"ذبحتُ زوجتي"... سودانية تعرّضت لمحاولة قتل والشرطة تتهاون

الثلاثاء 26 مايو 202004:11 م

كُتب هذا التقرير للتقليل من العتمة الموجودة حالياً في قلب راقية الرشيد (25 عاماً)، السيدة السودانية التي تخاف النوم ليلاً لئلا "يُقضى عليها"، بعدما حاول قتلها زوجها النبراس علي (37 عاماً) الذي سُجن شهرين ثم خرج بكفالة مالية قدرها 15 ألف جنيه سوداني (نحو 270 دولاراً أمريكياً) وكأن شيئاً لم يكن، مثلما روى أفراد من عائلة الضحية لرصيف22.

تعرضت راقية وهي أم لأربعة أطفال، أكبرهم (عبد العظيم) يبلغ من العمر سبع سنوات وأصغرهم (راسية) لم تتخطَّ السنة من عمرها، لـ"جروح قطعية تؤدي للوفاة بسيف" استخدمه زوجها، تاجر الذهب.

حاولتُ التواصل مع راقية، ولكن الكلام لم يكن واضحاً نتيجة اعوجاج فمها إلى جهة اليسار. الحكاية مثلما روتها الضحية، ونقلتها الناشطة السياسية والاجتماعية السودانية سارة هاشم لرصيف22، هي أن راقية تعرضت فجر الخامس من شباط/فبراير الماضي أثناء نومها للضرب بسيف في أماكن عدة من جسدها، كان أكثرها خطورة الرأس وأصابع اليد اليمنى. 



وأثناء قيام الزوج بجريمته، استيقظ ابنهما الأكبر من النوم مرتعباً. وحين طلب من والده التوقّف، اُعتدي عليه أيضاً، فجُرحت كتفه اليمنى وكُسرت يده. 

خرج ابن السبع سنوات من المنزل في حي امبدة (في مدينة أم درمان) طالباً النجدة، فغادر الأب وأخذ ابنته (دعاء) التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات (كونها الأحب إلى قلبه، وفقاً لشقيقة راقية)، وقال لمن رآه من الجيران عقب عودتهم من صلاة الفجر: "ذبحت زوجتي". فطالبه أحدهم، تحديداً "رجل البقالة"، بالتوجه إلى قسم الشرطة على الفور، ورافقه حتى "سلّم نفسه". 



واتجهت الشرطة إلى منزل الضحية ظناً أنها فقدت حياتها. ولدى إخبار زوجها بأنها على قيد الحياة في قسم الشرطة "لم يُصدق". 

نُقلت راقية إلى مستشفى أم درمان، وأُجريت لها عملية جراحية استغرقت بضع ساعات تولاها ثمانية أطباء إذ "كان هناك نزيف حاد وقد احتاجت إلى زجاجة دم إثر قطع وريد وشريان رئيسيين في الرقبة، بالإضافة إلى جروح في الرأس والكتف والبطن، وهو ما أدّى إلى قطع جزء من الكلى". 

وبعد ثلاثة أيام، أجريت لها عملية أخرى في يدها اليمنى إلا أنها فشلت، وبُترت ثلاث أصابع، الخنصر والبنصر والوسطى. 

وكانت راقية قد تزوجت ابن خالتها زواجاً تقليدياً حين كانت في الـ18 من عمرها. 

قالت إنها ضُربت عشرات المرّات بلا مبرر. وهي ‏يتيمة الأم. عندما كانت تشكو  لوالدها مرارة العيش مع "زوج ظالم ومعنف"، اعتاد أن يأمرها بالعودة إلى المنزل. 

وتروي أن زوجها طلّقها أكثر من عشر مرات، إلا أنه ينكر الطلاق كل مرّة "بسبب غياب الشهود".

آخر "رجوع لها" إلى بيتها، وبعد 37 يوماً من إنجاب ابنتها الرابعة، تلقت تهديداً من زوجة المجرم الثانية، مما جاء فيه: "هذه المرة كان مجرد طلاق والمرة القادمة أكبر من هذا". تقول راقية إنها لم تأخذ التهديد على محمل الجد. وفي يوم الحادث كان الزوج مهتماً بسيف. وعندما سألته عن السبب، أجاب أن عمله في مناطق الذهب ويريد أن يحمي نفسه.

"اعتدى عليها أثناء نومها بالسيف. أراد قتلها. وقال لاحقاً إنه لو عرف أن زوجته لا تزال حيّة، لعاد إلى المنزل ليقتلها"... قصة راقية التي تعرضت لأحد أبشع جرائم العنف الأسري، وتهاون الشرطة السودانية في إحقاق العدالة

شهادة شقيقتها

"كان قد أخبرها أن السيف للحماية. نامت مطمئنة. لم تشعر بشيء غريب. واعتدى عليها أثناء نومها. أراد قتلها. هو بلسانه قال في مركز الشرطة إنه كان يريد أن 'يُخلّص عليها'. وحين خرج من المنزل قال إن زوجته ماتت. وقال لاحقاً إنه لو عرف أن زوجته لا تزال حيّة، لعاد إلى المنزل ليقتلها".

هذا ما قالته لرصيف22 راسية الرشيد وهي شقيقة الضحية، مضيفة في شهادتها: "لا تشعر راقية بالأمان لأن زوجها خارج السجن. نحن لا ننام الليل. نشعر بالرعب. خرج بكفالة مالية، وهذا خطأ قانوني. لديه سبعة إخوة. جميعهم يضربون زوجاتهم ولكن ليس بمستوى العنف الذي تعرضت له شقيقتي. يُمنعن كلهن حتى من زيارة الطبيب". 



وقالت: "حالة أولاد راقية النفسية سيئة جداً. يرفضون والدهم حالياً. ويرفضون حتى الاعتراف به. شاهدوا موقف الاعتداء كاملاً. الأسرة كلها تنام في غرفة واحدة. امتنع الابن الأكبر عن الذهاب إلى المدرسة ورفض إجراء امتحانات نهاية السنة. كان خائفاً من أن يسأله أحد 'أين والدك؟' أو 'لماذا فعل والدك هذا بوالدتك؟'". 

وتابعت: "نريد حقّنا بحسب القانون. نريد أن يعود الجاني للسجن مرة أخرى لنعيش بأمان على الأقل. ما يخيفنا أنه حر طليق. هذا هاجسنا الآن. نخاف أن يتهجّم علينا ويرتكب جريمة ثانية. لا يريدها أن تكون على قيد الحياة، يخشى أن تتزوج غيره أو تكون في محيطه لأنهما نسيبان، ولهذا أراد قتلها لا الانفصال عنها". 

الضربة على الرأس أثرت في النظر والاستيعاب

في السياق ذاته، قال عمّ راقية، إدريس عبدالله الذي يتابع القضية لرصيف22 إن الضحية لا تزال تتلقى العلاج، وهناك احتمال بتر كفّ يدها اليمنى التي يميل لونها إلى السواد. 

وأضاف: "أما يدها اليسرى، فعاجزة عن الحركة لتلقيها ضربتين عليها. أما الضربة على الرأس فأثرت في النظر والاستيعاب. وهناك إعوجاج في منطقة الفم إلى جهة اليسار".

وأشار إلى أن التقرير الطبي يفيد بأن "كل الجروح قطعية ومؤدية إلى الوفاة. كانت هناك محاولة لقطع الرقبة. وثمة إصابات في الرأس والرقبة وجزء من الأذن والحنك".  

وبيّن أن راقية كانت مخدرة بشكل تام أثناء الجريمة. وحتى عند وصولها إلى المستشفى لم تكن تتحرك. "كانت عيناها مفتوحتين فقط". 

ولفت عبدالله إلى أنه سلّم 21 فاتورة تتصل بالعلاج إلى الشرطة، مقدارها 435 ألف جنيه سوداني أي نحو ثمانية آلاف دولار أمريكي. 

وإدريس عبدالله هو مقدم البلاغ الرقم 467 تحت المادة 139 (جنائي) في 5 شباط/فبراير الماضي. 

"دفعوا قروشاً كثيرة"

عقب تسليم التقرير الطبي إلى الشرطة قُبض على "الضامن" (خال المجرم، الطيب عبد الله محمد حسين) الذي كفل الجاني، وذلك لعدم إحضاره إلى النبراس علي برغم مطالبة الشرطة بذلك. ففاجأ الضامن مدير القسم بأن بطاقته الوطنية منتهية الصلاحية. 

هنا يوضح عبدالله أن لا أحد يستطيع أن "يضمن" جانياً من دون أن يكون من دائرة الاختصاص وبطاقته سارية المفعول، وهو ما يدلّ على "تهاون" في الجريمة. لذا تمّ الإفراج عن الضامن بعد أربع ساعات من القبض عليه بعدما قال: "بطاقتي منتهية، ليش وافقتوا على الضمانة؟". 

وقال عبدالله إنه اتصل على الفور بمدير قسم الشرطة (أبو بكر) بعدما "عرف أن الضامن في منزله"، سائلاً عن سبب الإفراج، فجاءه الرد: "هذا شغلنا". 

وعلّق عبدالله على ذلك: "دفعوا قروشاً كثيرة. رجل يضمن مجرماً ببطاقة منتهية يعني أنهم دفعوا قروشاً كثيرة. إن غضضنا النظر عن الشرطة فماذا عن وكيل النيابة؟ كيف وافق على هذه الضمانة؟". 

"الآن الشرطة هي المجرمة. تساعد على الإجرام لأنها تستفيد من الحرامي والمجرم".

وتكملةً لفصول التهاون في الجريمة، قال عبدالله إنه عينة من الدماء الموجودة على السيف لم تؤخذ ليطابقوا بينها وبين عينة من دم الأم والطفل. وأضاف: "الشرطة تهاونت في الموضوع. المفترض أن تطالبنا بكل فاتورة فور صدورها ليبقى المجرم في السجن، ولكنه خرج بعد شهرين بكفالة مالية قدرها 15 ألف جنيه سوداني (نحو 270 دولاراً أمريكياً)". 

وزاد: "أتابع القضية وتقصير الشرطة ودورها الفاشل في الإجراءات. حتى دور النيابة العامة فاشل. لن أتسامح في القضية وأطالب بالقصاص. أهل المجرم لم يتحدثوا معنا حتى، من الناحية العرفية على الأقل".

وأرسل عبدالله لرصيف22 صورة نشرها النبراس علي في حسابه على فيسبوك في 25 أيار/مايو الجاري مع زوجته الثانية، قائلاً: "كأن المجرم يقول فيها: 'أنا حرّ طليق'". 



واستطرد: "الآن الشرطة هي المجرمة. تساعد على الإجرام لأنها تستفيد من الحرامي والمجرم". 

وأشار إلى أن النبراس علي شوهد في 26 أيار/مايو الجاري في منطقة "أبو حمد" بولاية نهر النيل شمال الخرطوم، وهو في الطريق إلى عمله. لم يتم إحضاره إلى مركز الشرطة مجدداً حتى الآن، ولم يصدر أمر بالقبض عليه برغم وعود الشرطة.

"دفعوا قروشاً كثيرة. رجل يضمن مجرماً ببطاقة منتهية الصلاحية يعني أنهم دفعوا قروشاً كثيرة"... قصة راقية التي تعرضت لأحد أبشع جرائم العنف الأسري، وتهاون الشرطة السودانية في إحقاق العدل

"اضطراب شديد العبء على صاحبه"

في سياق متصل، يقول لرصيف22 طبيب الأمراض النفسية وعلاج الإدمان علي قرقر إن ما تعرضت له راقية "نموذج شديد التطرف من العنف المنزلي"، موضحاً: "نحن حيال واقعة كفيلة بتكوين ما يُعرف بكرب ما بعد الصدمة PTSD وهو أكثر الاضطرابات ظهوراً بين ضحايا العنف الأسري بدرجاته المتفاوتة". 

وأكد أن كرب ما بعد الصدمة "اضطراب شديد العبء على صاحبه، وشديد الصعوبة لدى العلاج. ومن الصعب أيضاً التكيف معه".

"لن تُشفى إذا لم تشعر بالتضامن"

في الإطار نفسه، قالت الناشطة السودانية سارة هاشم إن العنف ضد المرأة في السودان قد يتوقف "عند تغيير قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991، وعند تشكيل لجنة لدراسة وضع المرأة والانتهاكات الواقعة عليها" و"عند العمل بموجب أحكام الوثيقة الدستورية لعام 2019 والتي حدَّدت مهمات الفترة الانتقالية في المادة (8) التي تنص الفقرة الثانية منها على الآتي: "إلغاء القوانين والنصوص المقيدة للحريات أو التي تميز بين المواطنين على أساس النوع". كما تنص الفقرة السابعة "على ضمان حقوق النساء في السودان في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتدعو لمحاربة جميع أشكال التمييز ضد المرأة". 

ولفتت إلى أنها تلقت خبر العنف الذي تعرضت له راقية بعد شهرين عن طريق شخص على صلة بأهلها. وقالت: "سبق أن تداولت بعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي هذه الواقعة تحت هاشتاغ '#العنف_ضد_المرأة_في_السودان' خاصة لدى النساء اللواتي يعانين من هذا العنف المتكرر بشكل أو بآخر"، مضيفة أن الغالبية العظمى من المجتمع تتعاطف مع الرجل، وإن كان مجرماً. 

وتُرجع سارة عدم تغطية الخبر في الإعلام السوداني إلى أن "مثل هذة القضايا يُصنف في عداد القضايا المسكوت عنها لأن اللوم يقع غالباً على المرأة". 

"لن تُشفى إذا لم تشعر بتضامن السلطات السودانية التي لطالما كانت مجحفة في حق النساء. ليت حكومة الثورة تلبي متطلبات النساء اللواتي كن العنصر الرئيسي في نجاح ثورة ديسمبر المجيدة".

وتواصلت سارة ومجموعات نسائية مع عدد من وكلاء النيابة العامة ومع وزير العدل بشأن هذه القضية، وجرى تقديم مذكرة تدعو إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية وتشكيل لجنة لدراسة وضع المرأة في السودان. 

وتحدثت عن الرعب الذي تعيش فيه راقية. قالت: "شخص فعل كل ذلك وأطلق سراحه بعد شهرين مقابل كفالة مالية يمكن أن يفعل الجرم نفسه عشرات المرات". 

وختمت: "أعتقد أن السيدة راقية لن تُشفى إذا لم تقبض السلطات على المجرم الذي مارس جُرماً لا يغتفر في حق زوجته وطفله ذي السبع سنوات. يجب أن تتلقى علاجاً بطريقة آمنة، وتشعر بتضامن السلطات السودانية التي لطالما كانت مجحفة في حق النساء على مدى عشرات السنين. ليت حكومة الثورة تلبي متطلبات النساء اللواتي كن العنصر الرئيسي في نجاح ثورة ديسمبر المجيدة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard