لا يمكن إنقاذ النظام الصحي المصري بمزيد من الضبّاط

الخميس 28 مايو 202010:50 ص

في المجتمعات التي تعتمد على القوة بمعناها المادي المباشر، أي القدرة على ممارسة العنف، تصير الرتب العسكرية والأمنية والقرب من أجهزة القمع والسيطرة رمز التفوّق الطبقي، بينما في المجتمعات التي تعتمد على القوة بمعناها العقلاني الأشمل يصير للوظائف القائمة على العمل دور أكبر في رسم السياسات والتأُثير على المجتمع.

سيطرة مَن يمارس العنف على صناعة السياسات وتوجيه المشهد السياسي والاقتصادي كان إحدى أهم صفات جمهورية يوليو، منذ تأسيسها سنة 1952. ولكن الأحداث تثبت دائماً أن الكثير من العسكرة والقليل من السياسة لا يفيد أثناء الأزمات الكبرى، كما أن زيادة عدد الضباط لا تنقذ النظام الصحي أو التعليمي، وكذلك فإن النقص في عدد الأطباء والباحثين أكثر خطورة من النقص في أسطول الطائرات الرئاسية عالية الجودة.

في 30 آذار/ مارس الماضي، أُعلنت وفاة أول طبيب مصري نتيجة مخالطة حالات مصابة بفيروس كورونا وهو الدكتور أحمد اللوّاح (57 عاماً)، أستاذ ورئيس قسم التحاليل الطبية في جامعة الأزهر.

تفاقمت الأزمة ووصل عدد الوفيات بين الأطباء وحدهم إلى 19 طبيباً بحلول 25 أيار/ مايو، بينهم الطبيب الشاب وليد يحيى الذي فجّرت وفاته أزمة بين نقابة الأطباء ووزارة الصحة، إذ اتهمت النقابة الوزارة بالتقاعس في حماية الأطباء لأن الطبيب لم يُنقل إلى مستشفى العزل ولم تقدَّم له الخدمة الصحية اللازمة لحالته، ما دفع عدداً من زملائه إلى تقديم استقالات احتجاجية.

بخلاف الأطباء، تزايدت حالات الوفاة بين الطواقم الطبية والعاملين في الخطوط الأمامية، ومع ذلك لم تغيّر الدولة أولويات الاهتمام والإنفاق وتوجيه السياسات. فما زال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث عن مشاريع البناء أكثر مما يتحدث عن الأزمة الصحية وشكاوى العاملين في القطاع الصحي.

كذلك، لم يحظَ الأطباء، "شهداء الواجب"، بتكريم رسمي، ولم يُعاملوا معاملة الضحايا العسكريين أو رجال الشرطة (وكلاهما يستحق التكريم المادي والمعنوي).

فجوة كبيرة

كشفت أزمة كورونا أن هناك فجوة كبيرة، ففي حين لم تزل الطواقم الطبية في خطوط المواجهة الأمامية في مستشفيات العزل تفاوض على حقوقها المالية، وتتصاعد الأزمة بين نقابة الأطباء من جهة وبين الحكومة ممثلة بوزارة الصحة من جهة أخرى حول معدات الوقاية وبروتوكولات الكشف على الأطباء المخالطين لمرضى كورونا، كان الرئيس يصدّق على تعديل قوانين متعلقة بامتيازات المعاش للقوات المسلحة.

وفي تعليقه على أزمة الأطباء حديثي التخرج، طرح السيسي رؤيته لإدارة الأزمات، وتقوم ببساطة على الطلب منهم التغاضي عن مشاكلهم لأن "ده وقت التكاتف مع بلدكم مصر".

هذه الرؤية تتسق مع الحملة الدعائية التي وصفت فيها وزارة الصحة الطواقم الصحية بجيش مصر الأبيض، فالجيوش تنفّذ الأوامر فقط ولا تناقش السياسات ولا تعترض على الأولويات، مع فارق أن التعامل مع هذا "الجيش" يختلف عن التعامل مع الجيش العسكري.

"النظم المرتبكة تعتبر كل المطالب محاولة تهدف إلى تفكيكها، وكل احتجاج محاولة لقلب نظام الحكم، وتظن أن كل أزمة في السياسة تحتاج استجابة من داخل الجهاز الأمني"

يغرقنا النظام المصري تحت وابل من الشعارات، دون أن يصاحبها استماع للمطالب والمخاوف الحقيقية. رؤية النظام المصري لإدارة مشاكل كل فئات المجتمع هي رؤية تحتقر السياسة بمعناها الواسع، ولا تهتم بالوصول إلى تسويات وحلول وسط تحاول التوفيق بين الإرادات المتشابكة والمصالح المتعارضة. يفضّل النظام دوماً الاستثمار في حالة الهستيريا الوطنية التي تمنع أي مناقشة جادة لأولويات السياسات وللأسباب الحقيقية وراء الأزمات.

فقط هناك حديث شعاراتي عن مصر الوطن بمعناه المجرد والغامض وغير المحدد، لا مصر المواطن بمعنى صاحب المصلحة والحق. إجمالاً، لا يبدو أن السيسي بتصريحه المذكور مدرك لحجم الأزمة، وهي أزمة القطاع الصحي في مصر بشكل عام، وما فعلته الجائحة هو أنها كشفت عن عمقها ولم تصنعها من عدم.

أزمة القطاع الصحي

هذه الأزمة يمكن أن تتلخص في ثلاث مشكلات أساسية:

ـ ضعف الأجور، إذ يحصل الطبيب حديث التخرج، بعد قرار زيادة أجور الأطباء حديثي التخرج (أطباء الامتياز) في نيسان/ أبريل الماضي، على 2200 جنيه أي ما يعادل 138 دولاراً أمريكياً شهرياً، ما يؤدي إلى هجرة عدد كبير من الأطباء. فقد بلغ عدد الأطباء المصريين العاملين في الخارج سنة 2017 مئة ألف طبيب، منهم 65 ألفاً في السعودية وحدها.

ـ ضعف أدوات الحماية والوقاية، ما يجعل الطواقم تعمل تحت الضغط الدائم للعدوى بكافة أشكالها البكتيرية والفيروسية. ويحصل الطبيب مقابل هذه المخاطر على ما يزيد قليلاً عن دولار واحد شهرياً كبدل عدوى، في حين يحصل القاضي على 190 دولاراً شهرياً وموظف البنك على 31 دولاراً شهرياً.

يحصل الطبيب حديث التخرج في مصر على 2200 جنيه، أي ما يعادل 138 دولاراً أمريكياً شهرياً، ما يؤدي إلى هجرة عدد كبير من الأطباء. فقد زاد عدد الأطباء المصريين العاملين في الخارج عن مئة ألف طبيب، منهم 65 ألفاً في السعودية

ـ تعقيد بروتوكولات الاختبار والكشف على الطواقم الطبية المخالطة للمرضى. فوزارة الصحة تضع ترشيد النفقات أولوية فوق الحفاظ على طواقمها وترفض إجراء الكشوف للطواقم إلا في حالات ظهور أعراض العدوى عليهم، ما يعرّض حياة هذه الفئة للخطر ويمتد التهديد ليشمل أسرهم والمخالطين لهم، فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، 13% من حالات الإصابة بكورونا في مصر من الطواقم الطبية.

عكست استجابة النظام لمطالب الطواقم الطبية أزمتين أساسيتين في طريقة الإدارة: الأولى، أن تجفيف المعارضة بكل أشكالها لم يساعد النظام على الاستجابة السريعة للشكاوي، إذ ترك نفسه في مواجهة مباشرة مع طواقم طبية غاضبة أو غير قادرة على التعامل بفاعلية مع الجائحة؛ الثانية، وقوع النظام ضحية لدعايته المضادة، فهو ينظر دوماً لكل مَن يختلف مع سياساته على أنه عدو مباشر، بمَن فيهم الأطباء الذين وُصفوا بالخيانة، ما جعله غير قادر على الاستجابة بشكل مناسب لأمور تبدو قابلة للحل.

لا يدرك النظام أنه يسحب من رصيد شعبيته وشرعيته وهي خسائر لا يمكن أن يعوّضها بمسلسلات موجهة من الشؤون المعنوية أو من أجهزة المخابرات. فالدعاية وحدها لا تُصلح خسائر الفشل السياسي.

تستمر النظم السياسية بقدر قدرتها على استيعاب المطالب وتحويلها إلى سياسات وحلول، لكن النظم المرتبكة تعتبر كل المطالب محاولة تهدف إلى تفكيكها، وكل احتجاج محاولة لقلب نظام الحكم، وتظن أن كل أزمة في السياسة تحتاج استجابة من داخل الجهاز الأمني.

تشهد الأزمات أن الأمن القومي أخطر من أن يُترك في يد العسكريين وحدهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard