"نمت وصحيت لقيتهم إرهابيين"... كيف بدأت حملات تخوين أطباء مصر الغاضبين؟

الثلاثاء 26 مايو 202004:43 م

"أنا زيي زيك، نمت وهم ‘جيش مصر الأبيض‘ صحيت لقيتهم ‘إخوان وإرهابيين‘ عشان عاوزين يتعالجوا وميموتوش وهم ساكتين"... بهذه الكلمات أعرب العديد من المواطنين والأطباء في مصر عن دهشتهم من محاولات "تخوين" الأطباء فقط لرفعهم مطالباً "عادلة" تتعلق بتوفير سبل الحماية الشخصية أثناء العمل والعناية الطبية لمن يصاب منهم بصورة عاجلة.

تفجر غضب أطباء مصر جراء نقص/ غياب وسائل الحماية الشخصية منذ بداية تفشي فيروس كورونا في البلاد، لكنه بلغ الذروة في 24 أيار/ مايو مع وفاة أربعة أطباء في يوم واحد، صادف أول أيام عيد الفطر.

ونعت النقابة العامة لأطباء مصر أربعة من أعضائها الذين قضوا متأثرين بإصابتهم بفيروس كورونا، هم: أحمد النني، طبيب النساء والتوليد في تأمين صحي بنها، ووليد يحيى (32 عاماً) الطبيب الشاب في مستشفى المنيرة، ومحمد عبد الباسط الجابري أخصائي الحميات في إمبابة، ومحمد البنا.

شكلت وفاة يحيى الخبر الأكثر صدمة للرأي العام في مصر لا سيما مع صغر سنه وكونه "عريس جديد وأب لطفل لم يتجاوز الخمسة أشهر"، علاوةً على مناشدته مراراً عبر مواقع التواصل الاجتماعي لنجدته عقب اشتداد المرض عليه وعدم توفر سرير له في مستشفيات العزل والوضع نفسه بالنسبة لزوجته ووالدتها اللتين انتقلت إليهما العدوى منه.

وما زاد من غضب الأطباء كانت الأنباء التي تداولتها مواقع محلية حول إصابة الفنانة رجاء الجداوي (82 عاماً) ونقلها "على الفور" إلى واحدة من أفضل مستشفيات العزل في البلاد وفي "غرفة عناية مخصصة لـvip". وأوضحت ابنتها لاحقاً أن والدتها ترقد في "غرفة عادية". أشيع أيضاً أن جميع العاملين في مسلسل "لعبة النسيان" الذين خالطوا الجداوي قبل ساعات من إعلان إصابتها أجريت لهم مسحات للكشف عن الفيروس.

وأجرى أطباء في هذا السياق مقارنة بين اهتمام الوزارة ومتابعة الوزيرة حالة الجداوي "عن كثب"، وعدم علمها أو اهتمامها بحالة يحيى إلا عقب وفاته، منبهين إلى أن أزمتهم ليست في العناية الفائقة بالفنانة وإنما "التمييز ضدهم وعدم نيل رعاية مماثلة" للتي تلقتها.

إثر ذاك، أعلن عدد من زملاء الطبيب الراحل استقالتهم متهمين وزارة الصحة بالتسبب في وفاته بـ"الإهمال المتعمد" و"سقوطهم واحداً تلو الآخر"، فيما تداولت عبر مواقع التواصل صورة لاستقالة جماعية لطاقم مستشفى المنيرة الجامعي الذي كان يعمل به.

وارتفعت إصابات العاملين بالكوادر الطبية إلى 350 من الأطباء والمسعفين وأطقم التمريض، كان آخرهم مدحت مرسي أشهر أطباء التشريح في مصر، وأستاذ علم التشريح في كلية طب قصر العيني، بحسب نقابة أطباء مصر.

"مخطط إخواني" vs "تشويه إعلامي"

خلال ساعات من انطلاق دعوات إلى إعلان استقالات جماعية للأطباء، كمحاولة للضغط على مسؤولي وزارة الصحة للاهتمام بمطالبهم، عبّر مواطنون عن تضامنهم الكامل مع "مطالب الأطباء العادلة" عبر وسم #متضامن_مع_أطباء_مصر.

وظهرت بالتزامن اتهامات بالتخوين و"الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين" المحظورة في البلاد، والتخلي عن قسم المهنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكل من يدعو أو يدعم تلك الدعوات.

"حلالهم طلقة في دماغهم/ لازم يتحاكموا ويتسجنوا/ عاوزين الدكاترة في إيه؟"... تحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي مواقع رسمية ضد أطباء أعلنوا/ دعوا إلى استقالات جماعية للضغط لحماية الأطقم الطبية بعد وفاة أربعة أطباء في يوم واحد

واستعرض المنتقدون تقارير من داخل مستشفيات مصرية وبعض أفراد الأطقم الطبية "البعيدين عن لجان الجماعات الإرهابية وإعلامهم الذي يعمل من الخارج لخدمة أطماعهم السياسية"، مشددين "أوعى تفتكر أنك تقدر تلوي ذراع الدولة المصرية. مصر قادرة وولادة رجال أوفياء".

وسأل أحدهم: "عايزين الدكاترة في إيه؟"، قائلاً إن البروتوكول العلاجي للفيروس معروف وإن أطقم التمريض تتابع العناية بالمرضى. وأضاف له آخر: "حتى بعد الوباء، ويكيبيديا عليها كل الأمراض وعلاجها".

استدعى هذا توضيحاً من ويكيبيديا التي نبّهت عبر تويتر: "ويكيبيديا ليست طبيباً. المعلومات الطبية المُقدمة في ويكيبيديا، في أحسن الأحوال، هي ذات طابعٍ عام ولا يمكن أن تكون بديلاً عن المشورة الطبية الاختصاصية".

كان البعض أكثر تطرفاً بالتحريض على سجن أو إعدام/ قتل الأطباء المستقيلين، فكتبت إحدى المغردات: "الموضوع بسيط جداً: أعلم أنهم تعلموا في الجيش أن العسكري اللي يهرب من الخدمة وقت المعركة حلاله (عقوبته) طلقة فى دماغه. الطبيب اللي يتقاعس عن الخدمة لأي سبب في الظروف دي (يعتبر) عسكري هربان من ميدان المعركة وحلاله طلقة في دماغه. حد عنده كلام تانى؟ جيش مصر الأبيض على راسي لكن الانسحاب خيانة".

وردّ البعض على هؤلاء مذكرين بامتناع الشرطة المصرية وقوات الأمن عن القيام بدورها في أعقاب ثورة 25 يناير عام 2011، واضطرار لجان شعبية من المواطنين إلى القيام بدورها. وكذلك، بحادثة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات وهروب العديد من الضباط والأمنيين من "المنصة" في 6 تشرين الأول/أكتوبر عام 1981.

تزامنت حملة الهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع حملة إعلامية لتشويه الأطباء، حيث زعمت عدة مواقع مصرية موالية للنظام أن وسماً بعنوان #استقالتك_شهادة_خيانتك كان من بين الأكثر تصدراً على تويتر في البلاد. إلا أن أعداد التغريدات عليه لم تتجاوز المئة والتفاعل عليها ضعيف جداً وغالبيتها لحسابات ترفع علم مصر وتدعم النظام حصراً. وضخمت بعض مواقف الأطباء الرافضة لمبدأ الاستقالة.

وبلغ التحريض والتشويه الإعلامي بحق الأطباء المستقيلين النبش في حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل سنوات لاستخراج أي منشورات أو صور تدعم الزعم بأنهم "موالون لجماعة الإخوان الإرهابية".

وصل الأمر إلى البرلمان المصري حيث تقدمت وكيلة لجنة القوى العاملة في مجلس النواب مايسة عطوة بطلب إحاطة رئيس مجلس الوزراء ووزيرة الصحة، بشأن "وجود مخطط إخواني لضرب الأطقم الطبية وتحريضها ضد الدولة دون تحرك من الجهات المعنية".

واعتبرت النائبة أن هدف المخطط "خفض وإضعاف الروح المعنوية للجيش الأبيض وسلبه عزيمته على القتال، وإشاعة أن الحكومة تخلت عن دعمها وتأمينها لهم، وكذلك عدم تقدير الشعب لجهودهم في الأزمة وكونهم خط الدفاع الأول" عبر "تحركات مكثفة من اللجان التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية على مواقع التواصل الاجتماعي وتحريض الأطباء على الاستقالة".

على الجانب الآخر، أعرب مواطنون وأطباء عن صدمتهم من محاولات تخوين الأطباء بعد كل ما قدموه من تضحيات في مواجهة الجائحة لمجرد مطالبتهم بأبسط قواعد السلامة الشخصية ليتمكنوا من الاستمرار في عملهم. واعتبروا أن هذه الاتهامات "لا تستحق الرد عليها".

"الأطباء" يصعدون و"الصحة" ترد

وفي أحدث بياناتها، قالت نقابة أطباء مصر إن "مواجهة جائحة وباء الكورونا واجب مهني ووطني يقوم به الأطباء وجميع أعضاء الطواقم الطبية بكل جدية وإخلاص"، معربةً عن أسفها الشديد لتكرار "حالات تقاعس وزارة الصحة عن القيام بواجبها في حماية الأطباء، بداية من الامتناع عن إجراء التحاليل المبكرة لاكتشاف أية إصابات بين أعضاء الطواقم الطبية، إلى التعنت فى إجراء المسحات للمخالطين منهم لحالات إيجابية، لنصل حتى إلى التقاعس في سرعة توفير أماكن العلاج للمصابين منهم، حتى وصل عدد الشهداء إلى 19 طبيباً".

"هتشتغل وأنت ساكت بدون وسائل حماية ونقول عليك جيش مصر الأبيض؟ ولا تعترض وتعمل هيصة ونقول عليك إخوان؟"... استياء من محاولات تشويه أطباء مصريين طالبوا بتوفير أدوات الحماية الشخصية والرعاية لمرضاهم 

وسأل إيهاب الطاهر، أمين عام نقابة أطباء مصر، المسؤولين عن الصحة في البلاد: "أين المائة مليار جنيهاً التي تم رصدها لمواجهة الوباء إذا كنتم تتقاعسون حتى عن توفير الحماية والعلاج للأطباء أنفسهم؟"، في إشارة إلى تصريح الرئيس المصري في آذار/مارس بتخصيص هذا المبلغ لمواجهة الجائحة.

كان الطاهر يرد بذلك على "بعض الدعايات الممنهجة لمحاولة إيهام الأطباء أن مسؤولية علاجهم تقع على كاهل نقابتهم"، مشدداً على أن تلك "محاولات يعلم الجميع أن الغرض منها هو مجرد رفع المسؤولية عن كاهل وزارة الصحة".

ووصفت منى مينا، عضوة مجلس نقابة أطباء مصر، البروتوكول الذي تتبعه وزارة الصحة بشأن حماية الأطباء (مكافحة العدوى) بأنه "قاتل وعار"، مطالبة بضرورة تغييره، في الوقت الذي اعتبرت فيه دعوات الاستقالة والتوقف عن العمل غير مناسبة للظرف.

ورداً على مطالب "الأطباء"، ذكرت وزارة الصحة في بيان، أنها "حرصت على تخصيص دور بكل مستشفى عزل بسعة 20 سريراً لعلاج المصابين من الأطقم الطبية، مؤكدة أن الوزارة تسعى جاهدة لحماية أطقمها الطبية، خلال مواجهتها فيروس كورونا المستجد، طبقاً لتوجيهات القيادة السياسية ودولة رئيس الوزراء".

وأشارت إلى أنها كثفت "إجراء التحاليل الدورية لأطقمها الطبية حيث تم إجراء 19 ألف و578 تحليل بالكاشف السريع، و8913 PCR، حتى الآن"، مؤكدةً "توافر مخزون كافي من المستلزمات الوقائية بالمستشفيات للتأكد من توافر الحماية اللازمة للأطقم الطبية".

وزعمت أيضاً أن "فرق الدعم النفسي بمستشفيات العزل تقوم بصفة دورية بتقديم كافة سبل الدعم للأطقم الطبية سواء للعاملين أو المصابين"، معلنةً "إصابة 291 من الأطقم الطبية بمستشفيات الحميات والصدر والعزل، من بينهم 69 طبيب وطبيبة، لافتة إلى وفاة 11 منهم وذلك منذ بداية الجائحة وحتى اليوم".

وفي محاولة لتهدئة غضب الأطباء على ما يبدو، قالت وزارة الصحة إن الوزيرة هالة زايد التي طالب مواطنون وأطباء كثر بإقالتها مراراً، كانت قد وجهت بـ"فتح تحقيق عاجل وفوري فى واقعة وفاة الطبيب وليد يحيى، ‘فور علمها بالواقعة‘، مؤكدةً على اتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيال وجود أي تقصير".

وفي مداخلة هاتفية لأحد البرامج التلفزيونية، ألقى علاء عيد، رئيس قطاع الطب الوقائي في وزارة الصحة المصرية، اللوم على زملاء الطبيب وليد يحيى قائلاً إنه "كان يمكن معالجته في مستشفى المنيرة وبها عناية مركزة مجهزة على أعلى مستوى لكن زملائه تقاعسوا ولم يدخلوه الرعاية".

ويتناقض ذلك مع الرواية التي أكدها عدد من العاملين في مستشفى المنيرة، والتي تفيد بأنه تم نقل كوادر المستشفى إلى مستشفيات العزل وأنه لم يكن هناك طبيب رعاية بها ليتابع علاج الطبيب الراحل.

وشهدت مصر، بحسب آخر الأرقام المعلنة، نحو 18 ألف حالة إصابة مؤكدة بالفيروس بينها 783 وفاة، وسط ترجيحات بأن الأعداد الحقيقية، في ظل غياب مسح شامل أو التحليل للمخالطين للحالات الإيجابية، أكثر بكثير من المُعلن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard