"يتبادلون الكسكسي في المنازل ويتناولون الفطور في المقابر".. تقاليد تونسية في عيد الفطر

السبت 23 مايو 202001:56 م

أصابت إجراءات الحظر المتبعة للحد من انتشار فيروس كورونا عادات التونسيين الخاصة بنهايات رمضان، والاحتفال بقدوم العيد في مقتل، بعد أن عطل الزيارات العائلية، إحياء صلة الرحم، منع الصلاة في المساجد وفرق التجمّعات، السهرات ومظاهر الاحتفال التي كان يتميز بها هذا الشهر، إلا أن الجائحة لم تهزم حماس بعض التونسيين في الاحتفاء هذا العام بعاداتهم التي تنبع من عمق التاريخ، وظلت راسخة في أذهان الجميع، كاحتفالات ليلة السابع والعشرين، وعادات عيد الفطر التي تميز تونس عن بقية الدول العربية والإسلامية، خاصة في طرق الاحتفال.

التحضيرات للمناسبتين تنطلق في الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، حيث يتم تنظيف المنازل، فرش الزرابي وإعدادها كي تكون مناسبة لاستقبال الضيوف، ويكون للأطفال النصيب الأوفر من الاهتمام، حيث يتم التجوّل بهم في الأسواق لشراء اللعب والملابس الجديدة، ولعل عادة خطوبة العروس، ختان الأطفال في ليلة السابع والعشرين، زيارة المقابر على جنح الظلام، صدقة المقابر والمأكولات التي تختلف باختلاف كل جهة في تونس، أبرز ما يميز هذه الأيام المباركة.

ليلة القدر موعد العشاق

لشهر رمضان في الإسلام خصوصية كبيرة، ويؤمن المسلمون أنه يحمل أفضل الليالي في العام وأكثرها قداسة، ليلة القدر، ونظرا لأهمية هذه الليلة، يعمد التونسيون إلى استغلالها كمناسبة قيّمة لخطبة العروس وختان الأطفال، وهي عادات تأصلت بمرور السنوات، إيماناً منهم بأنها تجلب الحظ السعيد، وتمنح السعادة والبركة للزوجين، كما تعد إرثاً ثقافياً ودينياً.

"في ليلة القدر يلتقي العشاق"، يتداول التونسيون هذه الجملة كثيرا، نسبة إلى كثرة الخطوبات، والأفراح، حيث يعتقدون أن الشياطين تكون مكبلة، مما يساهم في نجاح العلاقة

"في ليلة القدر يلتقي العشاق"، يتداول التونسيون هذه الجملة كثيراً، نسبة إلى كثرة الخطوبات في ليلة السابع والعشرين، والتي باتت عادة من العادات الراسخة في قلوب التونسيين وعقولهم.

العم محمد بن رابح (62 عاماً)، يقول لرصيف22 إن خطبة العروس في ليلة السابع والعشرين ليست بالموضة الجديدة، إنما هي عادة قديمة يقبل عليها الجميع، لما لها من مميزات دينية، مضيفاً: "الشياطين موصدة في هذا الشهر المبارك، لذلك لا يتم عمل إلا ويكون خيراً ومباركاً، خاصة في أمور حساسة كالزواج".

وتؤكد الخالة عائشة (52 عاماً)، إن أولادها الثلاثة خطبوا زوجاتهم الحاليات في السابع والعشرين من رمضان، وكان ذلك طالع خير عليهم.

أطفال مُدلَّلون

يحبذ التونسيون ختان أطفالهم في يوم السابع والعشرين من رمضان، لارتباط عملية الختان بالثقافة الدينية الإسلامية، تُخضَّب أيادي وأرجل الصبيان بالحنّاء قبل يومين أو ثلاثة من ليلة القدر، وسط أجواء احتفالية وأناشيد دينية.

يلبس الصبيان يوم الختان اللباس التقليدي التونسي "جبة" و"شاشية" و"بلغة" (نعال جلدي تراثي)، ويعلق عقد من القرنفل في رقبته، فيصبح الطفل المدلل الذي تجاب طلباته، وتنفذ كل رغباته.

وتتم عملية الختان في بعض الأرياف عن طريق رجل يطلق عليه "الطهار"، وهو رجل عصامي التكوين لم يدرس يوماً الطب، فقط ورث المهنة عن أحد أقربائه أو كبير المنطقة الذي ينادونه باسم "الحاج"، فيما يذهب البعض الآخر، ومنهم سكان المدن، إلى المستشفيات.

ورغم الدعوات المتكررة من الشباب للكف عن استدعاء مثل هؤلاء "العصاميين" لما قد يسببونه من مشاكل على صحة الأطفال، إلا أن كبار السن عادة ما يتشبثون بهم، ويقولون إن أيديهم مباركة، مبررين ذلك بأن ما يعرف "بالطهار" قام بختان كل الأطفال، ومن بينهم هؤلاء الشباب الذين يدعون اليوم إلى مقاطعته، ولم يثبت عليه أي تجاوز أو خلل.

نائلة، أم لثلاثة أطفال، تقول إنها أجّلت ختان ابنها الذي يبلغ من العمر 8 أشهر لهذا اليوم المشهود، لما له من بركة، وأملاً أن يوافق ليلة القدر، رغم أن الطبيب نصحها بختان ابنها منذ ولادته لأمور صحية.

وتقوم بعض الجمعيات الدينية والخيرية والعائلات الغنية، بختان جماعي لصبيان العائلات محدودة الدخل والأيتام.

تبادل الكسكسي

يتجمع عدد من الرجال، حوالي 5 أفراد ويذبحون خروفاً قبل يوم من ليلة السابع والعشرين، ويقومون بتقسيمه بينهم بمقابل مادي رمزي.

وظلت هذه العادات راسخة، خاصة في المناطق الريفية، وتحديداً في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي والجنوب التونسي.

ويتبارى الناس في ليلة القدر في إعداد طبق الكسكسي الذي يتبارك به التونسيون، ويقوم الجيران والأقارب قبل حلول آذان المغرب بتبادل أطباق الكسكسي الذي زين باللحم والبيض.

"يقوم الجيران والأقارب قبل حلول آذان المغرب بتبادل أطباق الكسكسي".

كما يتم في هذه الليلة المباركة ختم القرآن، توزيع الصدقات والقيام بالاحتفالات الدينية بجامع عقبة بن نافع بالقيروان، بحضور كبار المشايخ والرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان)، وقد غاب هذا الاحتفال مؤخراً بسبب الحظر المفروض على البلاد لوقف تفشي جائحة كورونا.

يفرغ التونسيون من الاحتفالات بليلة السابع والعشرين لينطلقوا في احتفال آخر لا يقل أهمية عن سابقه، إنه عيد الفطر والذي يسمى في تونس "العيد الصغير"، ففي الليلة التي تسبق صباح العيد، تقوم النسوة بإعداد بعض الأطعمة والحلويات ليتم في الصباح الباكر نقلها إلى المقابر لتوزيعها على الجيران والفقراء والمحتاجين، كصدقة على الموتى.

تناول الفطور في المقابر

مع فجر يوم العيد، تخرج النسوة على جنح الظلام محملات بما لذّ وطاب من المأكولات والحلويات، ويتجهن إلى المقابر لزيارة ذويهم الموتى والتصدق عنهم، ويرافقهن في طريقهن رجال وأطفال.

تقول فاطمة العربي (58 عاماً)، إنها لن تتخلى عن فكرة زيارة أهلها في المقابر، فهم بحاجة للدعاء وقراءة القرآن فوق رؤوسهم، مضيفة: "زيارة المقابر تذكر الإنسان بأن الحياة زائلة وتبث في قلبه الخشوع والخوف، وتثنيه عن ارتكاب المعاصي، كما أنها عادة قديمة موروثة عن الأجداد".

بمجرد الوصول إلى المقبرة يتم إشعال النيران، ثم يتفرق الجميع على القبور لقراءة الفاتحة، وما تيسر من السور القرآنية على ذويهم الراحلين، ويضعون الماء وينثرون القمح فوق القبور.

بعدها تجتمع النساء ويخرجن المأكولات التي قمن بتحضيرها ليلاً، ليتناول الجميع فطور الصباح معاً داخل المقبرة، وعادة ما يكون حديثهم عن الأعمال الخيرية التي كان يقوم بها ذويهم الموتى في الدنيا، وعن أهم ما كان يميزهم، ثم يتبادلون أطباق الطعام فيما بينهم، ويحرصون خاصة على إيصال المأكولات إلى بيوت العائلات الفقيرة.

يحرص أهل الجنوب الشرقي في تونس على إعداد طبق الملوخية صباح العيد، ويعتقدون أن أكلها سيكون طالع خير، وسيأتي باقي العام أخضر كلونها

يؤمن البعض بأن الصدقة لا بد أن تكون سرية قدر المستطاع، ابتعاداً عن الرياء والتكبر، فضلاً عن حرصهم على عدم إحراج الفقير بإعطائه صدقة أمام الملأ، أو حتى بينه وبين المتصدق، فيختارون جلب ما تيسر من النقود كل حسب مقدرته ووضعها على القبور، فيأخذها المحتاج دون حرج حال مغادرتهم المقبرة.

وتحرص بعض العائلات على اصطحاب الأطفال معهم حتى يغرسوا فيهم هذه العادات للمحافظة عليها وضمان سيرورتها، كما يطلعوهم على الطرق والأساليب المستعملة في الصدقة، فضلاً عن تعريفهم بأماكن قبور أجدادهم الذي ماتوا في الخمسينيات والستينيات.

"حق الملح"

بعد صلاة العيد هناك عادة من التراث التونسي يحرص التونسيون على الإيفاء بها، وتتمثل في مكافأة شهر رمضان، أو ما يسمى بـ(حق الملح) وهي هدية يقدّمها الزوج لزوجته بعد صلاة العيد، تقديراً منه واعترافاً بالجهود التي بذلتها في شهر رمضان، وعادة ما تكون الهدية مالاً أو قطعة من الذهب.

وللأطفال نصيب أيضاً من الهدايا، حيث يقدم الآباء والأمهات ما يسمى في تونس "مهبة العيد"، وهي مبالغ مالية يقدمونها لأطفالهم لإدخال الفرحة والسرور في قلوبهم، في يوم عظيم كعيد الفطر.

وأهم ما يشد في تقاليد وعادات التونسيين الغذائية يوم العيد، هو الاختلاف من جهة إلى أخرى ‏حول ما يتم طبخه من الأكلات، وهو ليس بالأمر الذي يجب المرور عليه مرور الكرام، فكل طبخة ورائها سرّ.

أطباق شهية

يحافظ التونسيون صباح العيد على نفس الوجبات التي يأكلونها في مثل هذه المناسبة، لكنها تختلف باختلاف كل جهة، حيث يحرص أهل الجنوب الشرقي على إعداد طبق الملوخية التي تتميز بلونها الأخضر، ويعتقدون أن أكلها سيكون طالع خير، وسيأتي باقي العام أخضر كلونها.

ويتم أيضا إعداد طبق الشرمولة، وهي عجينة زبيب تطهى مع البصل في زيت الزيتون ثم تضاف إليه التوابل، تأكل الشرمولة يوم العيد مع السمك المملح، مثل الباكالاو، القاروص، المناني أو البوري، وتشتهر بها عاصمة الجنوب صفاقس، كذلك جربة وجرجيس، وحتى سكان العاصمة تونس.

ويطبخ سكان الجريد جنوب غرب البلاد "الفول" ويقومون بتوزيعه على الأهالي والضيوف، وهي من العادات التي ظلت راسخة في هذه المناطق، ومن فوائده تقوية الجسم ومنحه كميات من الحديد حتى يسترجع الصائم عافيته بسرعة.

وتتميز جهات الساحل، مثل المنستير وسوسة، بطبخ الأسماك صباح يوم العيد، ويقومون بتبادل الأطباق مع الجيران والأقارب لما للسمك من فوائد كبيرة على صحة الإنسان.

أما في الشمال والشمال الغربي، فنجد "الرفيسة" وهي خبز الملاوي مقطع إلى أجزاء صغيرة ويضيفون إليه الحليب والسكر والتمر، و"العصيدة العربي" وتتكون من عجينة القمح مع الزبدة والسكر وزيت زيتون، و"المشكلة" وهي نوع راق من الحلويات ‏التقليدية، عبارة عن بسكويت ممزوج بالفواكه، و"البرزقان" وهو ذو أصول بربرية، ويتم إعداده من الكسكسي الدقيق "المسفوف" المخلوط بالحليب والزبدة والسكر، ثم تجعل فوقه طبقات من الفواكه الجافة، مثل اللوز والفستق والبندق بالإضافة إلى التمر واللحم.

بين التحولات التي تشهدها البلاد والأصوات التي تنادي بالحداثة والتغيير، يصرّ تونسيون على المحافظة على عاداتهم وتقاليدهم حتى البسيطة منها، وتعتبر صدقة المقابر يوم العيد وختان الأطفال وخطوبة العروس في السابع والعشرين من رمضان، من العادات المتجذرة في المجتمع التونسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard