"شكوكٌ تكتنف القضية"... تفاصيل اتهام ناشط مغربي لصحافي معارض بمحاولة اغتصابه

الأربعاء 27 مايو 202006:00 م

تضامن العديد من الناشطين/ات والمنظمات المعنيين/ات بحقوق الإنسان وأفراد مجتمع الميم في المغرب والعالم العربي مع الناشط الكويري المغربي آدم محمد في مواجهة حملة "تحريض وتهديدات" ضده على خلفية توجيهه اتهاماً رسمياً إلى رئيس تحرير صحيفة مستقلة بـ"التحرش الجنسي ومحاولة الاغتصاب".

وذكرت عدة منظمات حقوقية مغربية، مساء 26 أيار/ مايو، أنها تدعم آدم بشكل غير مشروط "ضد دعوات الكراهية والقصص المفبركة في ما يتعلق بقضية ‘هتك العرض بالعنف والاحتجاز‘ المتهم فيها رئيس تحرير جريدة ‘أخبار اليوم‘" سليمان الريسوني.

ودعا ناشطون/ات الصحافة الإلكترونية الحرة إلى دعم آدم.

أثيرت القضية قبل نحو أسبوعين حين كتب آدم، وهو أحد مؤسسي جمعية أقليات لمناهضة التمييز والتجريم ضد الأقليات الجنسية ومؤسس مجموعة أطياف للتعددية الجنسية والجندرية بالمغرب، عبر حسابه في فيسبوك عن حادثة تحرش جنسي ومحاولة اغتصاب تعرض لها من قبل "شخصية معروفة" في عام 2018 عقب استدراج هذه الشخصية له مستغلاً علاقة آدم بزوجته التي كانت تعمل معه في تصوير فيلم يتعلق بوضع المثليّين في البلاد.

ولفت آدم إلى أنه لم يتمكن من التبليغ عن الحادثة وقتذاك بسبب صعوبة وضعه النفسي والعائلي، وخوفه من محاكمته بتهمة "المثلية الجنسية" عوضاً عن معاقبة الجاني، لافتاً إلى أن غرضه من الإفصاح عن الحادثة هو دعوة الجميع إلى الإعلان عن الانتهاكات التي يتعرضون لها.

وفي منشور لاحق، أوضح آدم أن الشرطة استدعته ووجد لديها "تجاوباً" مع أقواله بشأن الحادثة التي تبين لاحقاً اتّهامه الصحافي المغربي البارز ورئيس تحرير "أخبار اليوم" سليمان الريسوني على خلفيتها.

وسليمان هو شقيق الداعية المغربي أحمد الريسوني، العضو المؤسس ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان في السابق رئيساً لحركة "التوحيد والإصلاح"، الذراع الدعوية لحزب "العدالة والتنمية" البارز في البلاد.

توقيف وشكوك

ومساء 22 أيار/ مايو، جرى توقيف الريسوني والاستماع إلى أقواله بخصوص الشكوى المقدمة من آدم، كما تم الاستماع إلى أقوال زوجته خلود المختاري قبل إطلاق سراحها.

وفي 25 أيار/مايو، قررت النيابة العامة محاكمة الريسوني بتهمتي "الاحتجاز وهتك عرض شخص باستعمال العنف، المنصوص على عقوبتيهما في الفصلين 485 و436 من القانون الجنائي"، على أن تستمر التحقيقات معه. وبررت الزج بالمتهم في السجن المحلي بـ"خطورة الأفعال الجرمية ومساسها بالنظام العام وتوافر وسائل الإثبات".

وبيّنت مصادر لجريدة "هسبريس" المحلية أن وسائل الإثبات المستجمعة ضد الريسوني تضم "محادثات ورسائل نصية متبادلة بين الطرفين وتسجيلاً صوتياً وقرائن مادية أخرى، ما زالت مشمولة بالسرية".

لكن الكثيرين شككوا في ملابسات توقيف الريسوني الذي اشتهر بانتقاده السلطات المغربية والفساد وخروق حقوق الإنسان وتجاوزات الأجهزة الأمني عبر صحيفته المستقلة، فيما شدّد فريق دفاعه على براءته وعدم معرفته بالشاكي، نافياً وجود "أي دليل إدانة ضده".

"لا لاتخاذ حرية الصحافة ذريعةً للدفاع عن متهم بالتحرش"... ناشطون حقوقيون يتضامنون مع ناشط كويري مغربي اتهم رئيس تحرير صحيفة مغربية معارضة بـ"التحرش ومحاولة الاغتصاب". أحزاب سياسية/ إسلامية وحقوقيون يرون في القضية "تصفية حسابات سياسية"

ودافع طاقم "أخبار اليوم" عن الريسوني مشككاً في ملابسات اعتقاله الذي اعتبره "محاولة جديدة لإقبار (دفن) الصحيفة"، في إشارة إلى الاتهامات السابقة بـ"الاتجار بالبشر والتحرش الجنسي والاغتصاب" التي يقضي مالك الصحيفة توفيق بوعشرين حكماً بالسجن النافذ 20 عاماً على إثرها، وإلى حكم آخر بالسجن عاماً على ابنة شقيق سليمان، هاجر الريسوني، في العام الماضي بتهم تتعلق بالحمل خارج الزواج والإجهاض غير القانوني. وهي محررة في الصحيفة نفسها.

في حين اعتبرت جماعة "العدل والإحسان"، أكبر تنظيم إسلامي في المغرب، عبر موقعها الرسمي، أن "تكييف متابعة الريسوني جنائياً بتهمة جنسية ‘نهج مستهلك‘ يُعمي عن الخلفيات الحقيقية للاعتقال"، لافتة إلى أن "الخلفيات الحقيقية للاعتقال تتمثل تحديداً في افتتاحيات الريسوني القوية المنتقدة لدوائر القرار السياسي ولمسالك التدبير الاقتصادي والاجتماعي، وإدارته التحريرية ليومية ‘أخبار اليوم‘ التي لا يُرضي خط تحريرها جهات عليا في السلطة".

في السياق نفسه، أبدت منظمة حريات الإعلام والتعبير في المغرب (حاتم) استغراباً مما أسمته "كثرة الصدف في قضية اعتقال الريسوني"، محذرةً السلطات من أن "استسهال اعتقال الصحافيين والمس بحرية الإعلام والتواصل الرقمي وحرية التعبير يضرب بشكل مباشر الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع ونخبه".

وأشارت المنظمة إلى "جملة من الصدف الغريبة التي رافقت قضية الريسوني، أولاها أن الواقعة حسب المشتكي جرت أطوارها قبل سنتين أعقبتها الشكاية وتلاها الاعتقال الذي صودف في عيد الفطر المبارك. وثانيتها أن هذه القضية هي الثالثة التي يراد بها الزج بالعاملين في جريدة ‘أخبار اليوم‘ بسبب قضايا أخلاقية، وثالثتها توقيت فتح الملف وإصدارات الصحافي الأخيرة التي تضمنت مقالات اعتبرتها بعض الجهات ذات طابع نقدي حاد".

"لا للحجج الكلاسيكية أو التذرع بحرية التعبير"

في منشور عبر حسابه على فيسبوك، رفض المدير التنفيذي لجمعية "موجودين" الفاعلة في المجتمع الكويري في تونس علي بوسالمي، ما وصفه بـ"الحجج الكلاسيكية والتذرع بحرية التعبير ومعارضة النظام"، معرباً عن كامل دعمه للناشط المغربي إزاء تعرضه لحملة تحريض.

وقال بوسالمي: "المحزن في الحكاية: من جهة الناشط الكويري تحت الخوف والتهديد المتواصل من قبل صحافيين ساندوا زميلهم ومن جهات إسلامية إخوانية وأحزاب سياسية، ومن جهة أخرى ناس تقول على روحها مدافعة على حقوق الإنسان تساند في الشخص اللي مسلطة عليه التهمة بدون احترام للضحية أو حتى رجوع لها بش يسمعوا الطرفين". وتبنى عدد من الحقوقيين المغاربة التضامن مع الريسوني، واصفين القضية بأنها "تصفية حسابات سياسية".

ونددت الجمعيات الكويرية المغربية في بيانها المشترك أيضاً بـ"تصريحات بعض الحقوقيين/ات التي ترى في هذه القضية حسابات سياسية وتعمل على طمس حق الضحية في العدالة".

وأضافت: "هذه ليست قضية سياسية تمس حرية الصحافة بقدر ما هي قضية ضحية تعرضت لاعتداء جنسي ويجب على المعتدي، في حالة ثبوت التهم المنسوبة إليه، أن يحاسَب. نرفض التشكيك في صدقية الرفيق المقاوم كضحية كما نرفض التشكيك وإسكات كل ضحايا العنف".

في مقابل من اعتبر محاسبة سليمان الريسوني ضرورية في حال ثبُت اتهامه بمحاولة اغتصاب حتى لو كان صحافياً معارضاً، اعتبر المدافعون عنه القضية "تصفية حساب" بسبب مواقفه السياسية، مذكرين بقضية زميله توفيق بو عشرين 

وقال بوسالمي: "هذا بتعلة (حجة) الحفاظ على حرية التعبير في المغرب والحفاظ على الجريدة علخاترها (لأنها) مصنفة يسارية وتنقد النظام، وبتعلة زادة (أيضاً) أنو رئيس التحرير مهدد هو وعايلتو من قبل والنظام يحب يوقفهم على أي حاجة. وبالطبيعة يخرجو الحجج الكلاسيكية متع العادة ‘علاش تكلم/ت توا (الآن)‘ بجاه الرب معادش تسألو ضحية تحرش والا اغتصاب علاش قعدتو ساكتين".

وتابع: "هناك ناس أخرى تحاسب الضحية علخاتر فمة (لأن هناك) أطراف سياسية استغلت الموقف لصالحهم بش يستهدفو الجريدة، معناها الشخص اللي ت/يكون طالب/ة ت/يولي مطلوب/ة بش تعمل استقصاء شكون وعلاش استغلو الموقف ولازمها تزيد تضحي بالسكات على حرية الصحافة؟".

وأكمل: "مش معناها جريدة كانت سباقة بش تحكي على المجتمع الكويري بالضرورة راهي حليف/ة وخاصة بالرجوع لصديقاتي وأصدقائي الناشطين/ات الكويرين/ات الفاعلين/ات في المغرب قالولي اللي الجريدة نقات (انتقت) ناس معينة ‘قليلة جداً مقارنة بالمجموعات الموجودة‘ اللي تستجيب للأجندة متاعهم وما سلطتش الضوء على برشا مجموعات فاعلة في المشهد الكويري".

وختم بوسالمي: "حشومة (عيب) على المنظمات والأفراد اللي ساندت المتهم والجريدة".

وتواصل رصيف22 مع آدم للحديث حول المسألة المثارة، لكنه فضّل عدم الكلام حالياً لاعتبارات تتعلق بأمنه الشخصي وبالقضية نفسها.

"استمراراً للتحريض ضد مجتمع الميم"

في بيانها، اعتبرت الجمعيات الكويرية المغربية الهجوم ضد آدم استمراراً لدعوات التمييز والتحريض على الكراهية والعنف ضد أفراد مجتمع الميم، مستشهدةً بـ"تدوينة محامٍ يستغرب فيها قبول شكاية من ‘يتبجح‘ بمثليته"، في إشارة إلى منشور المحامي عبد المولى الماروري، نائب رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان في المغرب، الذي تضمّن السؤال الآتي: "هل فعلاً تم قبول شكاية شخص يتبجح بأنه مثلي (يعني من قوم لوط) يدعي فيها تعرضه لمحاولة اغتصاب؟ من أولى بالاعتقال؟ في أي بلد يقع هذا؟ عجيب أمر هؤلاء!".

واعتُبر المنشور على نطاق واسع "متطرفاً وينطوي على تحريض على الكراهية وازدراء حقوق الأقليات".

ونددت الجمعيات بتصريحات الماوردي، ودانت الحملة ضد آدم، معتبرةً أنها "انتهاك سافر للحق في حماية المعطيات والحياة الخاصة، وللحق في الخصوصية المنصوص عليه في الفصل 24 من الدستور المغربي والمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية".

واستنكرت مضمون الفصل 489 من مجموعة القانون الجنائي المغربي لأنه "يكرس العداء والتمييز المؤسساتي أو السوسيوثقافي اتجاه ذوي الميول الجنسية و/أو الهويات و/أو التعبيرات الجندرية غير النمطية ويحرمهم/ن من جميع حقوقهم/ن الأساسية، لا سيما الحق في الأمان الشخصي والسلامة البدنية".

وطالبت الجمعيات بـ"إلغاء تجريم المثلية الجنسية في المغرب وحذف كل الفصول التجريمية في حق مجتمع الميم، وعلى رأسها الفصل 489 من القانون الجنائي، وتدقيق المادة 1 من الفصل 431 منه وإدراج التمييز على أساس الميول الجنسية والهويات والتعبيرات الجندرية".

وكانت دراسة لجمعية "أقليات" الحقوقية المغربية نشرت قبل أيام، قد خلصت إلى أن المغرب يمثل "بيئة اجتماعية معادية بشكل عام" لأفراد مجتمع الميم. وتعرض مثليو المغرب، في نيسان/أبريل الماضي، احملات تشهير واسعة النطاق وجرائم عنف وكراهية عقب تسريبات متعمدة لهوياتهم الشخصية عبر تطبيقات تعارف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard