الآثار السورية... ماض مشرق وواقع مرير ومستقبل مجهول

الخميس 28 مايو 202002:14 م

عندما تحصد الأرواح ويهجّر الناس، ويباعد بين الأقارب إلى أجل لا يعرف مداه، تكون الحرب قد دقّت إسفين التفرقة والتفكك، ودمرت بذلك النسيج الاجتماعي، وهذا ما حدث في سورية فعلاً، فقد اقتصّت الحرب من البشر والحجر على حدّ سواء، مشوّهة الهوية والبناء الاجتماعي للشعب السوري، بالتزامن مع الأضرار الجسيمة التي طالت التراث الثقافي، والذي لا يقلّ أهمية عن الإنسان، نظراً للارتباط الوثيق بينهما بعوامل عدّة: كالهوية، التاريخ والحياة اليومية، ويبدو أن تلك المعاناة ستحتاج إلى عقود طويلة حتى تتلاشى ويضمحلّ أثرها عن الأجيال القادمة.

إن توقف مشاريع البحث الأثري في سورية، والبالغ عددها حتى عام 2011 أكثر من 140 فريقاً علمياً، يعني حرمان المجتمع السوري والمجتمع الدولي من كم هائل من المعرفة حول الهوية السورية والتاريخ الحضاري البشري في الشرق الأوسط، والذي بدوره سيؤثر سلباً على الأجيال القادمة

اشتعلت الحرب ودارت رحاها مستعرة، لسوء الحظ، في أهم المدن السورية وأقدمها حضارة، والتي تمثل بحق جوهر التراث السوري وروحه، فدُمّرت أجزاء كبيرة منها، إلى أن وصلنا إلى معادلة مفادها: كلما كان الموقع أكثر أهمية فسيكون التدمير حتماً أكثر همجية. ولعلها معادلة عصيّة على الفهم، لأنه كما هو معروف أن المدن الأثرية المهمة، ولاسيما تلك المسجلة في قائمة التراث العالمي، والمرتبطة ارتباطاً مباشراً بالهوية، لها حصانة من المجتمع المحلي والدولي تحفظها من العبث والتدمير بشتى الوسائل.

مدينتي حلب القديمة وتدمر تأثرتا بفعل الأعمال العسكرية، بينما مدن أثرية أخرى، كأفاميا وإيبلا وماري وسيروس، تم تخريبها نتيجة أعمال التنقيب السرية والتي تمت على نطاق واسع، بالرغم من أنه لم تجرِ أية معارك عسكرية فيها أو حولها

كما لابد أن أشير في هذا الصدد أنّ التخريب لم يكن بسبب الأعمال العسكرية فحسب، وانما كان هناك أيضاً انتهاكات صارخة بفعل الأنشطة المدنية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لاحظنا أن مدينتي حلب القديمة وتدمر تأثرتا بفعل الأعمال العسكرية، بينما مدن أثرية أخرى، كأفاميا وإيبلا وماري وسيروس، تم تخريبها نتيجة أعمال التنقيب السرية والتي تمت على نطاق واسع، بالرغم من أنه لم تجرِ أية معارك عسكرية فيها أو حولها.

لقد كانت مدينة تدمر، عروس البادية السورية ولؤلؤتها، تبثّ الحياة والجمال في صحرائها، يحُجّ إليها السياح ويقصدونها من أصقاع العالم كافّة، وذلك لما تمتلكه من مبان أثرية تؤرخ لثقافة الشرق والغرب معاً، كما تمثل وتبرز ما في هاتين الثقافتين من تمازج. لقد دمرت الحرب أهم مكونات المدينة، كمعبد بل، معبد بعل شامين والمدافن البرجية، وما لا شك فيه أنه لايزال فيها الكثير من الصروح الأثرية، لكن للأسف تمّ تدمير قلب المدينة، وها هي الآن مدينة تدمر، بعدما كانت مقصد السياح من علماء وباحثين، باتت ثكنة عسكرية كبيرة.

مدخل متحف مدينة حلب، سوريا

إن مدينة تدمر أيضاً تمثل روح الهوية السورية التي تعتمد على التنوع في الزمان والمكان، فهي من أهم مكونات الهوية السورية الحالية، التي تقوم على التنوع العرقي والديني والقدم الحضاري المتعدد الذي يندمج معاً في المكان، ومدينة تدمر أعظم الأمثلة على ذلك.

في المقابل، كانت حلب القديمة مدينة تنبض بالحياة، إذ فيها مزيج من التفاعل الثقافي الاستثنائي السوري، والذي يعود لمئات السنين، فحلب هي أيضاً مرآة تعكس الهوية السورية، بمكوناتها العرقية والدينية والاجتماعية، لفترة طويلة من الزمن، حيث ما يزال حتى بداية الحرب الاندماج الثقافي في أعلى مستوياته، ويمكن مشاهدة ذلك جلياً في أسواق المدينة وأحيائها في كل تفصيلاتها، فحيثما نرى  المساجد والكنائس والمعابد تتجاور و تتعانق، نجد العرب والكرد والشركس والأرمن والتركمان يعملون ويعيشون معاً، في أجمل لوحة فسيفسائية حية عرفتها البشرية، ولكن الحرب نخرت هذا النسيج الثقافي للمدينة ودمرته، كما طالت يد الحرب قسماً مهمّاً من الهوية العمرانية التقليدية، كما هي حال مئذنة المسجد الأموي وقسم كبير من الأسواق القديمة، بالإضافة الى هجرة سكان المدينة ونزوح أهلها بعيداً الى أماكن متعددة.  

اعتبر المجتمع المحلي أن الآثار والأوابد التاريخية هي ملك الدولة، لذا عندما فقدت الدولة سيطرتها، هاجم المجتمع المحلي الأماكن الأثرية كعمل انتقامي، لاعتقادهم أنها ملك للدولة وليس للمجتمع

وهناك أيضا ماري وإيبلا وقطنا، وهي مدن أثرية يعود تاريخها الى الألف الثالث قبل الميلاد، تعمل فيها بعثات أثرية دولية عدّة منذ عقود، كشفت فيها عن عمق التراث السوري ودوره في إثراء التراث الإنساني، حيث بينت الأبحاث الأثرية أن هناك حِقباً وفترات زمنية في تاريخ الإنسانية لا يمكن دراستها إلا في سورية، ولكن للأسف، مع بداية الحرب تم تخريب أقسام كبيرة من هذه الأوابد التاريخية، بفعل أعمال التنقيب السرية التي يقوم بها السكان المحليون بإيعاز من التجار الدوليين، الذين يستغلون حاجة الناس المادية، كما أنّ البعثات الأثرية الدولية في الوقت نفسِه، توقفت عن العمل في سورية، وبدأت مشاريع جديدة في أماكن أخرى، ولا يعرف بعد فيما إذا كانت هذه البعثات سيكون لديها الرغبة في العودة لمتابعة عملها في سورية أم لا.

إن توقف مشاريع البحث الأثري في سورية، والبالغ عددها حتى عام 2011 أكثر من 140 فريقاً علمياً، يعني حرمان المجتمع السوري والمجتمع الدولي من كم هائل من المعرفة حول الهوية السورية والتاريخ الحضاري البشري في الشرق الأوسط، والذي بدوره سيؤثر سلباً على الأجيال القادمة.

"كلما كان الموقع أكثر أهمية فسيكون التدمير حتماً أكثر همجية، ولعلها معادلة عصيّة على الفهم، لأن المدن الأثرية المهمة، ولاسيما تلك المسجلة في قائمة التراث العالمي، والمرتبطة ارتباطاً مباشراً بالهوية، لها حصانة من المجتمع المحلي والدولي تحفظها من العبث والتدمير بشتى الوسائل"

ما قبل الحرب

يبدو لي من المهم جداً البحث عن أسباب هذا الدمار الهائل للتراث السوري، وتبين من خلال بحثي، وجود أسباب عديدة: منها ما يعود الى ما قبل الحرب وأخرى حدثت أثناء الحرب.

وتعود الأسباب الحاصلة قبل الحرب الى استراتيجية المؤسسات الرسمية السورية المتبعة في حماية الآثار السورية، والتي تعتمد أولاً على تطبيق القانون كما هو، وعدم مشاركة المجتمع المحلي في الحماية، وعدم نشر الوعي بأهمية المحافظة على التراث، لذا فقد أدت هذه الاستراتيجية الى نتائج عكسية، حيث اعتبر المجتمع المحلي أن الآثار والأوابد التاريخية هي ملك الدولة، لذا عندما فقدت الدولة سيطرتها، سرعان ما هاجم المجتمع المحلي الأماكن الأثرية كعمل انتقامي، لاعتقادهم أنها ملك للدولة وليس للمجتمع، كما أسهمت هذه السياسة بجهل أهمية المحافظة عليها، أما الأسباب الواقعة أثناء الحرب فهي متنوعة: فمنها سياسية ودينية وعرقية واقتصادية ومعرفية، وهي نتيجة حتمية للظروف السائدة خلال الحرب. ومن أهم الأسباب التي زادت من حدّة دمار الآثار السورية، استخدامها في الدعاية من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة كوسيلة لجذب الدعم المادي والبشري، وهي المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تستخدم بهذا الأسلوب.

دار جان بولاد (جنبلاط)، حلب القديمة

لعل من أسوء الآثار السلبية للحرب السورية هو تأثيراتها على الأجيال القادمة، حيث حرم قسم كبير منهم حق التعلّم، وهذا ما انعكس سلباً على مستقبل التراث السوري وهويته، وذلك نظراً للارتباط الكبير والمباشر بين مستقبل التراث من جهة، وبين التعليم والمجتمع والمكان من جهة أخرى، لذلك يجب العمل على تقوية الشعور بالهوية السورية والاعتزاز بتاريخها، من خلال نشر المعرفة حول غنى التراث السوري وتنوّعه وأهميته بالنسبة للسوريين والتراث الإنساني بشكل عام، وعند ذلك، يمكن حماية التراث السوري من قبل الأجيال القادمة وللأجيال القادمة، كما يساعد ذلك في محو آثار الحرب السلبية التي ساهمت في تفكك المجتمع، بالإضافة إلى تعزيز الشعور بالهوية الوطنية.

وهذا ما حاولت تكريسَه وتأكيده في كتاب "تاريخ سورية في مئة موقع أثري"، كما يمكن نشر المعرفة من خلال استراتيجية تعتمد على نشر المعرفة عبر تعليم التراث والأنشطة الثقافية في المدارس والمتاحف السورية، سواء في سورية، الأردن، لبنان وتركيا. ولكن من المعوقات التي تواجهنا في الوقت الحالي هي: المدارس السورية وخاصة في دول اللجوء وما تُعانيه من نقص حاد في المراجع المتعلقة بالتراث السوري، حيث يتعلّم الطالب السوري منهاج البلد الذي يعيش فيه، وهذا يؤدي الى جهل حقيقي بالتراث السوري.

إن مدينة تدمر أيضاً تمثل روح الهوية السورية التي تعتمد على التنوع في الزمان والمكان، فهي من أهم مكونات الهوية السورية الحالية، التي تقوم على التنوع العرقي والديني والقدم الحضاري المتعدد الذي يندمج معاً في المكان

أخيراً، وحسب ما تؤكده الخبرة، ماتزال سوريا تمتلك تراثا غنياً ومتنوعاً ينتظرنا كي نكتشفه في المستقبل، لكن هل سنمتلك الوقت والقدرة والمعرفة لذلك؟ لقد علّمنا التاريخ وكذلك الأبحاث الأثرية، أن سوريا دمرت مرات عدة، إلا أنها استطاعت أن تنهض وتزدهر من جديد، وربما بشكل أفضل مما كانت عليه، نظراً لامتلاكها الموارد الطبيعية والبشرية والتنوع الثقافي، ولعل هذا هو السر الكامن وراء حيويتها، ناهيك عن موقعها الاستراتيجي الذي تتمتع به.

عين دارة، سوريا 

نشكر الدكتور كنجو، كاتب المادة، على  الصور المرافقة للمقال. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard