من هابيل وقابيل إلى الكرز والجوز البلدي... رحلة فريدة في ريف دمشق الغربي

الخميس 4 يونيو 202005:46 م

لا يلزمنا لإتمام هذه الرحلة سوى بضعة ساعات، حيث ننتقل بين جبل يقع على قمته ضريحُ أول قتيل في تاريخ البشرية، هابيل بن آدم، وبين قرية ميسلون الصغيرة في أحد الأودية المجاورة والتي شهدت واحدة من أشهر المعارك في التاريخ السوري الحديث. سنعود بعدها محمّلين بحكايات قديمة قدم الإنسان الأول، وجديدة يعرفها جميع السوريين اليوم.

على مسافة حوالي أربعين كيلومتراً إلى الغرب من العاصمة السورية دمشق، وداخل سلسلة جبلية تحاذي الحدود مع دولة لبنان المجاورة، يمتد مسار جميل لرحلة تمزج بين الطبيعة والتاريخ بشكل فريد.

وعلى الأرجح لن نكتفي بهذه الحكايات، فالرحلة نحو تلك المنطقة التي تعرف باسم سهل الزبداني لا يمكن أن تنتهي دون أن نتذوق بعض حبات الكرز والمشمش والتفاح والإجاص، والتي تشتهر حقول ومزارع المنطقة بإنتاج بعضٍ من أجود أصنافها.

سنديانة وغراب

عند بداية الطريق المفضي نحو سهل الزبداني الذي يضمّ عدة بلدات منها الزبداني وبلودان ومضايا وسرغايا والتي تعتبر من أشهر وأقدم المصايف في محيط دمشق الغربي، تطالعنا لافتة كُتب عليها "مقام النبي هابيل"، وتشير نحو مفترق يقود إلى طريق ضيّق يصعد بنا نحو قمة مرتفعة يتربع عليها المقام وسط طبيعة هادئة ونقية لا يعكر صفوها شيء.

عند المدخل، نقرأ على لوحة رخامية صغيرة عبارة "ضريح نبي الله هابيل عليه السّلام"، وهو المكان الذي دفن فيه قابيل أخاه هابيل بعد أن قتله بحجر على رأسه عند سفح جبل قاسيون المطل على دمشق، وتحديداً عند مغارة الدم حيث شُيّد فيما بعد مقام الأربعين، وسار بجثته وهي تقطر دماً حتى وصل إلى هذه القمة وقرر دفنه فيها، وذلك وفق ما تقوله الروايات.

في بلدة بقين، حيث يمكن الحصول على واحد من أعذب مياه الشّرب الطبيعية في سوريا، يزدحم السّوق بباعة الفواكه المجففة مثل التين والزبيب والمشمش والجوز البلدي

يستقبلنا رجل خمسيني يرتدي اللباس التقليدي الخاص بطائفة الموحدين الدروز، وهو أبو سلمان، المشرف على المقام. وفي الأرجاء نرى لافتات تحمل الألوان الخمسة الخاصة بشعار هذه الطائفة وهي الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق والأبيض. ويعود ذلك للمكانة الكبيرة التي يحتلّها المقام لدى الدروز، ولكونهم يتولّون مهمة الإشراف عليه وحراسته.

ومن خلال باب حديدي أخضر اللون ندخل إلى البناء الذي يضمّ الضريح دون أن ننسى التقيد بالتعليمات المكتوبة فوق الباب: "أهلاً وسهلاً بالزائرين الكرام لزيارة مقام سيدنا هابيل عليه السلام. للمقام حرمة وقداسة. الرجاء التقيد باللباس المحتشم". يتضمّن ذلك خلع الأحذية وتغطية الرأس بالنسبة للنساء.

يبدو الضريح المغطى بالرخام طويلاً للغاية، ويعود الأمر بحسب "أبو سلمان" إلى أن طول هابيل، كما هو حال الإنسان القديم بشكل عام، كان يتجاوز المترين والنصف، كما أن الضريح يغطي المسافة التي سالت عليها آخر القطرات من دم هابيل بعد وفاته، ما يفسّر أيضاً طوله اللافت.

على جوانب الغرفة التي يتربع الضريح في وسطها، علقت آيات قرآنية وعبارات دينية، بعضها مكتوب باللغة العربية وأخرى بالفارسية، حيث يشكّل المقام على مدار العام مقصداً للزوار الإيرانيين، إلى جانب القادمين من أنحاء سوريا وبلدان أخرى عديدة. ويغطي البناء سقف مليء بالزخارف الملونة والتي كتبت في وسطها أسماء الله الحسنى.

وفي منتصف الباحة المجاورة لهذا البناء، تنتصب شجرة سنديان عملاقة عُلقت على أغصانها مئات الأشرطة الملونة، وعلى الأخص باللونين الأخضر والأحمر.

وفق ما يرويه أبو سلمان، فإن عُمر هذه الشجرة يزيد عن خمسمئة عام، وهي فرع من الشجرة الأصلية التي كانت شاهدة على دفن قابيل لأخيه الميت. تقول الحكاية إن قابيل بعد أن تعب من السّير وهو يحمل جثمان أخيه، وقف تحت هذه الشجرة وترك الجثة في العراء، فأرسل له الله غرباناً حطّت على الأغصان الوارفة، وقتل أحدها الآخر بعد شجار عنيف ودفنه. حينها عرف قابيل ما عليه أن يفعله، ودفن أخاه في هذا المكان تماماً، ويقال إنه هرب بعدها باتجاه اليمن التي مات فيها.

ونتيجة لذلك، تتمتع هذه الشجرة إلى جانب ستّ أشجار سنديان مجاورة برمزية كبيرة؛ فهي استقبلت قابيل والغربان، وفي الوقت نفسه كانت بمثابة نقطة علّام عرف الناس من خلالها مكان وجود الجثمان، إذ تناقلت الحكايات بأن هابيل دُفن في موقع فيه سبع شجرات سنديان وبئر مياه ومغارة ومدرج أثري قديم، وهي جميعها اليوم لا تزال حاضرة في محيط المقام. لذلك، يحرص الزوار على تعليق أشرطة ملونة على أغصان السنديانة الكبيرة، والدعاء لتحقيق أمنياتهم.

ويستقبل المقام حالياً حوالي عشرين حافلة زوّار بشكل يومي، وهو رقم ضئيل مقارنة بما كان الحال عليه قبل سنوات الحرب، إذ كان عدد الحافلات يتخطى المئة، وفق حديث "أبو سلمان".

يبدو الضريح المغطى بالرخام طويلاً للغاية، ويعود الأمر إلى أن طول هابيل، كما هو حال الإنسان القديم بشكل عام، كان يتجاوز المترين والنصف، كما أن الضريح يغطي المسافة التي سالت عليها آخر القطرات من دم هابيل بعد وفاته

ضريح وأشجار صنوبر

بعد الانتهاء من زيارة مقام هابيل، والعودة نزولاً إلى أسفل هذه التلة المرتفعة، يمكننا الانعطاف في مفترق طرق آخر، والتوجه نحو قرية ميسلون التي تقع في الوادي المجاور. تتمتع هذه القرية بمكانة خاصة في ذاكرة السوريين، نظراً لما شهدته من أحداث مطلع هذا القرن.

ففي منتصف شهر تموز عام 1920، كانت سوريا تغلي مع توجيه إنذار غورو الذي كان يقضي بقبول الانتداب الفرنسي وتسريح الجيش السوري، وعُقد مؤتمرٌ سوري عام لرفض الإجراءات التي تضمنها الإنذار، واستمرت البلاد بالغليان والحشد لمقاومة هذه الإجراءات من قبل فرنسا، وتصاعدت الأحداث لتبلغ ذروتها يوم الرابع والعشرين من تموز، وهو يوم معركة ميسلون الشهيرة.

في ذلك اليوم، وعلى أرض ميسلون، قاومت القوات السورية بقيادة وزير الحربية آنذاك يوسف العظمة تقدّمَ القوات الفرنسية بالدبابات والمشاة نحو الأراضي السورية، واستمرّت المعركة عدّة ساعات انتهت بدخول القوات الفرنسية إلى دمشق، وباستشهاد يوسف العظمة.

ورغم كونها معركة غير متكافئة من حيث القوة والعتاد، يعتبر السوريون واقعة ميسلون مثالاً لرفضهم دخول جيش أجنبي إلى بلادهم، ويعملون على إحياء هذه الذكرى كلّ عام، من خلال زيارة ضريح يوسف العظمة الذي أقيم على أرض المعركة التي قضى نحبه فيها.

يقع الضريح ضمن أرض خضراء شاسعة، يمكن الدخول إليها عن طريق بوابة حجرية وحديدية كبيرة، كُتب فوقها على لوح رخامي "ضريح الشهيد يوسف العظمة وزير الحربية عام 1920. ميسلون السبت 7 ذو القعدة 1338 هـ الموافق 24 تموز 1920م".

وعلى بعد بضعة أمتار من البوابة، ووسط مساحة مزروعة بأشجار صنوبر عملاقة، يبدو الضريح الرخامي، وقد زُين بزخرفة على شكل سيف حربي، وإلى جانبه نصب ملوّن بألوان العلم السوري، وقد عُلقت عليه صورة كبيرة ليوسف العظمة وهو يرتدي لباسه العسكري، وهي الصورة الأشهر والأكثر تداولاً لهذا الوزير.

فواكه طازجة ومجففة

إن رغبنا باستكمال هذا اليوم بطريقة مميزة، علينا أن نتابع جولتنا في بقية قرى سهل الزبداني. على الطريق المؤدي نحو بلدات مضايا وبقين والزبداني وبلودان، سنلمح عربات جوالة وأكشاكاً ملونة بألوان الطبيعة، حيث تباع مختلف أنواع الفواكه الطازجة التي تنتجها حقول المنطقة. ورغم تعرض هذه الحقول للحرائق التي دُمرت أجزاء واسعة منها خلال سنوات الحرب، يستمرّ الفلاحون بزراعة التفاح والكرز والمشمش وغيرها من أنواع الفواكه.

وفي بلدة بقين، حيث يمكن الحصول على واحدة من أعذب مياه الشّرب الطبيعية في سوريا، يزدحم السوق بباعة الفواكه المجففة مثل التين والزبيب والمشمش، والجوز البلدي، والملبن الذي يصنع من عصير العنب المجفف والمحشوّ بالجوز أو اللّوز.

"لا أطيب من تفاح الزبداني أو كرز مضايا ولا أشهى من التين والجوز في بقين"؛ هي مقولة يعرفها السوريون منذ أجيال عديدة، ولعلّها قديمة قدم حكايات قابيل وهابيل وأشجار السنديان والغربان الذين وقفوا على أغصانها ذات يوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard