، وقد يكون ذلك هو الأمر الهام في مستقبل سوق العمل، وبحسب دراسة أمريكية لقناة "سي إن بي سي" الإخبارية الأمريكية، لتقصّي رأي عدد من مديري الشركات والبنوك الكبار حول العالم، تؤكّد أن "العمل من المنزل" قد يكون هو "الوضع الطبيعي الجديد" لكثيرٍ من الموظفين والمديرين كذلك، كما أن شركات كبرى مثل "مونديليز" و"نيشن-وايد" وبنوكاً كبرى مثل "مورغان ستانلي" و"باركليز"، باتت تفكر جديّاً بانتقال دائم للعمل من المنزل، بما يقابله ذلك من تقليص لمساحات المكاتب.

أما فيما يخص العاملين، فالسؤال الأهم حالياً كيف تحافظ على عملك الحالي أو كيف تتمكن من كسب وظيفة جديدة في ظل التغيرات الإدارية والاقتصادية وتسريح العاملين؟

ستواجه الإدارة والمدراء تحديات كبيرة خلال الفترة الحالية والمستقبلية، وسوف تفرض هذه التغيرات أثارها على وظائف الإدارة وقدرات ومهارات المدراء الحاليين في التعامل مع هذه التغيرات في طبيعة العمل وسوق العمل، وبعض هذه التغيرات قد بدأ فعلاً منذ فترة، وبعضها الآخر انطلق مع كورونا، ما سيؤدي إلى تغير في ملامح البيئة الإدارية وتغير في ممارساتها، وأهم هذه التحديات المستقبلية للإدارة هي النقاط الآتية: التغير في بيئة الإدارة، العولمة، الخصخصة والاستثمارات الخارجية، تطبيق إدارة الجودة الشاملة، التطور في اقتصاد الخدمات والمعلومات، التطور التكنولوجي وأتمتة العمل.

لقد اهتمت الشركات خلال الفترة الماضية بقسمين جديدين من علوم الإدارة، أهمها إدارة المعرفة وإدارة المواهب، ويقصد بإدارة المعرفة: التقنيات والأدوات والموارد البشرية المستخدمة لجمع وإدارة ونشر واستثمار المعرفة ضمن مؤسسة ما.

يُنظر إلى إدارة المعرفة على أنها إدارة ما يمتلكه الأفراد من مهارات تستند إلى المعرفة، ويقصد بإدارة المواهب في أي مؤسسة: جميع العمليات الخاصة بالموارد البشرية التي تعمل على جذب وتطوير وتحفيز واستبقاء الموظفين ذوي المهارات والكفاءات والأداء العالي. بالمختصر، إن التغيرات المستقبلية في علوم الإدارة سوف تبدأ من إدارة الموارد البشرية التي يتطلب عملها المستقبلي إعادة تقييم العاملين الحاليين، وفرز العاملين القادرين على تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع متغيرات العمل وسوق العمل العالمي، أو استقطاب وتعيين موظفين وعاملين جدد من أصحاب المهارات والمعرفة والتميز والابتكار، وقد أضيف إلى عمل الموارد البشرية الحديث اختصاصان جديدان: إدارة المواهب وإدارة الأنشطة المبرمجة آلياً، وهذان الاختصاصان غير متوفرين بأغلب الشركات العربية.

وهذا التغير في طبيعة اختيار العاملين لن يتحقق في الفترة القريبة، ولكن قد بدأت عجلة تطبيقه في العديد من شركات الوطن العربي، وتجربة الإمارات هي أكبر دليل على ذلك، وهذا التغير سيؤدي إلى تغيرات في العديد من الوظائف والعمالة الحالية في مختلف الأقسام في مختلف الشركات في الوطن العربي، وعلى مستوى العالم.

أما فيما يخص العاملين، فالسؤال الأهم حالياً كيف تحافظ على عملك الحالي أو كيف تتمكن من كسب وظيفة جديدة في ظل التغيرات الإدارية والاقتصادية وتسريح العاملين؟

بشكل مبسّط سوف نجيب عن هذا التساؤل: لتحافظ على عملك أو للحصول على فرصة عمل جديدة، يجب أن تكتسب المهارات الآتية: لغة أجنبية واحدة على الأقل، معرفة متقدمة بالبرمجيات المتعلقة باختصاص عملك، معرفة متقدمة بتقنيات الإنترنت ووسائل الاتصال والتطبيقات الحديثة، توفر إمكانية العمل عن بعد أو في المنظمة، الخضوع لدورات تدريبية بشكل مستمر، التركيز على الإبداع والتميز والسرعة في العمل، إتقان أكثر من مهارة من مهارات العمل مع إمكانية القيام بأكثر من عمل، القدرة على التطور بشكل مستمر. في حال توفر الشروط السابقة فسوف تكون من المحافظين على عملك أو من الحاصلين على فرصة عمل مميزة في المستقبل، وربما ستكون من بين المليار الذهبي على مستوى العالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard