عن سلطة المستقبل.. الوعود من أفواه الرسل والأئمة

الاثنين 1 يونيو 202005:29 م

لما كانت الأديان حريصة على تقديم نفسها لأتباعها ومعتنقيها على كونها رسالة الله الصادقة التي لا تقبل التشكيك أو الإنكار، فإن الوعود الإلهية التي وردت على ألسنة الرسل والأنبياء والأئمة، كانت، بطبيعة الحال، سمة رئيسة في كل نسق ديني أو مذهبي، باعتبارها نبوءة مستقبلية حتمية الوقوع.

كان الوعد إذن بمثابة حلقة الوصل التي أمنت الشعوب بأنها ربطت بين الأرض والسماء، فهو كلمة الحق التي يتم نسبها للأنبياء والأئمة، على أنها المستقبل الواقع ولو طال الأمد وتعاقبت السنين والعهود، وهو الأمر الذي يمكن تتبعه من خلال دراسة المعتقدات الشعبية وتجيلاتها في القصص الديني.

وعود الكتاب المقدس: من يشوع بن نون إلى يسوع الناصري

تظهر الوعود المستقبلية في الكتاب المقدس، بقسميه العهد القديم والعهد الجديد، في العديد من المواقف المهمة والمؤثرة في مسيرة اليهودية والمسيحية، فعلى سبيل المثال ورد في الاصحاح رقم 27 من سفر العدد، الوعد الإلهي الذي جاء على لسان النبي موسى، والذي بموجبه انتقلت زعامة بني إسرائيل إلى تلميذه يشوع بن نون: "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "خُذْ يَشُوعَ بْنَ نُونَ، رَجُلاً فِيهِ رُوحٌ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَأَوْقِفْهُ قُدَّامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَقُدَّامَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ، وَأَوْصِهِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَاجْعَلْ مِنْ هَيْبَتِكَ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ لَهُ كُلُّ جَمَاعَةِ بنى إسرائيل".

هذا الوعد، الذي شهد تنصيب يشوع كخليفة لموسى في قيادة القبائل العبرانية التي تحلم بالدخول إلى الأرض المقدسة، سوف يتحقق بعد وفاة موسى، عندما ينجح يشوع في اقتحام مدينة أريحا الحصينة، لينفتح الطريق أمام العبرانيين فيما بعد نحو فلسطين كلها.

أما فيما يتعلق بالعهد الجديد، فقد ظهرت وعود المسيح لتلاميذه ورسله في الكثير من المرات، ولعل من أهمها ما ورد في الاصحاح رقم 26 من إنجيل متى، والتي جاء فيه حديث يسوع الناصري لتلاميذه الاثني عشر في العشاء الأخير، إذ ورد قوله لهم: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي"، ويذكر بعدها أن يهوذا الإسخريوطي هو الذي سيقدم على تلك الفعلة.

أيضاً، يظهر في الاصحاح نفسه، قول المسيح لتلاميذه: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيّ، فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ"، ولما عارضه بطرس قائلاً: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً"، فأن يسوع يرد عليه "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ"، وهو الأمر الذي سيقع فعلاً فيما بعد، عندما يشاهد بطرس تعذيب يسوع على يد الرومان، ويخاف من انكشاف صلته به، فينكره ثلاث مرات متتالية قبل صياح الديك.

كما ورد الوعد النبوي بشكل سياسي في أغلب الأحيان، فقد يرد حاملاً بعض القصص الغريبة والمثيرة في أحيان أخرى... عن سلطة المستقبل.ووعود من أفواه الرسل والأئمة

الأحاديث النبوية: وعود ذات صبغة سياسية

ظهرت النبوءات النبوية التي قدّم فيها نبي الإسلام وعوده المستقبلية لأصحابه والمقربين إليه، في مجموعة واسعة من المتون الحديثية التي شاعت وذاعت بين المسلمين عبر العصور.

على سبيل المثال، أورد الحاكم النيسابوري في كتابه "المستدرك على الصحيحين"، أن الرسول أثناء الخروج إلى غزوة تبوك، في العام التاسع من الهجرة، قد رأى أبا ذر الغفاري قد قدم متأخراً ليلتحق بالجيش، فقال: "رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده"، وهي الجملة التي رافقت سيرة أبي ذر طوال حياته، إذ عُرف بمعارضته الشديدة للسياسات المالية والإدارية في الدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول، كما أن ذلك الوعد قد تحقق بشكل حرفي فيما بعد، أثناء وفاة أبي ذر وحيداً في منطقة الربذة التي نفاه إليها الخليفة عثمان بن عفان في آخر عمره.

الوعود النبوية قد تأخذ الصفة السياسية في الكثير من الأحيان، ومن ذلك ما أورده أحمد بن حنبل في مسنده، من قول الرسول لعثمان بن عفان: "يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثاً"، وهو الوعد الذي سيتم إسقاطه فيما بعد على رفض عثمان التخلي عن الخلافة إبان الثورة العارمة التي اندلعت ضده في أواخر 35هـ.

تلك الوعود ذات الصبغة السياسية الواضحة، ستتكرر كثيراً في مجال الجدال السياسي الذي سيندلع بين صفوف الصحابة زمن الحرب الأهلية الأولى، إذ سيستشهد كل فريق من الفرق المتنافسة على السلطة بمجموعة من الوعود النبوية المشهورة، لتأكيد أحقية كل طرف في الحكم، من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أَبِي سَعِيدٍ الخدري: "كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ –إبان فترة بناء المسجد النبوي في المدينة المنورة- فَرَآهُ النَّبِيُّ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ". هذا الوعد النبوي حدا بعمار ليصبح حكماً نموذجياً متخيلاً يرشد موقفه زمن الحرب الأهلية إلى الصواب والحق، ومن هنا فقد كان ميل عمار إلى صف علي بن أبي طالب سبباً في ترجيح كفة الخليفة الرابع، وإضعاف جبهة والي الشام معاوية بن أبي سفيان.

وفي السياق نفسه، تأتي بعض الوعود النبوية لتقدم إرهاصاً بوقوع الخلاف بين الصحابة، ومن ذلك ما أورده الحاكم في المستدرك، من قول الرسول للزبير بن العوام في أحد الأيام، لما مر عليهما علي بن أبي طالب: "لتقاتلنه وأنت له ظالم"، وهي الجملة التي سيحتج بها علي على الزبير في موقعة الجمل سنة 36هـ فيما بعد، وسيعقبها انسحاب الزبير بن العوام من ساحة المعركة بعدما يتأكد من خطئه.

وكما ورد الوعد النبوي بشكل سياسي في أغلب الأحيان، فقد يرد حاملاً بعض القصص الغريبة والمثيرة في أحيان أخرى، ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم، من أن الرسول قد أرسل عبد الله بن العباس ذات يوم ليستدعي معاوية بن أبي سفيان، ولكن معاوية الذي كان يلتهم طعامه لم يقدم، فدعا عليه الرسول قائلاً: "لا أشبع الله بطنه"، وهي الدعوة التي تحققت بشكل كامل في مستقبل معاوية، حتى نُقل عنه قوله فيما بعد: "والله ما أترك الطعام شبعاً وإنما أتركه إعياء"، وذلك بحسب ما ورد في تاريخ أبي الفداء. المثير في الأمر أن العديد من علماء أهل السنة، لما وجدوا أن ظاهر تلك الرواية قد يُفهم منه الطعن في معاوية، فأنهم قد عملوا على فهمها على كونها منقبة ومكرمة للخليفة الأموي الأول.

ومن بين جميع الصحابة، فقد أستأثر علي بن أبي طالب بالقدر الأكبر من الوعود المستقبلية من جانب الرسول، والتي ظهرت في سيرة عليّ بشكل متتابع منذ حداثة سنه وحتى مقتله، مروراً بالأحداث المفصلية الأهم في حياته.

من الوعود المشهورة التي صاحبت بدايات علي بن أبي طالب، ما ورد في الحديث المشهور باسم حديث الدار، وهو الحديث الذي ذكره الحسين بن منصور البغوي، في تفسيره "معالم التنزيل"، وذلك في سياق شرحه لأسباب نزول الآية رقم 214 في سورة الشعراء: "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ".

البغوي قال إن الرسول لما أُنزلت عليه تلك الآية، قد جمع رجال بني عبد المطلب، وقال لهم: "يا بني عبد المطّلب، إنّي قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه، فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم"، فلم يوافقه أحد على ذلك القول، عدا علي الذي وافقه وقال له: "يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه"، فرد عليه الرسول واعداً إياه بقوله: "إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا"، وهو الأمر الذي قابله الحضور باستخفاف وسخرية، لحداثة سن علي في تلك الفترة. ومن المعروف أن هذا الوعد سوف يكون فيما بعد أحد أهم أدلة الشيعة الإمامية على حقيقة الوصاية بإمامة علي بن أبي طالب وخلافته للرسول.

أيضاً تظهر النبوءة النبوية لعلي فيما ذكره الرسول له من كونه سوف يخوض مجموعة من المعارك الحاسمة ضد الخارجين عليه في فترة خلافته، ويتضح هذا فيما نقله الحاكم النيسابوري، عن الصحابي أبي أيوب الأنصاري من قوله: "أمر رسول الله علي بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين"، وهو القول الذي سيتم فهمه فيما بعد على كونه أمراً قاطعاً بقتال أصحاب الجمل، جيش الشام والخوارج الحرورية الذين سينشقون على علي بعد رضوخه لأمر التحكيم.

الوعد النبوي لعلي، سيظل مصاحباً له حتى اللحظات الأخيرة من حياته، فحسب ما ينقل ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق"، أن الرسول قد سأل علياً ذات يوم: "من أشقَى الأوَّلين قال عاقرُ النَّاقةِ قال صدقتَ قال فما أشقَى الآخرين قال قلتُ لا أعلمُ يا رسولَ اللهِ، قال الَّذي يضرِبُك على هذه وأشار بيدِه إلى يافوخِه". وهي النبوءة التي سيتم تنزيلها على عبد الرحمن بن ملجم المرادي، الذي سيغتال الخليفة الرابع في الكوفة في رمضان سنة 40هـ.

وعود الأئمة: تنبأت بالمصائر المؤسفة وبشرت بتأسيس الدول

إذا كانت الوعود النبوية للصحابة قد أسهمت في تشكيل جزء كبير من المُتخيل السياسي في الفترة المبكرة من عمر الإسلام، فأن وعود الأئمة، في المُتخيل الشيعي الإمامي، قد أسهمت هي الأخرى في إثراء ذلك المتخيل في الفترات التاريخية اللاحقة، وهو الأمر الذي يتماشى مع النظرة العامة للإمام التي تجعله وارثاً للعديد من الصفات والسمات النبوية، خصوصاً تلك المتصلة بالاتصال بالسماء والاطلاع على بعض المغيبات.

إذا كانت الوعود النبوية للصحابة قد أسهمت في تشكيل جزء كبير من المُتخيل السياسي في الفترة المبكرة من عمر الإسلام، فأن وعود الأئمة، في المُتخيل الشيعي الإمامي، قد أسهمت هي الأخرى في إثراء ذلك المتخيل في الفترات التاريخية اللاحقة، وهو الأمر الذي يتماشى مع النظرة العامة للإمام التي تجعله وارثاً للعديد من الصفات والسمات النبوية، خصوصاً تلك المتصلة بالاتصال بالسماء والاطلاع على بعض المغيبات

على سبيل المثال، يذكر المرجع الشيعي محمد باقر المجلسي، في كتابه الموسوعي "بحار الأنوار"، أن الإمام الثاني الحسن بن علي، قد أطلع أخاه الحسين على مصيره المفجع قُبيل وفاته، إذ قال له وهو على فراش الموت: "إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فأقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل يدعون أنهم من أمة جدنا محمد صلى الله عليه وآله وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحل ببني أمية اللعنة، تمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار".

أما في كتابه المعنون بـ"مقاتل الطالبيين"، فإن المؤرخ الشيعي أبا الفرج الأصفهاني، قد عرض لبعض وعود الإمام السادس جعفر الصادق المستقبلية، عندما ذكر أن رؤساء بني هاشم قد اجتمعوا مع بعضهم البعض، في السنين الأخيرة من عمر الدولة الأموية، وأنهم قد بحثوا أمر ضرورة اجتماعهم على زعيم هاشمي واحد، ليقود كفاحهم المسلح ضد الدولة الأموية المتهالكة، وأن معظم الهاشميين قد اتفقوا على اختيار محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، المعروف باسم النفس الزكية، ولكن الصادق أبلغ بعض الحضور، أن حركة النفس الزكية سوف تنتهي بالفشل، وأن كلاً من أبي العباس السفاح وأخيه أبي جعفر المنصور سوف يصلان إلى منصب الخلافة.

في سياق آخر، لو تركنا المشرق الإسلامي بكل ما فيه من حركات وأحزاب وفرق متنافسة على السلطة، ورجعنا للتراث المغربي، لوجدنا أن هناك نموذجاً مهماً لوعود الأئمة، وهو ذلك النموذج المُمثل في شخصية المهدي محمد بن تومرت.

تجلى الوعد المستقبلي في حادثتين مهمتين في سيرة ابن تومرت، الأولى وقعت في بغداد، عندما التقى ابن تومرت بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ وقوع هذا اللقاء ما يزال محط جدل لدى أصحاب الاختصاص)، وقد قيل إن الغزالي قد وعد تلميذه المغربي وقتها بالقضاء على دولة المرابطين، وبتأسيس دولة جديدة قوية تسيطر على المغرب الكبير كله.

أما الحادثة الثانية فقد وقعت في المغرب، أثناء رجوع ابن تومرت إلى وطنه، عندما التقى بعبد المؤمن بن علي الكومي، الذي كان عازماً في هذا الوقت على أن يسافر لطلب العلم في المشرق، والذي سيتحول بعد هذا اللقاء ليصبح أقرب تلاميذ ابن تومرت إلى قلبه، ورفيقه في رحلة سفره الطويلة.

"تمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار" من محمد باقر المجلسي، في كتابه الموسوعي "بحار الأنوار"، على لسان الإمام الثاني الحسن بن علي، يخاطب أخيه الحسين  عن مصيره المفجع

كتب المؤرخ شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، عن قصة هذا اللقاء المدهش، وما دار فيه بين الرجلين فقال: "صادف –المهدي- عبد المؤمن، فحدثه ووانسه، وقال: إلى أين تسافر؟ قال: أطلب العلم قال: قد وجدت طلبتك، ففقهه، وصحبه، وأحبه، وأفضى إليه بأسراره لما رأى فيه من سمات النبل، فوجد همته كما في النفس، فقال ابن تومرت يوماً لخواصه: هذا غلاب الدول".

بحسب ما تذكر الكثير من المصادر التاريخية، ومنها "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" لابن خلكان، فأن ابن تومرت قد ذكر أنه اطلع على اسم عبد المؤمن بن علي في بعض الكتب التي صادفها في المشرق إبان رحلة دراسته، وأنه قد وعده بالملك والحكم من بعده، وهو الأمر الذي تحقق بالفعل بعد وفاة ابن تومرت في 524هـ، عندما سيتحقق وعد المهدي ويعتلي عبد المؤمن كرسي الخلافة الموحدية، ويتمكن من إسقاط الدولة المرابطية، ويبني على أنقاضها دولة كبرى، عُرفت باسم الدولة الموحدية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard