"مَن نحن؟" و"من أين أتينا؟"... محمد عابد الجابري ونقد العقل الفلسفي العربي الحديث

الأحد 31 مايو 202010:22 ص

هزيمة الـ67 لم تكن هزيمة عسكرية فقط، أو مجرد نكسة لمشروع سياسي، بل كانت هزة لحلم بالوحدة، ورجّة للهوية، طرحت أسئلة وجودية كانت الثقافة قد تصوّرت أنها عبرتها.

عدنا للتفكير في "مَن نحن؟"، و"من أين أتينا؟" و"إلى أين نتجه؟"، أسئلة كانت الثقافة تتعرض لها أو لبعضها بعد كل هزيمة أو تراجع خلال القرن ونصف القرن السابقين على الهزيمة.

لكن بعد هزيمة الـ67، كان الأثر أبعد من سقوط حلم عاش عليه كثيرون، متصورين أنه أصبح بين أيديهم. ظهر مجدداً سؤال علاقتنا بتراث أسلافنا وعلاقتنا بالآخر وتراثه، وراحت عقول عربية تعيد التفكير في هذه القضايا خلال النصف قرن التالي للهزيمة وما زالت.

الجابري ونقد العقل العربي

من المؤلفات ذات الصلة مجموعة محمد عابد الجابري (1935-2010) "نقد العقل العربي".

وُلد الجابري في بادية المغرب، على حدوده مع الجزائر. أنهى تعليمه في المغرب واتجه إلى دمشق للدراسة الجامعية عام 1957، ولكنه قضى هنالك عاماً واحداً ثم عاد للاستقرار في المغرب لأن كلية آداب افتُتحت في الرباط عام 1958، وعمل مدرساً في مراحل التعليم المختلفة ثم حصل على دبلوم دراسات عليا عام 1967.

انخرط الجابري منذ شبابه في العمل العام السياسي، وحصل على الدكتوراه في دراسة له عن ابن خلدون عام 1970، وشهد عام 1975 بداية ظهوره على الساحة الفكرية العربية بمشاركته في مؤتمر عن الفارابي في العراق.

وعام 1980، جمع الجابري دراسات أربع له منذ عام 1975 في كتابه "نحن والتراث"، وهو كتاب شكّل الأساس النظري لمشروعه الفكري.

لمدة عشرين عاماً، عمل الجابري على كتابة "نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة، كرد فعل على هزيمة 67 وعلى الثورة الإيرانية في ما بعد، ثم كتب مدخله وتفسيره للقرآن حسب ترتيب النزول، حتى عام 2008، كرد فعل على اعتداءات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر في أمريكا وعلى موجة الإرهاب ومخلفاتها، قبل أن يرحل عن دنيانا في الثالث من أيار/ مايو من عام 2010.

هل وُجدت فلسفة عربية قبل ترجمة اليونانيين؟

يُعَدّ عام 1975، وفيه أتت مشاركته في مؤتمر عن الفارابي في العراق، علامة في حياة محمد عابد الجابري الفكرية، فقد بلغ الأربعين من عمره، وبدأ يخرج من تناول قضايا التربية والتعليم في المغرب ومن قضايا فلسفة العلوم، للانخراط في درس التاريخ الفلسفي.

لكن لاستيعاب موقفه من التاريخ الفلسفي عند العرب وعند المسلمين، من المهم أن نقف عند موقفه من الدرس العربي لهذا التاريخ الفلسفي خلال القرن العشرين، أو بتعبير دقيق خلال نصف قرن، من عشرينيات القرن الماضي حتى سبعينياته. وقدّم الجابري دراستين عن الخطاب الفلسفي في الفكر العربي المعاصر، في نهاية عام 1981.

في الجزء الأول من دراسته، المنشور في العدد 55 من مجلة أقلام المغربية، في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1981، تناول جهود "أول مُدشن للخطاب الفلسفي النهضوي في الفكر العربي الحديث، صاحب التمهيد"، مصطفى عبد الرازق (1885-1947).

حاول عبد الرازق، في نظر الجابري، أن يؤصل الفلسفة "العربية الإسلامية" ويبحث لها عن مكان في التاريخ، ومن جانب آخر قام بـ"محاولة إنشاء فلسفة عربية معاصرة". كان عليه أن يواجه الخطاب المعادي للفلسفة من داخل الفكر والتراث، ويردّ على مؤرخي الفلسفة من المستشرقين الذين يهمشون هذه الجهود.

وحاول خطاب عبد الرازق طرح رؤية للانطلاق وليس طرح منهج، أي طريقة في التفكير وفي العمل، المهمة التي حاول الجابري أن يقوم بها في ما بعد، لاستكمال خطاب مصطفى عبد الرازق.

كان عبد الرازق يتجنب الدخول في جدل صريح، ولذلك اتّبع "المنهج التاريخي"، وهو النهج الذي سار عليه الجابري أيضاً. لكن خطاب عبد الرازق بحكم نشأته الأزهرية كان خطاباً مشدوداً بين طرفين: موقف الفقهاء من الفلسفة وموقف المستشرقين منها.

وإنْ كان مصطفى عبد الرازق قد حاول العودة إلى الينابيع الأولى، ليثبت أنه كان هناك تفكير فلسفي قبل ترجمة كتب اليونان، وأن هناك تفكيراً عقلياً فلسفياً في أصول الفقه وأصول الدين، فإن نقد الجابري لهذه الرؤية، التي تقوم على العودة إلى "الجراثيم الأولى"، وإلى الاجتهاد بالرأي في أصول الفقه، لا يؤدي بنا إلى "الفلسفة الإسلامية"، بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، كما هي عند الكِندي والفارابي، "بل يسير بنا في خط مواز لها تماماً هو خط الفقهاء والمتكلمين المعادين للفلسفة".

يصل محمد عابد الجابري من درسه للخطاب العربي المعاصر حول الفلسفة إلى أنه خطاب متناقض بين الطابع العقلاني لأهدافه والطابع اللاعقلاني للتفكير داخله

والسؤال الذي سكت عنه عبد الرازق من وجهة نظر الجابري هو: هل هناك اتصال بين الاجتهاد بالرأي في الفقه وفي علم الكلام يتيح القول إن فلسفة الكندي والفارابي "كانت نتيجة تطور النظر العقلي في الإسلام"؟. يقرر الجابري "أن الطرفين قد تطور كل منهما بمعزل عن الآخر"، ليصل خطاب عبد الرازق في نظره إلى نتيجة هي "عكس ما أراده" وهدف إليه.

بين الفلسفة وعلم الكلام

يعود علي سامي النشار (1917-1980)، أحد تلامذة مصطفى عبد الرازق، مثل أستاذه، إلى الينابيع الأولى، لكنه يصل، كما رصد الجابري، إلى الأخذ برأي عبد الرازق الذي اعتبر أن فلسفة الكندي والفارابي، إلخ "فيها أصالة وإبداع".

يعتبر النشار أن التفكير الفلسفي في الإسلام في الجانب الميتافيزيقي منه يعرضه علم الكلام، وفي الجانب المنهجي والعملي منه يعرضه علم أصول الفقه، عبر "المنهج التجريبي الذي عرفته أوروبا بعد ذلك"، ويعتبر أن المسلمين رفضوا المنطق الأرسطي.

يرى الجابري أن النقاش مع خطاب علي سامي النشار يصبح "غير ذي موضوع"، وأن هذا الخطاب "السلفي"، كما يسميه الجابري بدل كلمة أصولي، يصل "إلى تقرير الاكتفاء الذاتي" والانكفاء على الذات.

ثم يشير الجابري إلى عبد الرحمن بدوي (1917-2002) إشارة عابرة في مجال البحث عن مكان للتفكير الفلسفي عند المسلمين التراثيين، لأن جهوده في نظر الجابري "تدور كلها حول حضور التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية"، وخطابه قرر منذ البداية "أن الروح الإسلامية منافية بطبيعتها للفلسفة".

الملاحظة هنا أن الجابري لم يشر من بعيد أو من قريب إلى أستاذية مصطفى عبد الرازق لعبد الرحمن بدوي، ولا بتأثر بدوي به. لكن هذا موضوع آخر. فإشكال الجابري مع خطاب بدوي هو أنه لم يتمكن من قراءة الفلسفة الإسلامية قراءة وجودية، رغم أنه "أنشط حفار في قبورها".

ويتعرض الجابري لخطاب إبراهيم بيومي مدكور (1902-1996)، معتبراً أنه خطاب موجه إلى المستشرقين وعلى رأسهم إرنست رينان (1823-1892) وضد عبد الرحمن بدوي، إذ حاول مدكور المزج بين المنهج التاريخي والمنهج المقارن. فقد أعطيْنا كثقافة بعد أن أخذنا عن الثقافات والحضارات الأخرى كما فعلت كل الشعوب.

وبنظر الجابري، استطاع مدكور أن يضفي معقولية تاريخية على تراثنا الفلسفي، إذ وضع الفلسفة "العربية" في الشرق في مقابلة الفلسفة اللاتينية في الغرب كجزء مكمل لها، لكنه فعل هذا "على حساب تاريخية الفلسفة ‘العربية الإسلامية’ وعلى حساب أصالتها بل على حساب تفوقها على الفلسفة اللاتينية في الغرب". وينتقد الجابري انتقائية مدكور عند تطبيق المنهج.

ويشير الجابري أخيراً إلى جهود حسين مروّة (1910-1987) الذي ينظر إليه على أنه "الماركسي العربي الذي التحق أخيراً بـ‘الركب’، ركب الباحثين عن الأصالة في التراث العربي الإسلامي".

وإنْ كان مروّة يرحب بجهود بيومي مدكور ويحاول أن يخرج بالتاريخ من المعنى الذاتي إلى المعنى الاجتماعي ومن الانتصار للتصوف إلى التاريخ بوصفه ظاهرة اجتماعية، والاهتمام بالنزعات المادية في الإسلام، إلا أن الجابري يرى في نهجه أن كل شيء كان مقرراً مُسبقاً "وما على الفلسفة الإسلامية إلا أن تدخل أحد القوالب الجاهزة"، وأنه يفصل في خطابه بين "المادة والشكل، بين القوالب العامة الجاهزة والمادة".

لا نهضة بدون تأسيسها على العقلانية، والتوفيق الذي قام به خطابنا المعاصر حول الفلسفة بين "مملكة اللاعقل بقطاعها العربي الأصيل والأوروبي المعاصر" هو لب أزمة هذا الخطاب... محمد عابد الجابري والدرس الفلسفي العربي

خلاصة الجابري في خاتمته أن هذا الخطاب الذي يحاول أن يُفلسف تاريخ التفكير الفلسفي عند العرب والمسلمين هو "خطاب أيديولوجي سافر" وعلى هذا الخطاب أن "يحوِّل الأيديولوجي إلى نظري" بأن "يجعل من قضيته قضية كلية ضرورية" لكي يتوفر حد أدنى "من التصورات المشتركة التي تجعل التفاعل بين التيارات الأيديولوجية ممكناً ويجعل الحركة فيها تتجه بالتالي إلى الأمام وذلك هو طريق التقدم على صعيد الفكر النظري".

فحص الخطاب لا التستر عليه

في الجزء الثاني من الدراسة والذي تناول فيه بعض الجهود التي حاولت فلسفة الواقع العربي المعاصر، والتي نشرها أيضاً في العدد 55 من مجلة أقلام، في كانون الأول/ ديسمبر 1981، يتجنب الجابري الدخول في "مناقشات فلسفية"، فهو فقط يريد أن يفحص الخطاب لا أن يتستر عليه، ويريد الكشف عن تناقضاته على المستويين المنطقي والأيديولوجي.

السؤال الذي يحيّر الجابري في جهد عبد الرحمن بدوي ولا يجد له مبرراً هو لماذا "تبنى الأطروحات الظلامية في الفلسفات الوجودية"؟ وإذا كان في أوروبا ما يبرر حملات التشكيك "في العقل والعلم"، ففي العالم العربي لا شيء كان يبرر ذلك.

وبدوي، في نظر الجابري، أهمل "الوجود الاجتماعي" وركز على "الفيزيقي والذاتي"، وخطابه عبارة عن خطابين متنافرين "معطيات ومقولات الخطاب العلمي ومعطيات ومقولات الخطاب الوجودي... اللاهوتي (كيركغارد) والميتافيزيقي (هيدغر)".

والجانب الأصيل في خطاب بدوي، في رؤية الجابري، هو "محاولة التوفيق بين هذين النوعين من المعطيات". لكنها توفيقية "جاءت لتُكرس اللامعقول بأعنف مظاهره، ملتمسة له السند من العلم". وإذا كانت الثورة ضد نوع معيّن من العقل في أوروبا وبالذات "المثالية الألمانية وعلى رأسها مثالية هيغل" خطوة مهمة، لكن عبد الرحمن بدوي في نظر الجابري "نقل المعركة من معركة ضد المثالية إلى معركة ضد العقلانية عموماً، بل ضد العقل في كل زمان ومكان".

ثم ينتقل الجابري إلى عرض "جوانية" عثمان أمين (1905-1978) حيث التوفيقية التي كانت في الثنايا في خطاب بدوي. فـ"الجوانية" تُصر "كل الإصرار على تقديم التلفيقية واللاعقلانية، إلخ على أنها أصول عقيدة وفلسفة ثورة".

جوانية عثمان أمين في نظر الجابري هي ضد "البرانية" أي "المعرفة العقلية التي تعتمد البرهان التجريبي والاستدلال المنطقي". والجوانية تنسب ذاتها إلى "روحانية الغزالي… وإلى روحية برغسون" فالجوانية تقدم نفسها على أنها "فلسفة العقل العربي المشدود بألف وثاق إلى اللاعقل في تراثنا العربي الإسلامي والمتطلع إلى الارتفاع إلى مستوى اللاعقل في الفكر الأوروبي المعاصر… الجمع بين أصالة اللاعقلي العربي ومعاصرة اللاعقل الأوروبي".

ثم تعرّض الجابري لفلسفة "الرحمانية" عند زكي الأرسوزي (1899-1968) على السريع. وعلق بأن أهداف النهضة والتقدم والوحدة التي يسعى إليها الأرسوزي تتطلب "فاعلية العقل وليس صوفية الحدس، هذا في حين أن المنهج الرحماني منهج لاعقلي فهل يمكن الوصول إلى ثمار العقلانية بطريقة لاعقلانية؟".

يصل الجابري من درسه للخطاب العربي المعاصر حول الفلسفة إلى أنه خطاب متناقض بين الطابع العقلاني لأهدافه والطابع اللاعقلاني للتفكير داخله. السؤال الثاني الذي يقدمه في خاتمته: "هل يمكن قيام فلسفة جديدة بدون الاستناد بالقبول أو بالنفي على فلسفة قديمة؟ وأليست الفلسفة قراءة متجددة لتاريخها الخاص؟".

وخطابنا المعاصر عن الفلسفة يربط نفسه بجوانب تراثنا العربي الإسلامي الأكثر بعداً عن الفلسفة "بل أشدها عداوة للفلسفة والفلاسفة"، ما جعله متناقضاً ما بين طموحه النهضوي وميوله اللاعقلانية، ليطرح محمد عابد الجابري السؤال مرة أخرى في صورة تأكيدية ويقول إنه لا نهضة بدون تأسيسها على العقلانية، وإن التوفيق الذي قام به خطابنا المعاصر حول الفلسفة بين "مملكة اللاعقل بقطاعها العربي الأصيل والأوروبي المعاصر" هو لب أزمة هذا الخطاب، وإن استعادة العقلانية سواء في التراث أو في الفكر الأوروبي المعاصر مهمة لنا وللثقافة، ولتصبح هذه هي مهمة الجابري، في عقوده التالية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard