ميرا ديلمار... شاعرة كولومبيا الكبرى التي لم تنسَ أرز وزيتون لبنان

الخميس 28 مايو 202005:10 م

نشأت وكبرت في بيت كان أبواها يتحدثان فيه العربية. والدها كان يمتلك مكتبة ممتلئة بكتب عربية عبّرت عن أسفها لأنها لم تستطع أن تطّلع عليها لعدم تعلّمها العربية. كان عمرها تسعة أعوام، عندما عبرت المحيط الأطلسي لأول مرة لزيارة أرض أجدادها، ورأت أشجار الأرز وبيوت لبنان التي لن تغادر روحها وذاكرتها بعد ذلك أبداً.

إنها الشاعرة الكولومبية ذات الأصول اللبنانية أولغا شمس الحاج، المعروفة بمِيْرا ديلمار. وُلدت عام 1922 لأسرة مهاجرين لبنانيين وصلوا إلى شاطئ مدينة بارّانكيّا، شمال كولومبيا. ورغم أنها وُلدت في القارة اللاتينية، ولم تزر وطن آبائها إلا لبرهة، إلا أن رائحة "البلاد"* وجغرافيتها ستظلّ تطلّ في ظلال قصائدها، وعام 1981، نشرت ديوانها "لمُّ الشمل" الذي يصرّح اسمه بالعودة إلى الجذور.

تقول في قصيدة "مهاجرون": تركوا إلى جوار البحر/ أرض الأرز والزيتون/ وحلاوة أرض الكروم/ هجروها/ إلى نار أمريكا/ جلبوا في شفاههم/ طعم المستكة/ وعطر دخان النرجيلة/ في أعينهم/ إلى درجة أن السفينة كانت تضيع بين الأمواج/ تاركة وراءها حجارة بيروت/ غيّر البحرُ اسمه/ مرّة بعد مرّةٍ بعد مرّة/ .../ أقاموا البيت على الضفاف وفي الجبال/ كما أقاموا الخيمة من قبل في الواحات الخضراء/ وحينئذ تبدّل الجدّ البعيد والكلمات القديمة/ بالكلمات الجديدة/ لتسمية الأشياء/ وعرفوا أن يتقاسموا قلوبهم بسخاء/ كقربة الماء في عطش الصحراء/ أحياناً حين يرنّ عودُ الذكرى

وتلمع أولى النجوم/ على المساء/ يذكرون ذلك اليوم/ في "لِبلاد" الذي أخذ ينمحي
وراء المدى.

في الحادية عشرة من عمرها، بدأت أولغا شمس الحاج بكتابة أبيات وقصائد عن الحب وعلاقتها بالطبيعة والبحر، بحر الميناء الكولومبي الذي نشأت في مدينته، والبحر البعيد الذي عبره أبواها.

حين أرسلت قصائدها الأولى للنشر أرادت ألا يُعرف اسمها، كيلا يكشف أبواها وأصدقاؤها أمرها. وأثناء التفكير باسم مستعار، اختارت اسماً عربيّاً: عُميرة. تحوّل عميرة بعد ذلك إلى مايرا ثمّ استقرّ على مِيْرا Meira، وأضافت على هذا الاسم البحر، الطريق الذي سلكه أسلافها، فأصبحت ميرا ديل مار.

نشرت ديلمار ديوانها الأول بتشجيع من أصدقاء لها، كتّاب وشعراء، عام 1942 وحمل عنوان "فجر النسيان". بعد ذلك توالت دواوينها، حتى أقيمت لها أول أمسية شعرية في العاصمة الكولومبية بوغوتا بإدارة واحد من أكبر شعراء كولومبيا في وقتها: إدواردو كارّانسا.

تولّت ميرا إدارة المكتبة المركزية في مدينتها وظلّت مديرة لها خلال ثلاثين عاماً لتحمل المكتبة اسمها بعد ذلك إلى اليوم. اختيرت عضوة في الأكاديمية الكولومبية للغة وتلقت درجات دكتوراه فخرية من جامعات كولومبيا المختلفة وتُرجمت أشعارها في الولايات المتحدة وإيطاليا، ثم كرّمتها الحكومة اللبنانية عام 1995 باحتفال جرى في جامعة الكاريبي المستقلة.

تُعَدّ مِيرا ديلمار إحدى أهم شاعرات كولومبيا في القرن العشرين، وتكريماً لها أطلقت الحكومة الكولومبية جائزة شعرية وطنية حملت اسمها، وتُمنح كل عام لشاعرة كولومبية داخل كولومبيا أو خارجها.

وفي 18 آذار/ مارس 2009، التحقت ميرا بأجدادها في الرحلة الأبدية، بعد أن خلدت في الذاكرة الأدبية والشعبية الكولومبية.

تتحدث ميرا عن علاقتها بأرض أجدادها وبفكرة "الوطن المفقود" والحنين الذي ميّزها وميّز أقرانها من المهاجرين والذي تصفه بأنه "شبح يهرول مختفياً في الدم الذي يسري في عروقي"، في حوار أجرته معها الصحافية الكولومبية مارغاريتا كراكوسين ونُشر في الأعمال الكاملة التي أصدرتها جامعة الشمال في بارّانكيّا عام 2006. وفي الآتي ترجمة له:

  • ميرا، لديك إرث لبناني غني. أيمكنك أن تقدّمي هذا الحوار بأن تحكي لنا شيئاً عن ذلك العالم العائلي في طفولتك، عن مساءات ذكريات بين أناس من أراضٍ أخرى، عن عادات مختلفة عن عادات المحيط الكولومبي الذي نشأتِ وتعلّمت فيه؟

كان أبواي مهاجرين أتوا في نهاية القرن التاسع عشر من الشرق الأوسط، بالتحديد من لبنان، بلد صغير الحجم وعظيم التاريخ، وكان نقطة تلاقي لأقدم الثقافات. أتت أمي مع عائلتها وهي في مقتبل الشباب، وما أنْ استقروا في بارّانكيّا حتى تعرّفت على أبي، الذي كان قد وصل حديثاً بدوره. أتمّا زواجهما، وشاهدا ميلاد أبنائهما. كنّا ثلاثة، رجلاً وامرأتين. الآن أنا وحدي، سبقني أخواي إلى الرحلة الأخيرة.

  • "مهاجرون" تعدُّ بمثابة تكريمٍ للبلاد، لمسقط رأس أسلافك. إلى أي مدى كان لحنين الجدّ ذاك أثر في شعرك؟

ربما يكون ذلك الحنين صفة مميزة لجنسي من المهاجرين، فهم لم يتوقفوا قط عن الحديث عن الوطن المفقود والحنين إليه، حتى لو كان الوطن الوحيد الذي عرفوه، كما هو حالي، هو هذا الذي وُلدت فيه. يكون الحنين إذن شبحاً يهرول مختفياً في الدم الذي يسري في عروقي. ليست المرة الأولى التي أُسأَل فيها عن أثر الجد البعيد في شعري. أظن أن الشرق يتسلل عبر أسلافي إلى الصور والتحوّلات وحتى الكلمات بطريقة ملحوظة. ومن ناحية أخرى، أظن أن ذلك لا يعدو كونه أمراً طبيعياً.

  • أحياناً في شعرك ("أمس" على سبيل المثال) يظهر حنينك إلى عالم أجدادك ذاك، وتقولين للقارئ: "وترى عيناي في التراب تظهر من جديد/ المدن التي يستحضرها التمر/ بجانب كأس حلاوته، سُفناً/ عبرت بحر الأجداد المتناغم/ بشموعها الأرجوانية/ الجنس القديم الذي كان له شكل/ هذه التي هي أنا، من الأناشيد والحداد". هل تعتقدين بالفعل أن هذا الحنين هو شيء خاص بجنسك أم أنه أسى على شيء كان ولم يعد؟

عشت في بيت سعيد. كان أبي وأمي يحبّان الجمال والثقافة. كان في بيتي الكثير من الكتب، وحديقة دائماً ما كانت أمي تزرعها إلى جوار النباتات العطرية التي كانت تقدمها كتوابل في الأطعمة العربية التي كانت أساسية في مطبخنا الذي كان يضم أيضاً الأكلات الكولومبية، مثلما كان الحال دائماً حتى يومنا هذا. كانوا عادة ما يتحدثون هناك بالعربية، لكن عادة كنا نتواصل، الكبار والصغار، بالإسبانية، وقد كان آبائي يتقنونها تماماً. لقد كان الحب الملك علينا وتعلمنا مثلاً أن نحب الناس، وأن نسامح الآخرين إنْ جرحونا مرة، وأن نعطي أكثر مما نأخذ، أن نحب الطبيعة ونؤمن بالرب. لكل ذلك حين أذكر طفولتي أحس بأنني عرفت السماء.

  • ثمة رمز تستخدمينه فقط حين تتحدثين عن طفولتك وهو زهور الياسمين ("غياب البيت"). ماذا تمثل في ذكرياتك الشخصية؟ وهل تتشارك عالم الذات الشعرية في كتابتك؟

يقفز الشرق هنا مرة أخرى. الياسمين هي الزهرة المفضلة لدى المشارقة. الاسم عربي، إنهم فقط هناك ينطقونها "ياسمين"، وما من فناء ولا حديقة ولا بستان لا يُشمُّ فيه عطرها. هناك تنوع كبير في أشكالها وأحجامها، لكن المفضّلة بالنسبة لي هي المُسمّاة، تحديداً، الياسمين العربي: صغيرة الحجم، لها خمس أوراق وتنمو كالنباتات المتسلقة. لم يخلُ منها البيتُ قطّ، وقريباً أهدوني زرعة جديدة، تكاد تتدلى من نافذة حجرة الطعام. نعم، الياسمين متأصل في عالمي: الشعري واليوميّ.

  • أزهار الياسمين في ديوان "غياب البيت" تعود للظهور في "أحدٌ يمرّ" حيث تقتربين بعذوبة شديدة إلى ذكرى أمك. أتودين أن تخبريني عن رد فعلها حين عرفت عن موهبتك الفنية وقدرتك على الإبداع؟

ما يحكيه "أحد يمر" حقيقي. كانت أمي ترعى بحبٍّ شجرتي ياسمين في الحديقة المقابلة للبيت. وفي شهر أيار/ مايو، على الأخص، كانتا تمتلئان بالأزهار التي كانت تملأ الجوّ بعطرها. يوماً ما قطعت أمي، بذلك الإتقان الذي كان يميّزها، زهرة ياسمين وأعطتها بابتسامة إلى شاعر كان يزورني ذلك المساء. قبلها منها، كما تشير القصيدة. دائماً ما تذكر الشاعر ذلك، وكان ذلك الشاعر هو خايمي خاراميّو إسكوبار، الملقب بـX-504 في جيل اللاشيئيّة.

كانت أمي عذبةً ومحبوبة من الناس. حين عرفت أن ابنتها الصغرى تكتب الشعر سعدت. وأظن أنها كانت فخورة بي. لا أنسى أنها كانت مَن عرّفني على الشاعر (جبران) خليل جبران، صاحب كتاب النبي. وأعرف أنها لا تزال حاضرة معي حين أكتب، بغض النظر كم هي بعيدة عني.

  • ترى ماريا ميرسيديس خاراميّو في مقالها "الأثر الصوفي في شعر ميرا ديلمار" أن الشعر الغنائي والتصوف الإسباني، مثلهما مثل الفلسفة الصوفية، أثّرا في شعرك. تؤكد أن بعض "عناصر التصوف كانسجام الطبيعة، والحب كعمل الإيمان، والجمال كتجلٍّ ربّاني" توجد في أبياتك المكتوبة بعناية "لنقل جوهر التجربة الإنسانية في صور تتجاوز الألم وتجرّد المعنى الحياتي من المشاغل اليومية للحصول على هيئة ما لما لا يمكن التعبير عنه. أيمكنك أن تخبرينا عن انطباعاتك عن مقاربة ماريّا ميرسيديس هذه لشعرك؟

إن ماريّا ميرسيديس خاراميّو هي مَن تقول إن في شعري أثراً للصوفييّن. والصوفيّون، بحسب باحثي الأدب، هم أسلاف المتصوفين الإسبان، وهكذا إنْ تتبعنا حلقات هذه السلسلة يمكنا القول إن مَن أثّروا فيّ ليسوا المتصوفة الإسبان وإنما أسلافهم، الصوفيون المسلمون.

  • هل تعتقدين أن كتاباتك ظهرت بها آثار لمتصوفة وزهّاد إسبان كسان خوان دي لا كروث أو سانتا تيريسا أو ربما فراي لويس دي ليون صاحب "الليلة الهادئة"؟

لا أنتمي لأي عائلة مسلمة، لكن في الحقيقة، في الشعر العربي، وفي تاريخ الشعر العربي، الشعراء الصوفية هم دون شكٍ الشطر الأقوى والأعلى كعباً في شعر تلك اللغة. إن كبار المتصوفة في الشعر الإسباني كسان خوان دي لا كروث وسانتا تيريسا وفراي لويس متأثرون بلا شك كثيراً بالشعراء الصوفية العرب، أي أن التصوف الإسباني تغذى على التصوف العربي.

تقول ماريّا ميرسيديس أو تظن أن في شعري أثراً لذلك التصوفّ. أصدقك القول إنني لم أتعمقّ في ذلك اللون من الأدب العربي، مما يجعل أنه إنْ كان صحيحاً ما تزعم الباحثة الكولومبية فذلك يقول إنه في الدم العربي ذاته هناك علامة للتصوف الإسلامي.

  • مَن هم شعراؤك المفضّلون؟

إليك الإجابة التي أعطيتها لمحاوريّ على مدار حياتي: شعرائي المفضّلون هم الشعراء. ليس الأمر مزحة ولا تناقضاً، لأن هناك الكثير من الناس الذين يسميهم الجمهور شعراء وهم ليسوا كذلك. الذين أفضّلهم هم الشعراء، دون صفة، وهذا يعني أنهم الشعراء على الحقيقة.

  • هل هناك شاعر عربي تذكرينه كثيراً؟

أذكر باستمرار العظيم (جبران) خليل جبران، المؤلف الذي لا يُنسى لـ"النبي"، كتاب رائع، ودرس في الحياة. في الحقيقة هو مَن أعرفه أكثر من بين العرب، لأنه ولسوء الحظ لا تكاد تصل إلينا ترجمات لشعراء عرب. أعرف أنهم موجودون، وكثيرون، لكن ليست هناك إصدارات لأعمالهم. حاولت الحصول على أكثر من النبي، وربما المجنون، وحديقة النبي، لكنّ ليس سوى أقل القليل، وتقريباً دائماً لجبران. ومن السهل شرح هذا لأن جبران منذ شبابه المبكر سافر إلى الولايات المتحدة. عمل في بوسطن ونيويورك بعد ذلك صحافياً، وأعماله، تقريباً كل أعماله، كتبت بالإنكليزية، ومن هناك كانت تصل ترجمات جبران إلى هنا. لقد كتب بالعربية فقط رواية اسمها الأجنحة المتكسرة، لكنني لم أقرأها.

  • من كتّاب أمريكا اللاتينية مَن هم الذين أثّروا في كتابتك وكيف؟

ذلك الحديث عن التأثيرات أظن أنه حديث النقاد. أنا ككاتبة، لا أشعر بقدرتي ولم أستطع البحث في أعمالي والتنقيب عن التأثيرات. في كتابي الأول هناك بعض الأشعار التي فيها بلا شكٍ تأثيرات، مثلاً تأثير خوانا دي إيباربورو المحتمل، فقد قرأت لها وأعجبت بها كثيراً، لكنني لا أدري كيف أوضح معضلة التأثيرات تلك.

أظن أنه يمكن إيجاد تأثيرات في عمل كل شاعر يبتدئ الكتابة، تأثيرات عدّة. أستطيع القول إن حب الطبيعة في المقام الأول ترك أثراً كبيراً عليّ. من طفولتي المبكرة أحببت الأشجار والمطر، وبالطبع البحر فقد وُلدتُ على شاطئ البحر، وهذا هو التأثير الواضح في شعري. التأثير الآخر هو تأثير رومانسي. لنقل مثلاً بيكر، بيكر العظيم، الذي يبدو بسيطاً ومع ذلك فهو شديد العمق. تحيا الرومانسية في شعري، ربما ليس بكونها مدرسة وإنما بكونها طريقة للشعور. أكرّر أنني أترك ذلك للنقاد، لكن لا بد من كوني متأثرة، هذا لا شك فيه. هناك نقطة أخرى، فبعد كتابة كتبي الأربعة الأولى (فجر النسيان، وموضع الحب، وحقيقة الحلم، والجزيرة السرية)، ذلك الأخير في عام 1952، أظن أنني وجدت في "جزيرة سرية" صوتي الشخصي. في هذا الديوان أظن أنني أصبحت وحدي.

  • إن شعرك تذكّر دائم. لماذا تفضلين العيش في الماضي على بناء أحلام في المستقبل؟

ربما يشغل الماضي حيّزاً كبيراً في حياتي، يحفظ الكثير من التجارب الجميلة، السعيدة والحزينة، ويبدو لي المستقبل شيئاً قصير الأجل، شيئاً يهرب يوماً بعد يوم. يشبه الأمر حين نشرع في رحلة ونستمر فيها مكتشفين مناظر وأشياء جميلة وأفراحاً. بعد ذلك حين نقترب من نقطة النهاية، ونشعر أن المغامرة تنتهي هناك، أن لا شيء جديداً ينتظرنا، نبدأ في سلِّ خيط نسيج الذكرى، مما عشناه من قبل، حيث الآن ليس ثمة بعد.

  • كل الكتاب تقريباً لديهم أوقات يتأملون فيها أعمالهم، فن الإبداع، ذلك المخاض المؤلم، تلك الفترات التي "تهرب فيها الكلمة". في أعمالك وجدت فقط ذلك اللون من الشعر في "قصائد الكلمة"**. هل يمكن القول إنك شاعرة محظوظة أم أنك لم تريدي قط أن تضمي في أعمالك تلك اللحظات أو القرون من الجفاف الفكري، إنْ جاز التعبير.

من بين نصوص "قصائد الكلمة" نصّ يقول: وحيداً/ في زرقة الصباح يطير/ طائر الزرقي/ يعلم الله أي شاعر شاردٍ/ ترك أن تفلت منه/ كلمة.

إجابتي هنا. كثيراً ما تهرب منّا الكلمة الدقيقة التي نريد أن نقبض عليها. وأحياناً لا تعود. بل إضافة إلى ذلك، ما نسميه "جفافاً فكريّاً" كثيراً ما يجرّف أرضنا. ماذا نفعل؟ ننتظر، نستمر في الحلم، ونستمر في الإيمان. يجب أن أضيف أنني مررت بفترات صمتٍ أغمّتني: كأن النبع جفّ. لكن في سعادة يُسمع صوت رضوخ الماء على وشك الجريان. كيف ولماذا؟ إنني أسميه الإلهام.

يؤكدون اليوم أن الإلهام لا وجود له، أن الأمر برمته قائم على الجهد. ربما يكون ذلك صحيحاً بالنسبة إلى الروائي أو الكاتب، أو حتى المسرحي، لكن ليس في الشعر. الشعر مختلف. للشعر شيء من الغموض لا يعتمد على الشاعر. إنني أسمي ذلك، ذلك النفس المغاير لنفس الإنسان، إلهاماً. لا يعرف الشاعر من أين ولا متى يجيئه. يقول بول فاليري: "الأبيات الأولى تهديها إلينا الآلهة". وهو كان يعرف ما يقول.

ـــــ

*إحدى كلمتين عربيتين كانت الشاعرة تستخدمهما كما هما في قصائدها. كتبت "Bled" بالأحرف اللاتينية. والكلمة الأخرى هي كلمة عدرا، "Adra"، النطق العامي لمريم العذراء.

**عنوان الديوان يستخدم الكلمة ذات الأصل العربي لقصيدة "Casida" وليس الكلمة الإسبانية "Poema". فعنوان الديوان الأصلي: Casidas de la palabra.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard