أحبتها أم كلثوم وماتت أسمهان في الطريق إليها... حكايات لا تُنسى عن "رأس البر"

الخميس 28 مايو 202003:56 م

رأس البر، مدينة ساحلية صغيرة، مطلة على البحر المتوسط، تابعة لمحافظة دمياط المصرية، احتلت مكانة هامة في قلوب مشاهير الزمن الجميل، فكانت ملاذهم في شهور الصيف عاماً بعد عام، فحملت شواطئها آثار أقدام أم كلثوم والملكة نازلي، وشهدت رمالها مشاكسات سليمان نجيب ومحمد عبد الوهاب، وأبدع فيها توفيق الحكيم ومحمد التابعي، وقتلت أسمهان في الطريق إليها.

تلك المدينة التي كانت قبلة الطبقة الأرستقراطية في أوقات الصيف، تحولت مع الزمن إلى مصيف شعبي، تقصده الطبقة المتوسطة من موظفين وفلاحين وعمال.

البداية بين الصوفية والتجار

يعود تاريخ رأس البر إلى عام 1823، حيث كان مشايخ الطرق الصوفية وأتباعهم بدمياط يسيرون بجموعهم نحو الشمال مع النيل، للاحتفال بمولد الشيخ "الجربي" بمنطقة الجربي، جنوب رأس البر. في ذلك الوقت كان التجار يفدون إلى رأس البر لمقابلة سفنهم العائدة من رحلاتهم، وهنا شاهدوا أول طلائع المصيف ممثلة في هؤلاء المتصوفين، فبدأت الفكرة وتأسست أول نواة للمدينة، حيث حرص الجميع على المجيء إليها من وقت لآخر للتمتع بهدوئها. هذا ما ذكرته العديد من المصادر، لكن ما الذي جعلها قبلة للمشاهير والأثرياء؟

"فقدت المدينة خصوصيتها منذ عقود، حيث زاد عدد سكانها وازدحمت. ولأن الدمايطة مرتبطون بها لقربها ومعظمهم يعمل بالتجارة، زاد الطلب عليها وارتفعت أسعار العقارات بها، وفقدت مع الوقت المصطافين المميزين، واقتصرت على أهل المحافظة أو مصطافي اليوم الواحد"

الإجابة على هذا السؤال ذكرها الكاتب الصحفي محمد التابعي، في كتابه "ألوان من القصص"، الذي صدر في عام 1964.

باعتباره واحداً من عشاق رأس البر، سجل في جزء من كتابه مواقف جمعته بمشاهير عصره في المدينة الساحرة، وأكد أن "المدينة المجهولة" تحولت إلى مقصد لمشاهير عصره بسبب الحرب العالمية التي قامت في خريف 1939، والتي عطلت سفر المصريين إلى المدن الأوربية، فقد كان الصفوة في مصر حينها يقضون الصيف على ضفاف بحيرات إيطاليا وشواطئ أوروبا.

يقول التابعي في كتابه: "اضطر هؤلاء السادة أن يقنعوا، راضين أو كارهين، برمل الإسكندرية وشاطئ بورسعيد وبور فؤاد، ولكن غارات طائرات المحور، ألمانيا وإيطاليا، بدأت تزلزل الإسكندرية وبورسعيد وقواعد الجيش البريطاني على امتداد قناة السويس، و فزع المصيّفون واضطروا أن ينزلوا في قناعتهم أو في تواضعهم درجة بل درجات، و أن يلجؤوا إلى مصيف رأس البر المتواضع الهادئ الفقير، لأنه كان يومئذ المصيف الوحيد الآمن الذي ليس فيه أهداف عسكرية تغرى طائرات المحور، بل ليس فيه ما يساوى قنبلة واحدة، ولأول مرة في تاريخه عرف مصيف رأس البر معنى الأقبال و(العزّ) والزحام، ولأول مرة سمعت رأس البر في شوارعها ألقاب أصحاب المقام الرفيع والدولة والمعالي، بل ألقاب الجلالة والسمو. فصاحبة الجلالة نازلي، ملكة مصر السابقة وبناتها، كن يقمن في فندق كريستال، على الضفة الشرقية للنيل أمام رأس البر".

عشة التابعي ملتقى النجوم

تميزت مدينة رأس البر في بدايتها "بالعشش" التي كانت تقام من حصر البردي، والتي تطورت فيما بعد وأصبح لها قاعدة خراسانية، لكنها احتفظت بهويتها التي أوقعت المشاهير في غرامها، وكان لمحمد التابعي عشة خاصة به حتى قبل الحرب، فهو من عشاق المدينة الكبار الذين اكتشفوا جمالها منذ البداية.

عشة التابعي كانت ملتقى لمشاهير عصره كما كتب في صفحات كتابه، اجتمع فيها يوسف وهبي بسليمان نجيب، وأم كلثوم بمحمد عبد الوهاب، وتوفيق الحكيم بإحسان عبد القدوس، ونجيب الريحاني باستفان روستي، ليقضوا معا أوقاتاً، ويصنعوا حكايات عديدة.

"نم في مارين وتعش في كورتيل"

تميزت رأس البر قي أيام الحرب العالمية بعششها وفنادقها، فقد جذبت المدينة العديد من الأجانب والأثرياء الذين أقاموا فيها المطاعم والفنادق والمسارح ودور السينما، وقد كان من أشهر فنادقها فندق كورتيل، وفندق مارين فؤاد، الذي يقول عنهما المحامي وليد خليفة، أحد أبناء دمياط، وعاشق لمدينة رأس البر وتاريخها: "عرفت من والدي أن الفنادق في رأس البر قديماً كانت بينها منافسة شرسة في اجتذاب النجوم، كالتي بين فريقي الأهلي والزمالك. فقد كان النحاس باشا وأعضاء الوفد ينزلون في فندق كورتيل، أما إسماعيل صدقي باشا وحسين سري باشا فينزلان في مارين فؤاد، وكان محمد عبد الوهاب من زبائن الكورتيل، بينما أم كلثوم كانت تفضل مارين فؤاد. وكان القول السائد وقتها: نم في مارين.. وتعش في كورتيل".

 "كل شيء راح"

خلال تجوالي في المدينة الصغيرة لم أجد أثراً للعشش والفنادق القديمة، فقد تحولت العشش البردي منذ سنوات طويلة لمبان خراسانية، لا زالت تحتفظ باسم العشش، رغم فخامتها وثمنها الغالي الذي يفوق ثمن أي شاليه في الساحل الشمالي، كما أكد الكاتب علاء الدين العبد، ابن مدينة دمياط، لرصيف22، فقال: "فقدت المدينة خصوصيتها منذ عقود، حيث زاد عدد سكانها وازدحمت، ولأن الدمايطة مرتبطون بها لقربها ومعظمهم يعمل بالتجارة، زاد الطلب عليها وارتفعت أسعار العقارات بها، وفقدت مع الوقت المصطافين المميزين، واقتصرت على أهل المحافظة أو مصطافي اليوم الواحد".

هدم كورتيل ومارين فؤاد

للأسف الشديد، لم يكن هناك تخطيط ذكي من القائمين على المكان، فكل معالمه التاريخية التي ارتبطت بأسماء النجوم والمشاهير لم يبق لها أثر، ففندق الكورتيل أصبح من الماضي، وفندق مارين فؤاد تم بيعه وهدمه منذ ما يقرب العشرين عاماً.

محمد زاهر (43 عاماً)، يعمل في مجال الطهي، ورث المهنة عن والده الذي كان "شيف" في فندق مارين فؤاد، يحكي عن المكان الذي كان يذهب إليه صبياً مع والده، يقول لرصيف22: "مارين فؤاد الأصلي كان يقع في شارع 52 برأس البر، أسّسه مالكه في الخمسينيات من القرن الماضي، كان عبارة عن ترّاس على البحر، وعمارة إضافية مكونة من أربعة طوابق، ومجموعة من العشش الخوص، لكن كل شيء تم بيعه وهدمه في عام 1998".

"كان النحاس باشا وأعضاء الوفد ينزلون في فندق كورتيل، أما إسماعيل صدقي باشا وحسين سري باشا فينزلان في مارين فؤاد، وكان محمد عبد الوهاب من زبائن الكورتيل، بينما أم كلثوم كانت تفضل مارين فؤاد"

يحكي محمد زاهر عن أقدم شخص تعامل معه في الفندق، قائلاً: "عم محمد الدمياطي أسس الفندق في رأس البر مع براعي بك، مؤسس الفندق. وبالرغم من أني تعرفت عليه وهو في الثمانين من عمره وكنت أنا في مرحلة الصبا، إلا أنني كونت صداقة قوية معه حينها. حكي لي أنه كان يخدم أم كلثوم بنفسه عندما كانت تحل نزيلة بالفندق، وكان لها حجرتها المفضلة في الطابق الأول من العمارة، لكنها كانت دايماً تفضل الجلوس في التراس على البحر، ودائماً ما كان بصحبتها محمد الموجي والسنباطي وأحمد رامي".

بعد وفاة الجد، آلت ملكية الفندق للابن فؤاد البراعي، الذي يحمل الفندق اسمه، ثم انتقلت برحيله إلى ابنه ياسر الذي باع الفندق والعمارة والعشش وسافر إلى الخارج، ليتم هدم المكان الأصلي ويضيع تراث عريق لم يتبق منه إلا مجموعة من الصور النادرة.

غرام من أول زيارة

على الرغم من تغير المكان وتبدل الحال، لايزال لرأس البر عشاق مغرمون به من المثقفين والكتاب، منهم الكاتب الصحفي هشام يحي، الذي يحرص على زيارته من وقت لآخر، يقول هشام لرصيف22 عن المدينة: "وقعت في غرام رأس البر من أول زيارة. لأنني زرتها في الشتاء، بعيداً عن زحام المصطافين، فاكتشفت مدينة لا تقل روعة وجمالاً عن مدن ساحلية زرتها في إيطاليا، خاصة بعد أن استردت عافيتها، بعد أن عاشت لسنوات طويلة في الإهمال والتخريب، بدأت في الستينيات مع اضطرار الدولة المصرية لنقل جزء كبير من أهل مدن المواجهة "السويس، الإسماعلية، بورسعيد" إلى رأس البر طوال فترة الحرب".

"وبعيداً عن حكاية الهدوء والجمال والنظافة، لا أنكر أن وجودي في رأس البر في ضيافة صديقي القاهري وجدي الشناوي، الذي يمتلك شقة فيها، كان له تأثير كبير في تدعيم الارتباط معها، بحكم أنه يذهب إليها منذ طفولته مع والده الذي كان مديراً للمسرح القومي في الستينيات، وكان يذهب لعرض المسرحيات هناك في الموسم الصيفي، ما كوّن له ولأبنائه صداقات استمرت حتى الآن"، يقول هشام لرصيف22.

وعن المأكولات في رأس البر، يقول هشام: "يترك لنا أصدقاؤنا حرية اختيار الأسماك الطازجة من "عزبة البرج" مطهية بطرق أبناء السواحل، ولأن الشتاء يمنحنا فرصة التجول بحرية بعيداً عن زحام المصطافين، نزور أسواقها العامرة ونجلس في مقاهيها التي تحمل طابعاً خاصاً، ونضرب عرض الحائط بتعليمات طبيب السكر لمدة يومين أمام إغراءات أصناف الحلويات التي لا نعرفها في القاهرة "اللقمة الخضراء" و"المشبك" بعسل النحل، وإذا كان البرنامج الغذائي بدايته "الصيادية" لابد أن تكون نهايته (البط) بالمارته الدمياطي، فرأس البر الحب الذي عرفته بعد أن تقدم السن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard