"سنحكي لأولادنا قصص حب مثليات تونس"

الأربعاء 3 يونيو 202003:29 م

لم يكن سهلاً على الفتيات المثليات التونسيات الحديث عن تجاربهن، فالخوف من العائلة، المجتمع، الأمن والقانون يكبّلهن، لهذا استمر بحثي عن مثليات يقبلن مشاركة الجميع حكايتهن، وقتاً طويلاً، وربما كان سيطول أكثر لولا تواصلي مع مريم التي فتحت الباب للحديث عن تجربتها، وكانت مرشدتي لمثليات أخريات.

مريم شابة تونسية مثلية الجنس (30 عاما)، كانت تعيش في تونس، ولكنها انتقلت إلى إسبانيا بعد أن تعرفت على شريكتها ياسمين (31 سنة)، واتفقتا على تأسيس العائلة التي رغبتا بها دائماً، داخل محيط لا ينظر إلى علاقتهما كجريمة تستحق العقاب.

"مشاعرنا طبيعية ولسنا مُعقّدات"

بدأت حكاية مريم وياسمين في عام 2016، عندما عادت الأخيرة من الولايات المتحدة الأمريكية لحضور حفل زفاف شقيقتها، واستغلت المناسبة لزيارة مريم، وبعد هذا اللقاء توطدت العلاقة بينهما، حتى بعد عودة ياسمين إلى أمريكا.

بحسب رواية مريم لرصيف22، وتوافقها ياسمين: "أصبحنا نتواصل بشكل يومي، نتشارك الكثير من الحكايات اليومية ما جعلنا صديقتين مقربتين، واستمرت هذه العلاقة "صداقة فقط" حتى موعد انفصالنا عن حبيبتينا الذي صادف أن تم في نفس الفترة ولذات الأسباب، وكان حدثاً مفصلياً في علاقتنا".

بعد انفصال كل من مريم وياسمين عن حبيبتيهما السابقتين، دعمتا بعضهما البعض نفسياً، ونجحتا في الخروج من تلك الحالة رغم بُعْد المسافة.

"ليس مرضاً أن تستهويك فتاة دون الرجل، وليس عيباً، فهكذا خلقنا كما خلق غيرنا بميول أخرى، إنه إحساس قوي جداً، لا نحسب أنكم قادرون على فهمه"

بدأت علاقتهما تتوطد، وفكرا في إمكانية الزواج، وتأسيس عائلة سوية، لذا قررتا ترك تونس، وإلا فستواجهان "الفشل، التتبع القضائي والنبذ الاجتماعي".

مخاوف يومية تختبرها مريم مع شريكتها ياسمين بسبب الميول الجنسية، فقد تعرضت مريم للإيقاف من أعوان الأمن أكثر من مرة، واستطاعت الإفلات من التقدم للمحاكمة بدفع رشوة.

وينتاب الفتاتين الخوف المستمر من إبلاغ سائقي التاكسي السلطات، أسوة بما حدث لمثليين ومثليات أخريات، كل ذلك دفعهما لاتخاذ قرار اللجوء إلى إسبانيا.

وحسب منظمة هيومن رايس ووتش، تعتقل الشرطة التونسية في كثير من الأحيان، الأشخاص فقط على أساس المثلية الجنسية المتصورة، بموجب الفصل 230 من المجلة الجزائية الذي يجرّم "اللواط".

ودعت المنظمةُ الحكومةَ أن تأمر بوقف إنفاذ النيابة العمومية للفصل 230 حتى قبل أن يلغيها البرلمان، وأن تصدر توجيهاً يأمر بوقف فوري للاختبارات الشرجية لتحديد السلوك الجنسي للأشخاص، كجزء من تحقيقات الشرطة.

وظلت العقبة الأصعب في طريق ارتباطهما، واستكمال حياتهما في إسبانيا: العائلة.

"عندما اتفقت مع مريم على اللجوء "، تقول ياسمين، "تركت كل شيء ورائي، بما في ذلك عملي في أمريكا، فقط لنكون معاً، ولكن المواجهة مع العائلة لم تكن سهلة، في البداية أخفيت عنهم انتقالي إلى إسبانيا، ثم واجهتهم بالأمر فيما بعد، فكان الخبر بمثابة الصدمة بالنسبة لوالدتي".

"رفضت والدتي التواصل معي لفترة طويلة حتى تفهمت الأمر".

شكّت والدة ياسمين في ميولها الجنسية عندما كانت في بدايات شبابها، ولكنها أنكرت خوفاً، والآن بعد علمها بمثليتها، رفضت التواصل معها لفترة طويلة حتى تفهمت الأمر.

وفي النهاية أبقت ياسمين خبر ميولها المثلية بين والدتها وأخيها وأختها، بعيداً عن "العائلة الموسعة"، خوفاً على حياتها.

وتتطلَّع مريم وياسمين لأن يستوعب الأشخاص الذين يرفضون وجودهما أن يقتنعوا بأن المسألة متعلقة بميل جنسي طبيعي لديهما، وألا عقد نفسية مرتبطة بعلاقتهما مع أبويهما حملتهما لتكونا مثليتين، تقول ياسمين: "ليس مرضاً أن تستهويك فتاة دون الرجل، وليس عيباً، فهكذا خلقنا كما خلق غيرنا بميول أخرى، إنه إحساس قوي جداً، لا نحسب أنكم قادرون على فهمه".

وكانت جمعية شمس قد كشفت مؤخراً ارتفاع عدد أحكام الإدانة بتهمة المثلية الجنسية في تونس في السنوات الأخيرة، إذ أحصت 121 عملية إيقاف ومحاكمة طالت المثليين سنة 2019، وسجن 127 شخصاً "بتهمة المثلية الجنسية" عام 2018 فقط، مقابل 79 عام 2017 و56 عام 2016.

"علاقاتي فاشلة بسبب المجتمع"

سلمى شابة من محافظة سوسة (25 سنة)، اكتشفت أنها مثلية الجنس في عمر الـ19، وقررت عدم التنازل عن ميولها الجنسية والتعايش معها، رغم الموانع العائلية والمجتمعية، ولم تتوان عن خوض تجارب عاطفية مع فتيات بذات الميول، لكنها لم تكلل بالنجاح بسبب الضغوط المفروضة على المثليين/ات في تونس.

تقول سلمى لرصيف22: "تعرفت على الكثير من الفتيات، وجمعتنا قصص حب جميلة، لكنها هذه العلاقات لم تستمر، نظراً للقيود المسلطة علينا من العائلة، والمحيط الاجتماعي برمته. الظروف كانت دائماً تعيق علاقاتي مع الفتيات اللاتي أحببت، لا سيما عندما نكون معاً في الشارع، حيث ليس بوسعنا المشي أو الحديث أو النظر إلى بعض بشكل طبيعي، كما لا يمكننا حتى شبك أيدينا أمام الجميع، ولعل الموقف الأصعب بالنسبة لنا أن تتعرض إحدانا للمعاكسة من بعض الشباب، وتضطر للصمت، وعدم القيام بأي ردة فعل، كي لا تنكشف ميولنا الجنسية".

"نضطر للصمت حتى لا تُكتشف ميولنا الجنسية".

وتعاني سلمى من نظرات العائلة الدونية، خاصة إذا ما شوهدت برفقة فتاة يبدو واضحاً أنها مثلية الجنس، بل وتعاقب على ذلك بقسوة.

"أذكر في أحد المرات أن أحد أفراد عائلتي قد شاهدني في مناسبات عديدة مع فتاة تبدو واضحة ميولها الجنسية، فأخبر والدي بما رأى، فكانت العاقبة وخيمة جداً"، إذ تم احتجاز سلمى في البيت، مُنعت من الخروج وقطع عنها المصروف لأيام، وأصبح الحديث عن زواجها لا يتوقف، وتتالت الأسئلة: متى زواج سلمى؟ متى نرى أطفالها؟ ابن خالتها يريد الزواج بها، وغيرها من التفاصيل التي ضيقت الخناق حولها، ودفعتها للدخول في حالة من الكآبة.

تحلم سلمى بأن تخوض تجربة عاطفية مع حبيبة تكلل بالنجاح والحرية والثقة، وتؤسس عبرها أسرة وأطفال على مرأى ومسمع الجميع، دون الخوف من عيون الجيران أو سلطة العائلة، لكنها تدرك أن هذا صعب المنال ما دامت في تونس.

وتؤكد سلمى أنه في حال تم إجبارها من طرف العائلة على الزواج من رجل، فإنها ستختار صديقاً مثلياً تتزوجه، "ثم نسافر إلى بلد أجنبي، لنعيش بحرية الحياة التي نريد".

تؤكد سلمى أنه في حال تم إجبارها من طرف العائلة على الزواج من رجل، فإنها ستختار صديقاً مثلياً تتزوجه، "ثم نسافر إلى بلد أجنبي، لنعيش بحرية الحياة التي نريد"

بوحديد بلهادي، المدير التنفيذي لجمعية شمس المدافعة عن حقوق المثليين، يصف وضع المثليين في تونس بـ"الكارثي"، فرغم تراجع عدد الإيقافات والمحاكمات، إلا أن التجاوزات "الوحشية والمليئة بالعنف والكراهية" مستمرة ضد المثليين دون رادع قانوني.

ويقول بلهادي لرصيف22: "ما دام النص المشرع لتجريم المثليين قائماً، والفحوص الشرجية تمارس في أروقة الطب الشرعي، وقضايا أساسها النيل من المعطيات الشخصية للمثليين، واعتماد وسائط محادثات فايسبوك، وصور، وفيديوهات لإدانتهم، والحكم عليهم بالسجن، فهذا يحيلنا للإقرار بأن الوضعية لا يمكن أن تكون إلا كارثية، في ظل عدم توفر الضمانات الدستورية، غياب وعي الدولة وإرادتها من أجل التغيير الذي يتطلب فقط احترام الدستور".

وبحوزة جمعية شمس مشروع قانون يهدف لإلغاء تجريم المثليين، وضمان حقهم في اللجوء للعدالة في حال الاعتداء عليهم، تعتزم طرحه بعد نهاية أزمة كورونا، والتفاوض بشأنه مع الأطراف المعنية، رغم التوجس من تجاوب البرلمان بتركيبته الحالية معه.

يضيف بوحديد: "في ظل وعينا بأن التركيبة البرلمانية الحالية أيديولوجية بحتة، وتطغى عليها الشعبوية، فإننا لا نتوقع أن البرلمان الحالي جدير بمناقشة، وتداول موضوع حساس كموضوع المثلية، خاصة مع غياب الضمان الدستوري الوحيد وهو المحكمة الدستورية، ولهذا سيكون توجهنا القادم هو السلطة التنفيذية، وستكون مقترحاتنا عملية ذات صبغة تنفيذية بحتة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard