هل هناك نصّ عصيّ على الترجمة؟ (I)

الثلاثاء 26 مايو 202004:49 م

فكرة هذا المقال مقتبسة من مقال نشر منذ أيام في المجلة الأكاديمية "الدراسات الإيرانية" (Iranian Studies) بعنوان "غواية "العصي على الترجمة": شفيعي كدكني واستحالة ترجمة الشعر الفارسي"، لأستاذة الدراسات الفارسية والإيرانية في جامعة واشنطن آريا فاني. تنتقد فاني رأي الناقد الإيراني محمد رضا شفيعي كدكني عن عدم قابلية القصائد الفارسية للترجمة إلى اللغات الأوروبية على خلفية أهم النظريات التي صدرت في موضوع النص العصي على الترجمة. لتعتبر أخيراً أن الزعم بعدم قابلية نص ما للترجمة موقف مغر، ومع ذلك لا يمكن أن ينتهي البحث عنده، في أطر المفاهيم التي يتم ضمنها تحليل الاختلافات الثقافية واللغوية.

وكنتُ كذات البَوْ ريعتْ فأقبلت/ على بوّها إذ طربت بحنين

شاعر الردة الجاهلي، الأشعث الكندي 

في حلقة بحث حول الترجمة الأدبية درسها الناقد الأمريكي روبن كريسويل، وهو أيضاً مترجم وباحث في الآداب المقارنة، بالتعاون مع الشاعر فورست غاندر، بدأ بإخبار الطلاب عما يفضله من الكلمات العربية العصية على الترجمة. وهي باعتقاده ظاهرة موجودة في كل لغة أن تتضمن بعض الكلمات التي تمثل تعبيراً فريداً أو حصرياً للناطقين بتلك اللغة دون مرادف له في أية لغة أخرى. والكلمة التي قدمها للطلاب كمثال هي "البَوْ"، وهي لفظة من الشعر الجاهلي استخدمت للتعبير عن الفقد أو التفجع. ويعرفها المعجمي الفيكتوري العظيم إدوارد لين على أنها "سلخ جلد جمل صغير وحشوه بالقش أو التبن ليوضع بجانب الناقة التي مات صغيرها لتخدع برائحته فتظن أنه حي وتدر عليه حليبها"، وهذه كانت بالفعل عادة بدوية قديمة عند قبائل شبه الجزيرة.

لكن هل يمكن إدراج مثل هذه الترجمة في جسم قصيدة؟ بتعبير آخر، هل يمكننا تحديد الاختلافات اللغوية والثقافية في الترجمة لنوجد وسيطاً فاعلاً بين اللغات دون المساس بجمالية الأدب والوقوع في فخ التنميط للثقافات والحضارات المختلفة؟

إن استحالة الترجمة الشعرية لا تزال أمراً قائماً مع إمكانية إنتاج القصيدة مراراً وتكراراً في كل مرة يتم نقلها إلى لغة جديدة من خلال الغوص في عمقها الحضاري

إناء الترجمة ينضح بالجديد

في حين تعتبر ترجمة الشعر واحدة من أصعب المهمات لدى المترجمين بسبب الإشكالات التي تترافق معها، يبقى السؤال إذا ما كانت مهمة ممكنة التحقيق فعلاً، أو أنه يستحيل تحقيقها وسط الاختلافات الثقافية واللغوية بين الشعوب. ويحاول الإجابة عن هذا السؤال أستاذ الشعر الإنكليزي بيتر روبنسون في كتابه "الشعر والترجمة: فن المستحيل" (2010) مؤكداً أن "عدم قابلية الشعر للترجمة بحد ذاته يخلق شرط ترجمته". وهذا برأيه ما يجعل وظيفة الترجمة تتجسد بشكل عملي. فالشعر بالنسبة له ليس "حالة خاصة للغة عصية على الترجمة" بل هو حالة يتم فيها تقييم انتقال الشعر إلى لغة أخرى عالميًا من خلال قائمة يجب أن توضع في الحسبان من "خسائر ومكاسب لا مفر منها من الترجمة". وبهذا يرى روبنسون أن ترجمة الشعر تقع ضمن إطار "المفارقة"، من حيث أنه يستحيل نقل القصيدة بكاملها إلى لغة أخرى ولكن يمكن ترجمتها عبر تفسيرها وتقديمها بأي شكل نتج عن هذا التفسير إلى لغة اخرى. بعبارة أخرى، فإن استحالة الترجمة الشعرية لا تزال أمراً قائماً مع إمكانية إنتاج القصيدة مراراً وتكراراً في كل مرة يتم نقلها إلى لغة جديدة من خلال الغوص في عمقها الحضاري. وهذا ما نراه في ترجمة آلان جونز لمرثية دريد بن الصمة، شاعر مقاتل من القرن السادس يعبر عن مأساته إثر اكتشافه لجثة أخيه على أرض المعركة. ويقول في أحد أبياتها:

كنتُ كذاتِ البَوِّ ريعت فأقبلتْ          إلى جِذَمٍ مِن مَسْكِ سَقْبٍ مُجَلَّدِ

ويترجمها جونز إلى: "كنت كالناقة التي فقدت وليدها، ومن هول الفقد هرعت إلى جلده الذي سلخ عنه".  ومن الواضح أن نية جونز لم تكن نقل القصيدة حرفياً بقدر ما حاول استيعاب دلالات اللغة العربية عبر إعادة صياغتها. ورغم نجاحه في ذلك إلا أنه خسر عنصراً عالي الجاذبية في اللفظة الأصلية وهو "الاختزال".

نحن لا نترجم الكلمات

سئل الشاعر والمترجم الأمريكي ريتشارد هوارد مرة كيف سيترجم كلمة فرنسية محددة بقصد إرباكه، فاعتذر قائلاً: "أنا لا أترجم الكلمات". وقد تبدو إجابة غير صحيحة نظراً لأن جميع المترجمين يمضون جل وقتهم في اختيار الكلمات والقلق حول صواب اختيارها، إلا أنها إجابة دقيقة في حال أيقننا أن ترجمة الكلمات هو أمر تقوم به المعاجم لا المترجمون، وهذا ما عناه الناقد والفيلسوف جورج شتاينر حين قال عن الترجمة "ليست علمًا، بل فنًا دقيقًا". وفن الترجمة يتعامل مع وحدات أعقد من الكلمة كشكل الجمل ونغمة الصوت ووزن العبارة. ولعل ما قدمه المترجم وأستاذ اللغة العربية في جامعة كامبريدج جيمس مونتغمري في ترجمته لمعلقة "عنترة بن شداد" يجسد مثالاً على الدلالات التي يضعها المترجم بعين الاعتبار ففي حين أن الشطر الأول (هلْ غادرَ الشُّعراءُ منْ متردَّم) عادة ما يُترجم "هل ترك الشعراء بقعة واحدة لتتم خياطتها؟"، يقدم جيمس مونتغمري قراءةً تختلف جوهرياً عن الترجمة التقليدية لنص عنترة: "هل ترك الشعراء شعرهم، الذي استمر لفترة طويلة مثل الصراع أو العداوة أو الحمى، ميتاً وغير مدفون في ساحة المعركة؟" ليخسر الاختزال ربما ويربح متعة المعنى المضمن.

البعد الفلسفي لما هو "غير قابل للترجمة"

لعل الترجمة تنضوي على أبعاد أعمق من اللغة والتقنية الحرفية تتعلق بالعمق الفلسفي لثقافة النص الأصلي. وهذا ما حاولت باربرة كاسين، المحررة الرئيسية لمعجم "قاموس ما هو غير قابل للترجمة: معجم فلسفي"، جعله في متناول المشتغلين في هذا الحقل من خلال موسوعة للمصطلحات الأدبية والفلسفية والسياسية التي تتحدى الترجمات القطعية في اللغتين الفرنسية والإنجليزية. وبالنسبة لها لا تعني كلمة "غير قابل للترجمة" ما تستحيل ترجمته، بل هو دلالة على أن التنقل بالنص من لغة إلى أخرى لا يمكن أن يتم ببساطة "عبر فرض الكلمات والشبكات المفاهيمية على النص المترجم". ولهذا فإن قاموس كاسين يبدأ من الكلمات الموضوعة ضمن الاختلافات القابلة للمقارنة بين اللغات، انطلاقاً من اقتناعها بأن "عدم قابلية الكلمات للترجمة تعود إلى انتمائها لتقاليد فلسفية أو شبكات مفاهيمية مختلفة".

الزعم بعدم قابلية نص ما للترجمة موقف مغر، ومع ذلك لا يمكن أن ينتهي البحث عنده... 

وقد أشرنا في مقال سابق إلى بعض المترجمات اللواتي أعدن ترجمة الملاحم الكلاسيكية وقمن بصياغتها ضمن منظور فلسفي مختلف "يضعها ضمن إطارها الصحيح في مناخنا السياسي الحالي". فمثلاً حملت ترجمة إيميلي ويلسون لملحمة الأوديسة لهوميروس تصحيحاً لمفردات الكراهية ضد النساء والتي لم تكن جزءاً من التقاليد الفلسفية للمجتمع اليوناني القديم وإنما أقحمها المترجم على النص الأصلي ليعكس مفاهيم عصره.

ما علاقة الأطر السياسية والمفاهيم النمطية بالترجمة؟

 تضعنا إيميلي أبتر أمام توجهين متناقضين في كتابها "ضد الأدب العالمي: آداب غير قابلة للترجمة" (2013). حيث تشير إلى أن فرضية قابلية الترجمة أو عدم قابليتها في الآداب العالمية، تتجه إما نحو التأييد الساذج لإمكانية تحقيق التكافؤ الثقافي وإيجاد البدائل اللغوية، أو نحو تكريس "الاختلافات" ذات الصبغة الوطنية والإثنية والتي يتم تسويقها على أنها "هويات تجارية".  وهي بهذا تخرج من إطار اللغة لتسبر الجوانب السياسية والاقتصادية والدينية للترجمة، وتجد أن الحل يكمن في اتباع طرق في الترجمة تراعي الثقافات وأنماط التفكير التي انتهجتها في تكوين نصوصها وجعلها ممتعة لشعوبها. ولعل إدوارد سعيد هو أول ناقد عربي تناول القضايا التي أثارتها أبتر في مقال كتب قبل حوالي 30 عام بعنوان "الأدب المحظور" (1990) تجاوز من خلاله مسائل الشكل والتكوين في الترجمة من اللغة العربية ليتعدى إلى عوالم السياسة والتاريخ. يذكر سعيد أن ما أثار حيرته هو أنه "من بين جميع الآداب العالمية الرئيسية، تظل اللغة العربية غير معروفة نسبيًا وغير مقروءة في الغرب".

وفي محادثة له مع ناشر في نيويورك أوضح له أن "اللغة العربية هي لغة مثيرة للجدل". حيث تقتصر اللغة العربية في وسائل الإعلام والمجال الشعبي على معجم الطائفية (سني، شيعي، علوي) إضافة إلى ألفاظ دينية ترتبط بالعنف (الجهاد، الشهيد)، وكلمات تعبر عن القهر الأنثوي (النقاب، الحجاب). وقد أشار كريسويل إلى هذه النقطة بقوله "يتم تحريف التقاليد المعقدة مثل الشريعة بشكل كرتوني، وتسخّر المنطقة العربية بأكملها، كما يحدث عادة في كثير من الأحيان، لتلميع صورة ذواتنا المثالية كغربيين".

لا تبدو "عدم قابلية الترجمة" فكرة قائمة بذاتها، بقدر ما هي في الواقع ترتكز على مجموعة من المعايير الثقافية والفلسفية والسياسية التي يجب مراعاتها كي تستمر الترجمة في لعب دورها الحاسم في إيجاد اتصال حقيقي بين الحضارات في عالمنا اليوم. غير أن تفعيل الوعي النقدي تجاه استخدام "عدم قابلية الترجمة" كإطار مفاهيمي يمكن تكريسه لتحليل الاختلاف اللغوي والثقافي وفهمه وتقديره بدلاً من استخدامه لخلق شرخ بين الثقافات والشعوب، يمكّن الفلسفة والأدب المقارن والآداب العالمية من أن تزرع الأدوات المنهجية اللازمة لتعطيل الصورة النمطية والعصبيات القومية والمركزية الأوروبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard