"رأيت آثار الحروق ومحاولات الخنق في رقبتها الصغيرة"... جرائم تعنيف الأطفال في الأردن

الجمعة 22 مايو 202001:01 م

"كل ما يمكن أن يتخيّله المرء، قد رأيته: كوي بآلات معدنية وسوائل ساخنة، تكسير من الجمجمة للصدر حتى الأطراف، حرمان من الطعام والشراب حتى الموت"، وغيره الكثير من البشاعة غير الموصوفة قبلاً، كانت أخصائية الطب الشرعي، الدكتورة إسراء الطوالبة، شاهدة عيان عليه، من أشكال تعنيف وتعذيب تعرّض لها أطفال أردنيون.

الحديث مع الدكتورة الطوالبة، جاء خلال إعداد تقرير من وحي حادثة العنف التي حصلت في الأردن يوم الأربعاء 20 أيار/ مايو، والتي سلطت الضوء على ما يتعرض له أطفال أردنيون من عنف.

حصلت الحادثة في محافظة "الزرقاء"، حيث تعرّض فيها طفل يبلغ من العمر 12 عاماً للإيذاء والحرق، جراء استخدام والده "عليه" مواد كيميائية (أسيد)، سببت له حروقاً من الدرجة الثانية والثالثة في مناطق متفرقة من جسده، مضى عليها فترة زمنية لا بأس منها، إضافة إلى كدمات في الوجه، الكتف والرأس.

"حتى مهبلها تعرّض للإيذاء!"

حادثة العنف الجسدي للطفل ذاك، والموجود حالياً في إحدى دور الرعاية في الأردن، لا تعتبر "حالة خاصة"، كما بيّنت الدكتورة إسراء الطوالبة في حديثها لرصيف22، فما حدث مع هذا الطفل تقريباً "لا شيء أمام ما رأيته على مدار أعوام من عملي"، كما تضيف.

فتبعاً لعملها كأخصائية طب شرعي، "ياما" وقفت الدكتورة إسراء أمام أجساد صغيرة في غرف الطب الشرعي، تتحدّث الكدمات في أجسادهم وعلامات أعقاب سجائر في جلودهم، عن التعذيب والإيذاء الذي تعرضوا له من أسرهم، وهنا تستعرض أبرز أشكال التعذيب الجسدي الذي عاصرته من وحي تجربتها، وتقول: "رأيت أطفالاً وضعوا في غرف باردة، وصلت حالة بعضهم للإصابة بالغرغرينا من جراء البرد القارس، أدى لبتر القدمين، رأيت جثث أطفال توفوا بسبب إصابتهم بالجفاف بعد حرمانهم من الطعام والشراب، لمست آثار غزٍّ باستخدام أدوات حادة لتعذيبهم، ورأيت نزفاً لشرايين في الجمجمة بفعل الضرب العشوائي".

حتى أن بعض حالات تعذيب أطفال، كانت الدكتورة الطوالبة شاهد عيان عليها وصلت حد القتل، لافتة إلى أن هناك نوع تعذيب "دارج" لدى بعض الأسر المعنِّفة لأطفالها، يسمى "متلازمة الطفل المرتجّ"، وهي عندما يكون التعذيب الواقع على الطفل عن طريق رجّه بطريقة هستيرية، تسبب له عاهة في الدماغ، كالعمى وتلف الأعصاب، والموت أيضاً.

"كل ذلك موجود وليس من الخيال"، تقول الطوالبة، لافتة إلى أن هناك ثلاث درجات للفئات التي تمارس التعذيب الأسري بحق الأطفال وفق تجربتها العملية، الأولى من قبل زوجة الأب، الثانية من الأب نفسه، والثالثة من الأم، وتقول: "لا توجد عوامل مشتركة في العنف الذي يمارس على الطفل، في وجود عوامل تعطي المعنِّفين مبرراً لجرائمهم، لكن الشيء الوحيد المشترك أنهم لا يملكون قلوباً"، وتبرر ذلك بسؤالها: "كيف لتلك الفئة أن يكون لها قلب وهي تسمع صراخ الأطفال من وجعهم أثناء تعنيفهم، ولا تعطي اهتماماً لذلك وتستمر بتعنيفه؟ أنا غاضبة جداً"، تقول الطوالبة.

"كل ما يمكن أن يتخيّله المرء، قد رأيته: كوي بآلات معدنية وسوائل ساخنة، تكسير من الجمجمة للصدر حتى الأطراف، حرمان من الطعام والشراب حتى الموت"، وغيره الكثير من البشاعة، كانت أخصائية الطب الشرعي، الدكتورة إسراء الطوالبة، شاهدة عيان عليه، من أشكال تعنيف وتعذيب تعرّض لها أطفال أردنيون

وعن أكثر قصص العنف ضد الأطفال التي أثّرت عليها بشكل شخصي، تقول الطوالبة: "لن أنسى في حياتي جسد الطفلة نورا ذات العامين ونصف التي توفيت من جراء تعذيب والدها لها في العام 2015، عندما كانت مستلقية أمامي في سرير المستشفى، ورأيت بأم عيني آثار الحروق والكدمات ومحاولات الخنق في رقبتها الصغيرة، حتى وزنها كان وزن طفلة في عمر الثمانية شهور لا أكثر، من جراء الحرمان والتجويع اللذين تعرضت لهما".

وتضيف: "عندما فتحت جمجمة الطفلة نورا وجدت نزيفاً كشف عن تعرضها لمتلازمة الطفل المرتج، وأذكر أنني وضعت في التقرير الذي كتبته عن حالتها، أن 90% من جسدها تعرض للإيذاء، حتى مهبلها تعرض للإيذاء!".

"آن الأوان أن ينصف القضاء الشرعي المرأة الأردنية"، تختم الطوالبة حديثها، في عودتها للإشارة إلى أن أكثر الفئات التي تمارس التعذيب بحق الأطفال هي زوجة الأب، معتبرة أنه لو أن القضاء الشرعي يمنح المرأة المطلقة الحق بحضانة أطفالها بعد زواجها من شخص آخر، مثل ما منحته للرجل، لما تعرض الكثير من الأطفال لأشكال تعذيب "تفوق قدرة أي عاقل على استيعابها".

"التفنن" في إيذائه

أما عن ذاكرة الصحافي موفق كمال، والمتخصص بأخبار الجرائم، وفي حديثه لرصيف22، فحتى اليوم ما زالت حادثة الطفل يزن عالقة في ذهنه، عندما فارق الحياة وهو في الخامسة من عمره في العام 2009، من جراء تعذيب خالته وزوجها له، و"التفنن" في إيذائه، كما يقول كمال.

الطفل يزن، وفق رواية الصحافي كمال، توفي من جراء سلسلة من أشكال التعذيب التي تعرض لها، من قبل خالته وزوجها اللذين توليا مهمة "رعايته" بعد أن تم توقيف والديه بقضية أخلاقية، اللافت في قصته أنه، وبظروف غامضة، توفي إثر تعرضه لإصابة في رأسه أدت إلى دخوله المستشفى، وبعد أن فارق الحياة وأثناء تشريحه، تبين أنه كان يتعرض لتعذيب عن طريق إطفاء أعقاب السجائر على جسده، حتى أن تقرير الطب الشرعي كشف أيضاً أنه كان يتعرض للتعذيب في فترة وجوده مع والديه، قبل حبسهما.

ومن واقع تجربته في تغطية أخبار الجرائم والعنف ضد الأطفال، بيّن الصحافي موفق كمال أن هناك عوامل مشتركة لمن يمارسون ذلك النوع من العنف: "التفكك الأسري، أو أن يكون الأب أو الأم أو كلاهما من أصحاب السوابق، ناهيك عن البيئة غير السوية والتي تواجه الفقر وتفشي الجهل".

وفي دراسة للمجلس الوطني لشؤون الأسرة، كشفت أن أكثر أنواع العنف الأسري ممارسة في الأردن هو العنف الجسدي وبنسبة 86%، وكشفت أن الذكور هم أكثر مرتكبي العنف في الأسر الأردنية، وبيّنت الدراسة أن غالبية مرتكبي العنف الأسري من ذوي المستوى التعليمي المنخفض، كما أن أكثر من ثلثي حالات العنف الأسري تُمارس من قبل الزوج أو الأب.

"الأطفال في الأردن يتعرضون لكافة أشكال العنف الجسدي، بما فيه الإيذاء بمختلف أنواعه، إضافة إلى الإيذاء النفسي والصحي، مثل حرمانهم من العلاج، ومؤخراً زادت نسبة العنف الاقتصادي بحق الأطفال والذي يترجم بانتشار متسولين أطفال، أجبروا من قبل عائلاتهم على التسول"

"يتعرضون لكافة أشكال العنف الجسدي"

مديرة إدارة الفئات الأكثر حاجة للحماية في المركز الوطني لحقوق الإنسان، بثينة فريحات، تقول لرصيف22، إن أطفالاً في الأردن يتعرضون لكافة أشكال العنف الجسدي، بما فيه الإيذاء بمختلف أنواعه، إضافة إلى الإيذاء النفسي والصحي، مثل حرمانهم من العلاج، ومؤخراً زادت نسبة العنف الاقتصادي بحق الأطفال والذي يترجم بانتشار متسولين أطفال، أجبروا من قبل عائلاتهم على التسول.

وقانونياً، أشارت فريحات إلى أن الدستور الأردني وفي مادته السادسة كفل حماية الطفل، ولم يحدد شكل الحماية، حتى في وروده للإساءة بحق الطفل جعلها مطلقة بدون تحديد.

كما دعت اتفاقية الطفل، التي وقع وصادق عليها الأردن في العام 2006، كما تضيف فريحات، إلى حماية الطفل من الإيذاء، مع تركيزها على الأطفال ذوي الإعاقة الذين يتم استغلال ضعفهم وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم ويتم تعذيبهم.

ومن هنا، وبحسب قولها، لا يوجد مفر للمعنِّف الذي يعتبر أن القانون لا يعاقبه على تعذيب طفله، ولا مبرر لحججه بأنه "يربي طفله على طريقته"، فالدستور والاتفاقيات الدولية التي تسمو على التشريعات الوطنية، تجرم فعله.

وبينت أنه، ووفق رصد المركز الوطني لحقوق الإنسان، فإن أكثر حالات العنف ضد الطفل تكون في فترة السن الحرجة "المراهقة"، لافتة إلى أن ما يساهم في عدم الحد من العنف ضد الطفل في الأردن، بأن حملات وبرامج التوعية تركز على ضحية فقط، وتنسى أن تحذّر من لديه نزعة عنف من أن يصبح جانياً ويرتكب فعل الإيذاء بحق طفله.

"في حال أخطأت كيف تريد والدك أن يتعامل معك؟"، سؤال طرحته بثينة فريحات في إحدى محاضراتها لطفل، أجاب الطفل: "ينزل لمستوى عمري، ليست لدي خبرة في الحياة بعد، وأقول له لا تعاملني هكذا، أنا أصغر منك!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard