القمصان المسحورة والتعاويذ... سياسات الحماية الشخصية الإسلامية

السبت 30 مايو 202003:16 م

 ضمن عقود العمل ترد جملة "معدات الحماية الشخصية" والتي تختلف باختلاف طبيعة العمل، من القبعة البلاستيكية القاسية لعمال البناء والمهندسين، إلى الأحذية الثقيلة بالنسبة للعاملين في مصانع تحوي مواد مزلقة أو كيميائية، كالزيوت أو الشحوم والأحماض، إلى البذات المقاومة للاحتراق والتي يرتديها عمال المطافئ، والأقنعة الواقية من انتشار الغازات السامة لدى الجنود، ومؤخراً، ومع انتشار فيروس كورونا، ظهرت معدات عمل الطواقم الطبية إلى الواجهة، الماسكات والأرواب البيضاء، القفازات المطاطية والأحذية والأغطية العازلة للفيروس.

وبالرغم من أن فكرة الأقنعة ليست جديدة، فلقد استخدم معالجو مرض الطاعون أقنعة بمناقير طويلة، للوقاية من الطاعون، إذ كانت الفكرة السائدة أن المرض ينتقل عبر الرائحة، وينسب للطبيب تشارلز دي لورمي، كبير أطباء ثلاثة ملوك فرنسيين، اختراع ما يسمى "ببدلة الطاعون"، لكن الأمر، عبر تاريخ طويل من الأوبئة الغامضة والمباغتة، لم يقتصر على معدات العمل تلك، كما تقول كريستيان غروبر، أستاذة الفن الإسلامي في جامعة ميشيغان، فاستخدمت الثقافات الإسلامية، بين القرنين الحادي عشر حتى التاسع عشر، مجموعة من "معدات الحماية الشخصية" للوقاية من الأمراض والسحر والشياطين التي تزخر بها المعتقدات الإسلامية.

تقول كريستيان، أن فكرة وجود المرض على هيئة أجسام مادية في الهواء كانت واسعة الانتشار في الثقافة الطبية، ولا يزال ينظر للمرض على أنه "غزو" خارجي، حتى أن مصدر كلمة "طاعون" هو "طعن"، وبالتالي كان من الضروري للمسلمين وقتها حماية هذا الجسد الذي هو "أرض مصممة لعبادة الرحمن" من "العدو الخارجي" الذي يرغب بغزوه باستمرار.

تعاويذ وقمصان تحمل البركة ومياه تشفي المرضى... عن الأمل البشري والبحث عن السكينة

تورد كريستيان مجموعة من: "معدات الحماية الشخصية" الإسلامية المثالية، التي تضطلع بمهمتين معاً: حماية الشخص من الأمراض في وقت السلم، وحمايته أيضاً من الموت في وقت الحرب، ومنها: القميص الذي يحمل البركة ويحمي من يرتديه، وغالباً ما يتم ارتداؤه في الحروب تحت الثياب، كقميص المأمون، أو القميص الموجود في متحف الفن الإسلامي في القاهرة، 


وهو عبارة عن قميص رجالي مصنوع من الكتان، وغير مخيط بخيوط، منقوش عليه رسومات هندسية مرسومة بمنتهى الدقة، وكتابات وآيات قرآنية وطلاسم بالأحمر والأسود، وما يميز القميص وجود مربعات صغيرة عددها 42 مربعاً مكتوب بداخلها أرقام من كتاب الجفر، الذي يدعى أن الإمام علي بن أبي طالب هو من قام بتأليفه شخصياً، ويحوي تنبؤاته المستقبلية. تقول كريستيان، إن التصاميم والمربعات والأرقام "مشحونة" بالتعاويذ، وهذا يعني أنها تحمي مرتديها من المرض والموت. كما تورد مجموعة من التصاميم الإسلامية التي كانت شائعة، كالكتابات القرآنية المطبوعة وختم سليمان السداسي،

 والتي كانت توضع على شكل لفائف حول العنق، أو تربط بالجسم، بما يشير إلى أن الاتصال الجسدي مع هذه الكتابات له قوة حمائية، يمنح البركة ويعفي من الأخطار المحدقة.

ولعل أكثر التمائم صلة بالأوبئة اليوم، هي تعويذة إسلامية مناهضة للطاعون، تعرف باسم "جنة الأسماء" وهي تصميم دائري، يحتوي على 19 حرف وآيات وأرقام من القرآن، إضافة لأسماء الله، وتوجد العديد من التصاميم المشابهة الأخرى، بعضها معدني أو خشبي، يوضع حول الرقبة ويتم التبرّك به بفركه باليد أو تقبيله.


الشفاء بالماء المقدّس

يمكنك شراء زجاجة بلاستيكية من ماء زمزم على الانترنت عبر أمازون  بـ22.99 دولار، لكن هذا لا يمنع إيمان المسلمين بقدرة هذه الماء المقدسة على الشفاء من الأمراض ومنع الشياطين من غزو الأجساد المؤمنة، بل أن كل ماء يمكن أن يتحول إلى ماء مقدس، شاف ويتمتع بخصائص حمائية بمجرّد قراءة بعض الآيات القرآنية عليه، ولاتزال العديد من البيوت تحتوي على ما يسمّى "طاسة الرعبة" التي هي إناء من الفضة، النحاس أو الحديد، منقوش عليها أسماء وآيات قرآنية تقوم بتطهير الماء الموضوع بداخلها وتحويله إلى ماء مقدس يتصف بخصائص شافية، يُذهب الكوابيس والمخاوف.

ننظر في هذه الأيام لهذه القطع المتبقية من التراث الإسلامي نظرة فنية، ومازال يعتقد العديد من البشر، بأن لها طاقات سحرية وقدرات ربانية، تجلب فوائد للروح والجسد، واجه بها البشر عبر مئات السنين الجوائح والأمراض واستعانوا بها على الأمراض الغامضة التي لم يعرفوا تفسيراً لها، حيث تتحدث هذه القطع الفنية عن أمل بشري بالبحث عن السكينة والعلاج، بشتى الطرق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard