النقد هو حرية تعبير وحقّ للجميع… لكن لماذا يستثني البعض الإسلام منه؟

الجمعة 29 مايو 202003:11 م

انتشرت قبل أيام قليلة، تدوينة فيسبوكية لأستاذة فلسفة مغربية معروفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحدثت خلالها عن ظاهرة زواج الشباب بسيدات أكبر منهن سناً، وعن علاقة هذه الظاهرة بالسيرة النبوية والرسول محمد، الذي تزوج خديجة وهي تكبره بـ25 عاماً، ليس لغرض سوى مالها، حسب تعبيرها، ومحاولة الجيل الجديد من الشباب السير على نفس النهج لنفس الغرض، إلا أنهم للأسف لا يتمتعون بمثل فحولة الرسول، حسب ما ذكرت في منشورها.

أحدثت التدوينة حملة عنيفة وهجوماً على صاحبتها، وصلت حدّ إهدار دمها، المناداة بالقصاص منها، وصفها بالكافرة المرتدّة، المطالبة بتوقيفها عن العمل وحذف مادة الفلسفة من المناهج الدراسية بصفة نهائية، من طرف التيار الإسلامي المتطرف، وأدت إلى رفع عدة شكايات مجهولة ضدها بتهمة ازدراء الدين الإسلامي.

وقبل أن ينهي المدافعون عن الإسلام حربهم ضد الأستاذة، التي انتهكت حرمته على حد قولهم، وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، تم تداول مقطع فيديو لممثل مغربي في حالة سكر، يتحدث عبر تقنية اللايف داخل مجموعة مغلقة للمشروبات الروحية عن أئمة المساجد بطريقة ساخرة، ويدعو إلى الوضوء بالفودكا والويسكي، التصريحات التي اعتبرها نفس المدافعين مهينة للإسلام والشعائر الدينية، وشحذوا لأجلها مرة أخرى تدويناتهم، وطالبوا بمعاقبة الممثل، رغم خروج هذا الأخير بعد ساعات قليلة بشريط فيديو آخر يقدم من خلاله اعتذار للمغاربة عما بدر منه، قبل أن يلقى القبض عليه في وقت لاحق بسبب عدد من الشكاوى والوشايات التي تلقتها مصادر الأمن، حسب بلاغ أصدرته فور اعتقاله، ثم أفرج عنه بعدما تقررت متابعته في حالة سراح بتهمة الإساءة إلى الدين الإسلامي.

المضحك المبكي بشأن هؤلاء المدافعين الذين يتملكهم الرعب بمجرد أن ينتقد أحد معتقدهم، وبهذا السياق الدين الإسلامي، أنهم أولاً أول المزدرين لهذا المعتقد، فحين يعتبرونه غير مطروح للنقاش، هذا يعني هشاشته واستحالة صموده أمام الانتقادات

المضحك المبكي بشأن هؤلاء المدافعين الذين يتملكهم الرعب بمجرد أن ينتقد أحد معتقدهم ولو بالخير، أنهم أولاً أول المزدرين لهذا المعتقد، فحين يعتبرونه غير مطروح للنقاش، هذا يعني هشاشته واستحالة صموده أمام الانتقادات، وثانياً يجهلون ما يوجد في مصادر تشريعه، فما قالته الأستاذة عن "فحولة النبي" مدرج في كتب السنة، وقصص السيرة النبوية، وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس ابن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن تسعة، وكانوا يتحدثون أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية أخرى أربعين، في الجماع، ولم يتوقف البخاري هنا بل فصل في عدة أحاديث عن الحياة الجنسية للرسول ووصل لحد الحديث عن تقبيله لعائشة ومصّ لسانها وهو صائم، وغيره من الأحاديث التي أطنبت في وصف علاقاته الجنسية، لكن يبدو أن للغة العربية الفصحى وربما للبخاري هالة تمنع عنهما، حتى لو تحدثا عن أسرار النبي الخاصة، النقد أو الاتهام بالازدراء، وهو ما لا تملكه اللغات الدارجة لأنها مباشرة أكثر ولا بلاغة فيها، ولا تملكه الأستاذة بالتأكيد لأنها ليست راوية أحاديث، ولا من السلف الصالح.

أما في موضوع الفنان الذي تحدث عن الوضوء بالخمر وسخر من أئمة المساجد، فأبو حنيفة نفسه سبق أن تحدث عن الموضوع، وأجاز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ الشديد عند عدم وجود الماء، وقال ابن الحسن ويرفق بالتيمم، في حين أن الممثل في شريط الفيديو الذي تم تداوله لم يذكر الإسلام بسوء، بل تحدث عن أئمة المساجد، وهم أشخاص عاديون قد يصيبون وقد يخطئون، ولا مجال لتمتيعهم بقداسة لم يتمتع بها حتى صحابة النبي وآل بيته.

لكن هذه التهمة الفضفاضة التي تدعى "ازدراء الأديان" والمعمول بها في جل دول العالم الثالث الإسلامية، والتي بقدر ما هي فضفاضة بقدر ما هي متخلفة، تسمح لها مصطلحاتها غير المضبوطة بالتوسع كيفما شاءت حسب السياق، وبالتطبيق الانتقائي التعسفي.

بالنسبة لكثيرين، إن الدين هو أيديولوجية كباقي الأيديولوجيات، وهو شأن جماعي يهم البشرية بأكملها، ومن حق الجميع أن يناقشه وينتقده ويعرب عن موقفه منه، وليس في هذا انتقاص من المنتسبين إليه أو ازدراء لهم، أما إذا كان "جرح مشاعر" المسلمين سبباً كافياً لإنزال العقاب بالمنتقد أو المناقش، فيجب إنزال نفس العقاب إذن وبنفس المنطق في حق من يجرح مشاعر الماركسيين أو الليبراليين، وهذا طبعاً غير ممكن، لأن حرية التعبير حق مكفول للجميع في شتى المواضيع، فلماذا إذن ولأي سبب نستثني الديانات من هذا الحرية؟ أو بالأحرى لماذا نستثني الإسلام منها، لأن المسلمين أنفسهم ينتقدون المسيحية ويقرعون لليهودية دون أن يحاسبهم أحد.

من يلجأ اليوم للدولة بفكرة محاربة المنكر باللسان، ويطالبها بالاقتصاص له ممن زعزع عقيدته، و ازدرى دينه، لا يمكننا أن نتفاجأ إذا قرر فيما بعد الاقتصاص لدينه بنفسه، لأن مثل هذه القوانين تشرع عن غير قصد للاعتداء على الأشخاص لأجل أفكارهم

وبعيداً عن الناحية القانونية التي يطول النقاش فيها، بسبب تعارض تهم زعزعة عقيدة مسلم وازدراء الديانات مع ما جاءت به الدساتير والاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وعن السبب الرئيسي الذي لأجله تحتفظ دول العالم الثالث بمثل هذه القوانين في ثلاجاتها، لكونها تهماً سهلة التفصيل على المقاس (كما سبق وحدث في مصر مع العديد من المعارضين). فإن هذه التهم، تتجاوز ما هو قانوني وتقع تحت طائلة ما هو حضاري، وتدمر سنوات كاملة من المكتسبات الحقوقية، حيث أنها تمكن من التحكم في النقاش المدني وتعطي للحكومات إمكانية تحديد الأفكار المقبولة وغير المقبولة، وتزكي التطرف والتعصب الديني.

فمن يلجأ اليوم للدولة بفكرة محاربة المنكر باللسان، ويطالبها بالاقتصاص له ممن زعزع عقيدته، و ازدرى دينه، لا يمكننا أن نتفاجأ إذا قرر فيما بعد الاقتصاص لدينه بنفسه، لأن مثل هذه القوانين تشرع عن غير قصد للاعتداء على الأشخاص لأجل أفكارهم، وتؤكد للإسلامي أنه على حق وأن من ينتقده يستحق أن يعاقب، ما قد يوصلنا لاحقاً إلى تغيير المنكر باليد، إذا ما امتنعت الدولة عن ذلك، وهذا ما لا يتوافق مع المجهودات المبذولة في العالم بأسره، وفي المغرب خاصة، من أجل القضاء على أفكار الجهاد واجتثاث الإرهاب، ومن المستحيل أن يحصل ذلك ما دمنا نحافظ على مثل هذه القوانين ونطبقها، بدل أن نقنع جميع المواطنين بضرورة النقاش وتقبل أفكار الغير، كي نستطيع التعايش في سلام.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard