الفخ الهوياتي... الوطنية الجزائرية وموجات الارتداد إلى ما قبل الحداثة

الأحد 31 مايو 202012:01 م

كتب بختي بن عودة، الذي اغتاله الإرهاب يوم 22 مايو / أيار 1995، بياناً ضد القبيلة، وتضمن ما ينطبق على الحالة التي تعرفها الجزائر حالياً: "ها هي القبيلة تكشف عن الحنين الذي فيها إلى داحس والغبراء، إلى الحرب الضروس، تكشف عن الضغينة التي تكسو جلدها، تحرك الخلايا الوحشية فيها، وتمنح لجهلها المزركش شرعية مريضة بمحاربة التحديث والاختلاف ".

انبعاث القبيلة والعصبية يترجم حالة تحلل وهشاشة، حالة يتم فيه الاستنجاد بالغيتو كآلية دفاع نفسي سلبية، آلية مراوغة الذات والهروب من المواجهة باعتراف بضعف الإرادة في تجاوزه.

الانبعاث يقترن كما تؤكد لنا الوقائع والنوازل بالمأزق.

تحتد النزعات المتصاعدة، نزعات تنبعث رافعة ألوية القبيلة والعصبية والعرق والمذهب والطائفة، وتنخرط في معارك إلغاء متبادل، وكما كتب عالم الاجتماع ناصر جابي: "عادت المعارك الهوياتية هذه الأيام بحدة أكبر، قبل حتى الشروع في نشر مسودة التعديلات الدستورية، التي تم التشويش عليها بتسريب نسخ غير رسمية، كان الغرض منها زيادة حدة معارك الهوية، التي تخصصت في إشعالها أطراف معروفة داخل الساحة الثقافية والسياسية في الجزائر".

يتصاعد ما يدقق عبد الله غذامي، بتوصيفه بالقبائلية بدل القبلية، ويوضح ذلك قائلاً بأن القبائلية: "مصطلح غير محايد وهو مفهوم انحيازي وعرقي يقوم على الإقصاء والتمييز، بينما القبيلة تعبير محايد، بما أن القبيلة قيمة اجتماعية وثقافية نشأت لضرورة معاشية وبيئية، ولكي نتصور الفرق بين المصطلحين يمكننا استدعاء مصطلحات مثل المذهب والطائفة والشعب، ونضع قبالتها تعبيرات كالمذهبية والطائفية والشعوبية، وسنرى مباشرة أن كلمة الشعوبية كلمة عنصرية إقصائية، ذات دلالة سلبية، بينما كلمة الشعب محايدة وطبيعية من حيث دلالتها و مفاهيمها". 

لقد عاش الجزائريون منذ بداية حراكهم في السنة الماضية، الذي وصفه الرئيس الحالي بالمبارك، تحريك مواجهات الهوية، والبداية كانت بتسويق بعض الصيغ بتشويه من ينتمون لجهة من الوطن، واقتطاع صيغ من مستندات تاريخية بتعسف وبتوظيف مكيافيلي انتقائي متهافت، وتجريم رفع الراية الأمازيغية، وكان ذلك استمرار لنفس الآليات التي وظفت باستمرار ظاهرة تصاعد النزعات الهوياتية عابرة للقارات، وهنا كما كتب الناقد السعودي عبد الله الغذامي: "صورتان ثقافيتان تمثلان سمات بارزة من سمات وعلامات المرحلة الراهنة هما:

1- من أكثر السمات الراهنة هو البروز القوي للعرقيات والطائفيات والمذهبيات ومثلها القبائلية، وهي كلها تمثل عودة للهويات الأصولية بأقوى صيغها، حتى لتبدو أشد حدة مما كانت عليه قبل مرحلة كمونها المؤقتة في فترات مضت، وهي تكشف عن خروج المكنون إلى العلن، سياسياً وثقافياً ومعتقدياً وسلوكياً، ويقابل ذلك تراجع للمعاني الكبرى في المثاليات والحرية والوحدة.

2- تلك صورة، وتجاورها صورة بارزة ثانية تصاحبها وتمثل سمة مهمة من سمات العصر الثقافي، وهي ما يراه الناس، كل الناس، من أننا في زمن العقلانية والعلم والانفتاح الكوني، زمن يتراوح بين الحداثة وبين ما بعد الحداثة، حتى لكأن الصورتين تنقض إحداهما الأخرى".

لكن ما يجري في الجزائر مرتبط بحيثيات وملابسات المسار التاريخي للجزائر، ولا يمكن بدونه استيعاب ذلك، تمثل الحالة الجزائرية حالة بلد استرجع استقلاله بعد حرب عنيفة، وبعد عقود من استعمار استيطاني اشتغل على التفكيك الشامل، وفي مواجهته كان تبلور الوعي المضاد، وبسبب ظروف المواجهة تشكلت خصوصيات لذلك الوعي، لها أهميتها في تلك المرحلة، لكن بعد تحرير الوطن أصبح استمرارية تلك الخصائص عائقاً، بل ارتدت إلى استمرارية للتفكيك الكولونيالي. تحرير الوطن لا يستكمل إلا بتحقق المواطنة وارتقاء الفرد الجزائري من وضعية الأهالي إلى وضعية المواطنة. 

"مواطنون أم مؤمنون؟"

منذ سنين كتب المؤرخ الجزائري محمد حربي كتاباً بعنوان يلّخص المعادلة "مواطنون أم مؤمنون؟".

هو سؤال المواطنة الذي يحضر، بغيابه يستمر الارتداد إلى ما قبل التشكل التاريخي لكل ما يتصل بمجتمع، دولة، كينونة حية بصيرورة التاريخ.

أزمة الوطنية او انسداد مساراتها عبّرت عنها محطات كثيرة، من بينها الغضب الشعبي المتكرر، خصوصاً منذ أكتوبر 1988، وبدل تبددها كما راهن المراقبون عقب أحداث أكتوبر، منذ أكثر من ثلاثين سنة، تكاثرت وتوالدت، وكما يقول الباحث جابي يقول: "أزمة الوطنية الجزائرية التي تعيد إنتاجها هذه الأجيال الشابة من الجزائريين، المنغلقين على ذواتهم، هي التي تجعلنا نقول إن حرب الهويات مازالت أمامنا، ولم تعد وراءنا، كما قد توحي بذلك بعض المحطات التي خفت فيها صوتها.

انطباع خلقه وساهم فيه نوع من التناغم، مع ما هو منجز من تحولات ديموغرافية سوسيولوجية على أرض الواقع، منذ عقود، ما يؤشر في بعض الأحيان إلى أننا أمام معارك لا تعيشها إلا بعض النخب المعزولة، غير القادرة على التجنيد الشعبي، كما تبين ذلك أثناء الحراك الشعبي. حاضرة أكثر على مستوى الوسائط الاجتماعية وبعض وسائل الإعلام، بين أبناء بعض الجهات الجغرافية فقط، يفسرها التاريخ الثقافي، وحتى السياسي المتنوع للظاهرة الجهوية في الجزائر، بكل عدم التجانس الثقافي الذي لم تنجح تماماً الدولة الوطنية بعد الاستقلال في القضاء عليه، لا عن طريق نشر التعليم، ولا عن طريق ما حاولت الترويج له مؤسسات الهيمنة الثقافية من رموز وطنية موحدة.

وطنية مازالت في أمس الحاجة إلى تجديد عقائدي، بالانفتاح على التراث الإنساني في المقام الأول، والاستفادة من إيجابيات ما تم تحقيقه حتى الآن من منجزات وطنية كثيرة، على رأسها انتشار التعليم، وتحرر المرأة والشباب الذي يجب ألا يتحول إلى جسر لنشر حرب الهويات بين الجزائريين ".

تمثل الحالة الجزائرية حالة بلد استرجع استقلاله بعد حرب عنيفة، وبعد عقود من استعمار استيطاني اشتغل على التفكيك الشامل، وفي مواجهته كان تبلور الوعي المضاد، وبسبب ظروف المواجهة تشكلت خصوصيات لذلك الوعي، لها أهميتها في تلك المرحلة، لكن بعد تحرير الوطن أصبح استمرارية تلك الخصائص عائقاً، بل ارتدت إلى استمرارية للتفكيك الكولونيالي

معارك مستمرة بتحريك معلوم

التحريك لا ينفصل عن مسار من التنميط ومن القولبة، خدمة لاستمرارية منظومة ارتكزت على اللعب بالتناقضات وعلى طمس التنوع بنزعة شعبوية تفرض توحيداً لغلق لعبة الحكم.

وكبديل عن الشرعية بكل دلالاتها الدستورية والرمزية والعملية، اعتمد النظام التوظيف للهوية، توظيفاً هندس الهاوية.

وحتى الهوية في جوهرها صيرورة مستمرة، وكل انغلاق يجعلها بتعبير عبد الكبير خطيبي عمياء، وهو ما يفضي إلى تناسل ما وصفه أمين معلوف بالهويات القاتلة.

لماذا لا يكون الجزائري على غرار شعوب العالم، كالمصري مثلا الذي يعتز بفرعونيته، والشامي الذي يعتز بفينيقيته، والعراقي الذي يعتز ببابليته وسومريته، دون أن يفرّط في اللغة العربية الجامعة؟

وكتلخيص لما يمكن قوله، نعرض ما كتبه الباحث والسياسي الجزائري محمد أرزقي فراد، تعليقاً على مشروع التعديل الدستوري في صفحته الفايسبوكية: "والمؤكد أن الوحدة الوطنية المرغوبة في المستقبل هي (وحدة في إطار التنوع الثقافي والسياسي)". ومن الملاحظ أن الجيل الجديد قد استرجع وعيه التاريخي، فلم يعد يجد غضاضة في الاعتزاز بالمكوّن الأمازيغي في هويته الجزائرية أسوة بالإسلام والعربية. فلماذا لا يكون الجزائري على غرار شعوب العالم، كالمصري مثلا الذي يعتز بفرعونيته، والشامي الذي يعتز بفينيقيته، والعراقي الذي يعتز ببابليته وسومريته، دون أن يفرّط في اللغة العربية الجامعة؟ لماذا لا نقرأ التنوع اللغوي والثقافي عندنا قراءة متسامحة كما ورد في القرآن الذي يعتبر تعدد الألسن آية من آيات الله، ويعتبر تعدد الشعوب والقبائل مَدعاة للتعارف والتراحم والتسامح؟

لا شك أن الإنسان إذا نظر بعمق في الحضارة الإسلامية وفي الحضارة الأمازيغية، سيتأكد أن أجدادنا قد عاشوا في إطار السلم والوئام والتثاقف وشعارهم: "الأمازيغية لنا، والعربية لنا، والجزائر تسعهما، والإسلام حبلهما المتين". وعلى الأخيار أن يسعوا إلى إنقاذ الأمازيغية والعربية والإسلام من المتنطعين الذين يركبون هذه المكوّنات الهوياتية لأغراض سياسية ضيقة، يسيرون بها في اتجاه التصادم وإحداث التصدع في الجدار الوطني المرصوص، هذا وحريّ بنا في هذا الظرف العصيب أن نستنير بموقف العلامة عبد الحميد بن باديس، الذي أسّس للمصالحة الثقافية بين الأمازيغية والعربية، خاصة من خلال مقاله الرائع الموسوم: "ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان"، المنشور في مجلة الشهاب في شهر فبراير/ شباط 1936م، وقعه باسمه مضيفاً إليه نسبه الصنهاجي الأمازيغي (عبد الحميد بن باديس الصنهاجي)، وقد أحبط به محاولات الاستعمار الفرنسي الهادفة إلى إشاعة الفرقة بين الأمازيغ والعرب.

كما يقتضي المقام أيضاً بالتذكير بموقف المؤرخ أبو القاسم سعد الله التاريخي الذي دعا فيه المسؤولين السياسيين في المغرب الكبير سنة 1994م، إلى وجوب احتضان الثقافة الأمازيغية بتأسيس مجمع علمي مغاربي يتكفل بترقيتها، لسحب البساط من تحت أقدام الأجانب الذين يعبثون بجزء هام من تراثنا الأصيل وراء البحار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard