"آذاني ثم خانني ثم ذهب ولم يعد"... الحياة الزوجية لمصريات "مختونات"

السبت 30 مايو 202003:40 م

"كله اتدبح"، تقول جميلة في إشارة إلى أن معظم بنات جيلها اللاتي تعرفهن تعرضن للختان.

بأسى تستعيد جميلة تجربتَها، عندما خُطّ مستقبلها بمشرط الطبيب الذي بتر جزءاً من عضوها التناسلي، كما "تُجَزّ دجاجة نيئة قبل طهيها"، على حد تعبيرها.

رغم تجريم الختان، وفرض عقوبة على مرتكبها تصل إلى السجن سبع سنوات، إلا أن بعض الأهالي خاصة في الأرياف البعيدة عن المدن لا يزالون يرون بأنها إجراء ضروري للحفاظ على "عفة الفتاة وهيئتها".

ولكن اللحظة الفارقة، بحسب مصريات مختتنات تحدثن لرصيف22، كانت خلال العلاقة الزوجية، التي وضعها لختان على المحك.

"هل هذا هو الجنس؟"

في العاشرة من عمرها، علمت جميلة بموضوع الختان، عبر أحاديث النساء اللاتي يكبرنها في السن، لذلك عندما جاء دورها لم تُفاجأ، بل تقبلت الأمر باعتباره شائعاً، ويحدث لجميع الفتيات.

في سنّ الثانية عشر بينما تتفتح أنوثتها، أخبرتها أمها أن وقتها قد حان، وبكل وضوح قالت لها إن "الختان أمر ضروري لكل الفتيات، لأجل النظافة والمظهر العام".

اصطحبتها والدتها لعيادة الدكتور، تقول جميلة لرصيف22: "لحسن حظي أن موعدنا كان مع طبيب جراح ليس كما راجَ وقتها، أن تُجرى العملية على يد الداية أو التمرجي أو الممرضة أو ما يسمى بحلاق الصحة، الأمر الذي كان يسبب نتائج كارثية للبنات، تبدأ بالأوجاع ولا تنتهي بالالتهابات والمضاعفات التي تطال حتى حياتهن الزوجية".

زينب لم تحقق النشوة الجنسية بسبب الأوجاع التي سبَّبها الختان، تقول لافتة إن زوجها لم يتعاون معها في هذا الخصوص، بل يصفها بالأنانية والنكدية لكثرة شكواها

الجرَّاح المعروف بميوله الدينية، حاول طمأنة جميلة، وإقناعها أنَّ "الأمر لن يتعدى الإحساس به شكة إبرة"، بحسب جميلة.

لم تبدِ أيَّ اعتراض، ولم ترَ ما كان يُفعل بها، آلمتها إبرة المخدر التي سبقت العملية، لكنها لن تعلق في ذاكرتها بقدر اللحظات التي لحقت ذلك، تحديداً عندما اقتطع الطبيب جزءاً من شفرتي البظر، "أمسك المشرط بيد، وبيده الأخرى أمسك طرف البظر ثم سحب المشرط، الأمر أشبه بتقطيع دجاجة نيئة جاهزة للطهي، لحظة تصيبني بالقشعريرة كلما استعدتها لهول ما حصل فيها، ورغم مرور أكثر من عقدين، إلا أنها حاضرة في ذاكرتي، وستبقى كذلك مازلت على قيد الحياة".

الأسبوعان اللاحقان للعملية كانا ثقيلين على جميلة، لم تستطع المشي لشدة ألمها، كانت تمضي الوقت في مياه المغطس، وفي مياه الترعة رُمي الجزء المبتور منها، فقد جرت العادة وقتها أن ترمى بقايا الختان في مياه البحر أو النيل أو الترعة، تجنباً لاستخدامها في أي سحر أو شعوذة، بحسب قولها.

خلال الدراسة الجامعية وبعد اطلاعها وتفتح آفاقها، أدركت جميلة أن ما جرى جريمة كاملة بحقها، عزز ذلك المبادرات التي أطلقت وقتها لمناهضة الختان، على رأسها حملة "لا للختان" التي أطلقها المجلس القومي للمرأة والطفولة عام 2003 برعاية سوزان مبارك، حملة تركت أثرها في الوعي المصري العام، وتراجعت إثرها معدلات الختان، تقول جميلة: "بسبب تلك الحملة، لم تُختَن أخواتي وفتيات عائلتي اللواتي يصغرنني سناً".

خلال سنوات زواجها الأولى، لم تبن جميلة علاقة جيدة مع مفهوم الجنس، والسؤال الملازم لها كان: أهذا هو الجنس! أين الشغف الذي يتحدثون عنه؟ تتابع: "لم أكن أشعر بميزة الجنس، كان ثمة أمر ناقص لم أدركه، بحثت عنه طويلاً، وبعد جهد مضن وبحث وفهم عميق لما مررت به وللعلاقة التي أعيش، استطعت تجاوز الأمر وتحقيق المرجو من العلاقة الجنسية، ساعدني في ذلك تفهم زوجي وتعاونه".

كانت جميلة تعزو الصعوبات التي مرت بها لعملية الختان التي أجريت لها، وربما لقلة الخبرة أيضاً كما تقول.

"كوني امرأة مختونة أمر لم يدعوني يوماً للخجل من زوجي، خاصة أن أغلب فتيات مصر قد خضعن للعملية، غير أن أثرها لم ولن يغيب. في يومياتي وخلال أحاديثي مع صديقاتي حول الموضوع، تستعيد ذاكرتي تفاصيل تلك التجربة التي تصحو كاملة كلما زرت أهلي بصحبة ابنتي، ومررت قرب عيادة الجراح الذي ما يزال على قيد عمله حتى اللحظة"، تنهي جميلة حديثها لرصيف22.

"الختان منتشر في الريف"

ختان الإناث ينتشر في حوالي 30 دولة إفريقية وشرق أوسطية وبعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية، تحتل مصر المرتبة الثالثة بينها، يقول مصدر في اللجنة الوطنية للقضاء على الختان، التابعة للمجلس القومي للمرأة والأمومة والطفولة.

يضيف المصدر لرصيف22، أن العقد الأخير شهد انخفاضاً في نسبة ختان الإناث، لكنها لا تزال منتشرة في بعض الأقاليم والمناطق خاصة الأرياف، وأن 65% من النساء الريفيات يؤكدن أهمية استمرار هذه الممارسة، فيما بلغت نسبة الإناث بين 15 و17 عاماً اللاتي تعرضن للختان أكثر من 61%، و80% من حالات الختان تجرى من قبل أطباء، وهو ما يطلق عليه "تطبيب الختان".

وبحسب اللجنة، من المتوقع أن تتعرض 68 مليون أنثى للختان بحلول عام 2030 على مستوى العالم.

يتابع المصدر أن جميع الكتب السماوية خالية من نصّ يتضمن إشارة إلى ختان الإناث، وأن "دار الإفتاء المصرية أكدت منذ عام 1946 أن الختان ليس قضية دينية بل عادة اجتماعية موروثة، رغم ذلك مازال يروَّج للختان على أساس ديني، ذلك ما فعله الإخوان المسلمون في فترة حكمهم مصر، عندما كانوا يرسلون قوافل طبية إلى الصعيد والمنيا لتقديم خدمة ختان الإناث مجاناً".

"زوجي يصفني بالنكدية"

أم زينب لم تأبه لكل الأصوات المناهضة للختان، ودون مقدمات أو معلومات مسبقة، اصطحبت ابنتها إلى الداية لإجراء الختان، كانت زينب في الرابعة عشر من العمر.

تم تكتيف زينب، وإجراء الختان ببعض الرذاذ المخدر، رُشَّ في موضع العملية، ثم بتر شفرتي البظر وتخييط الشفرتين الخارجيتين.

تحكي زينب أنها غابت عن الوعي مرتين لشدة آلامها، وأمها التي عُرفت بشدتها، لفَّت الجزء المبتور بقطعة قماش، وعلقته في رقبتها مدة 15 يوماً: "عشان ما تتكبسش"، كما تقول، أي تجنباً لأي فأل سيء قد يلحق بها بعد العملية.

تتابع زينب أنها أُخبِرت فيما بعد أن الهدف من الختان هو الحفاظ على هيئة المرأة وردعها من الفوران الجنسي الذي قد يلحق بها بعد البلوغ، لكن الآثار التي ألحقها الختان كانت أكبر من المتوقع، فقد أمضت السنوات اللاحقة في أوجاع تروح وتجيء، وزيارات متكررة للأطباء بسبب الالتهابات التي أصابتها.

لكن ذروة آلام زينب كانت بعد الزواج، وخلال علاقتها الجنسية، فالتغيير الذي أجري لها خلال الختان جعل إتمام العملية الجنسية أمراً غاية في الصعوبة.

عند ولادة ابنة زينب الأولى، حُلَّ جزء من المشكلة، بعدما اضطر الطبيب لإجراء شقّ يسمح بنزول الطفل، بالتالي توسيع التضييق الذي نفذته يد الداية.

الختان خلق فجوة بين ليلى وبين زوجها، لم تستطع تجاوزها طوال سنوات زواجها، والزوج لم يسمح لها بإجراء أي جراحة لتعديل التشوه الذي لحق بها، كل ما فعله أنه آلمها وخانها ثم ذهب ولم يعد

زينب لم تحقق النشوة الجنسية بسبب الأوجاع التي سببها الختان، تقول لافتة إن زوجها لم يتعاون معها في هذا الخصوص، بل يصفها بالأنانية والنكدية لكثرة شكواها.

تقول زينب لرصيف22: "أولئك الذين يشاركون في جريمة ذبح الفتاة، لا يدركون أنهم بذلك يبترون أحلامها ومستقبلها، ويدمرون علاقتها بنفسها وبزوجها ومحيطها أيضاً"، تنهي حديثها بتأكيدها ضرورة تغليظ عقوبة الختان، وإجراء المزيد من الحملات المناهضة له في سبيل إنقاذ بنات مصر من مقابض من تصفهم بـ"المتخلفين والقساة".

"ذهب ولم يعد"

الجدات هن الأكثر التصاقاً بالموروثات القديمة، تقول ليلى خلال حديثها عن جدتها التي أحضرت لها الطبيب إلى بيتها لإجراء الختان.

خضعت ليلى للختان في سن الخامسة عشر، ولم تدرك الجريمة التي اقتُرفت بحقها إلا عند زواجها، الختان خلق فجوة بينها وبين زوجها، لم تستطع تجاوزها طوال سنوات زواجها، والزوج لم يسمح لها بإجراء أي جراحة لتعديل التشوه الذي لحق بها، كل ما فعله أنه آلمها وخانها ثم ذهب ولم يعد، بحسب حديثها لرصيف22.

"أهلي مصدر تعاستي".

تقول ليلى إن الأهل مصدر الأمان لكل منا، "غير أن الختان جعل منهم مصدراً لتعاستنا، وسبباً لمشاكل جسدية ونفسية لن نتخلص منها ما دمنا نتنفس".

وتطالب ليلى بإجراء مزيد من التوعية للأسر وللأزواج أيضاً وتغليظ عقوبة الختان.

الطبيبة النسائية ريم عبد المنعم، تؤكد في حديث لرصيف22 أن جوهر العلاقة الجنسية عند المرأة "يبدأ وينتهي في المخ وليس في الأعضاء التناسلية، رغم ذلك فإن عضو البظر هو جزء رئيس في إيصال المرأة إلى الذروة، الأمر الذي يجعل الختان حائلاً دون الوصول إلى النشوة، فضلاً عن الأوجاع المستمرة التي ستشعر بها نتيجة للتغيرات التي حدثت في ملامح جهازها التناسلي الخارجي".

بحسب عبد المنعم، فإن تداعيات الختان تدفع بالمرأة في النهاية إلى العزوف عن العلاقة الزوجية، ما يشرع الباب لكثير من المشاكل، والتباعد بين الزوجين، خاصة إذا لم يكن الرجل على درجة من الوعي الكافي والفهم لحالة زوجته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard