الرجولة و"قوس ميّا"... قصتي مع جسدي النحيل

الأحد 31 مايو 202010:32 ص

مرّت سنوات الطفولة كلمح البصر وبالكاد أتذكر كيف كانت أمي توصيني بأن أتناول الطعام أينما ذهبت وأينما حللت، وكيف كانت توصي أهل أصدقائي بأن يطعِمونني "بالحشيمة"، في رغبة أمومية بأن يزداد وزن ابنها النحيل قليلاً.

اعتدت أن أسمع كلمة "كول" أو "ليش مانك مْتاكُل؟" في كل مرة أزور فيها أقربائي وأصدقائي بناءً على رغبة أمي.

لم تكن النحولة في حد ذاتها مشكلةً وجوديّةً للطفل الذي عايشها، بقدر ما أصبحت كذلك في مرحلة المراهقة، مرحلة استحضار مظاهر الذكورية وإبراز الخصائص الجنسية الثانوية: العضلات وخشونة الصوت واللحية وشعر الجسد.

بات هذا المراهق مختلفاً عن أقرانه الذكوريين بجسده النحيل ومظهره الناعم، ليصبح كقليلين من أمثاله... وصمةً في مدرسته وبين أصدقائه الذين لطالما تباهوا بإنجازاتهم الفيزيولوجية. جعل مني ذلك مراهقاً يرتدي الثياب الواسعة، ويلبس الأكمام في الصيف لتخبئة يديه الهزيلتين، وحتى لا تُحرَج منه حبيبته أمام أصدقائها وأصدقائه.

متقوقعاً على نفسه، ابتلع جسده وتعايش مع واقعه، وحاول أن يخفف من وقع ذلك بمحاولات أخرى لإثبات الذات، كأن يصبح متفوقاً في دراسته، و"الأول على صفّه"، طيلة سنواته الدراسية في المدرسة، أو بمحاولة احتراف العزف على آلة موسيقية.

قوس ميّا كوصمة

بازدياد طول القامة مع حلول المراهقة، أصبح اسمي "قوس ميّا"، إذ بدأت أمي وجدتي وخالاتي بمناداتي بهذا الاسم معتقدات بأنهن يطرحن نوعاً من المزاح أو الدعابة حول قامتي الطويلة وجسدي النحيل، أو لربما كان ذلك كبتاً لامتعاضهن من هذا الشكل اللاذكوري بهذه الطريقة، إذ إن النساء القرويّات لا يقلّنّ ذكورية عن رجالهنّ، وإن أي شكل لا يتوافق مع صورة الرجل السائد في البيئة الساحلية هو شكل غير مستحب بالنسبة لهنّ. عاش أهل هذه القرى لسنوات طويلة وهم يعملون في الفلاحة والحصاد والأعمال الجسدية الشاقة، قبل أن يبدأ أبناؤهم الذهاب إلى المدن أو ارتياد الجامعات.

و"قوس ميّا" بلهجة بعض قرى الساحل السوري وريف إدلب تعني السرعوب أو فرس النبي، تلك الحشرة الطويلة النحيلة، والتي لطالما عاشت في هذه البيئة، إذ شاع أن يُقال من أجل المرأة الحامل: "قوس ميّا يا قوس ميّا شو بدا تجيب فلانة، صبي ولا بنيّة؟ إذا حمل البحصة صبي وإذا حمل تراب حتجيب بنية".

"مع حلول المراهقة، أصبح اسمي ‘قوس ميّا’، إذ بدأت أمي وجدتي وخالاتي بمناداتي بهذا الاسم معتقدات بأنهن يطرحن نوعاً من المزاح أو الدعابة حول قامتي الطويلة وجسدي النحيل... و‘قوس ميّا’ بلهجة بعض قرى الساحل السوري وريف إدلب تعني السرعوب أو فرس النبي"

أصبح هذا الاسم وصمةً بالنسبة لي وجعلني أدهس كل سرعوب أصادفه في طريقي. ما زالت أمي وخالتي وجدتي إلى الآن يمزحن معي ضاحكات بمناداتي هكذا إلّا أنهن يلحقنها ببعض الجمل أحياناً كـ"ما بدك تسمنلك شوي؟".

لم يكن لوالدي أي رأي حول الموضوع، وكما اكتشفت لاحقاً، هو لم يبدِ رأياً في أي شيء يخصني، إلا أن أصدقائي في المدرسة والثانوية لم يخجلوا من نصحي بمحاولة بناء جسد أفضل، ولم يتهاون المتنمرون، كجزء ثابت من المجتمعات المدرسية، في المضايقات والتنمر والإزعاج والوصم وما إلى ذلك. أتذكّر مناداة أحدهم لي ذات مرة بالـ"بنّوتي".

الشباب كمرحلة أكثر نضوجاً

لمرحلة الشباب نكهة أخرى. حين تصبح شاباً جامعياً، وتصبح في مجتمع أكثر انفتاحاً، ستجد أجساد شباب المدينة الممتلئة والمصقولة في النوادي الرياضية، وسيشكل مظهرك الفيزيائي الاحتمال الأكبر في الحصول على شريك جنسي، وحتى عاطفي! وكونك ابن الريف، قد لا يعني بالضرورة وصولك إلى درجة المثالية التي يتمتع بها ابن المدينة (على الأقل بنظرهم).

عندئذٍ لا بد أن تتحرك لتصنع الفرق، أن تحاول الوصول إلى الحد الأدنى من الشكل المقبول، وتسعى جاهداً بكل طاقتك نحو ذلك إذا شكّل هاجساً لديك، ولكن ما الحل إنْ باءت كل محاولاتك بالفشل؟

"الذكوريّة التي تمجّد أجساد النساء النحيلات تحاصر أجساد أبنائها الذكور المفرطة في النحافة وتنبذها"

لربما ساعدني الانخراط في مجتمع صغير من الأناس المختلفين في تغيير نظرتي لموضوع الجسد وفهم أفضل لصورة الجسد، فأنا الذي وقفت مراراً وتكراراً أمام المرآة محرَجاً من جسدي بتّ محطّ إعجابٍ عند محبّي/ محبّات المظهر "النحيل جداً".

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن هؤلاء الأشخاص ممَّن جعلوني لا أشعر بالاختلاف، هم ممَّن يرفضون المعياريّة الشكليّة المتعلقة بالنوع الاجتماعي، فأصبحت مثلهم: أنا الآن جميل وذكوري كفاية، بنظر نفسي على الأقلّ.

إلى متى تحاصرنا الذكورية والمعياريّة الجندرية؟

الذكوريّة التي تمجّد أجساد النساء النحيلات تحاصر أجساد أبنائها الذكور المفرطة في النحافة وتنبذها. وفي مجتمعات أكثر ذكورية من غيرها، كبعض قرى الساحل السوري، يكون من الصعب تقبّل المختلفين ومَن لا يمتثلون للمعياريّة الجندرية السائدة، سواء بالشكل أو الأدوار المجتمعية، فهذه المجتمعات الفلّاحية المحافظة تكاد تكون أكثر ذكوريّة من غيرها من المجتمعات المجاورة، لأسباب تاريخية ودينية وجغرافية متعددة، لسنا بصدد ذكرها الآن. وبالتالي سيكون الاختلاف نقمة على صاحبها.

وهذه المشكلة ليست حصراً في المنطقة التي نشأت فيها رغم ذلك، فهي مشكلة عامة، محلية وعالمية، تحاصر أجسادنا وأدوارنا وطموحاتنا، ورؤانا لأنفسنا التي نرغب أن نكونها، وتجعل الطريق شاقّاً أمام المختلفين أمثالنا، فنبقى لا نملك إلا خيارين: إما محاولة الامتثال لهذه المعيارية أو تقبل الذات ومحاربة هذا التنميط المجحف، لكن يبقى السؤال: إلى متى؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard