رقابة النظام الإيراني تصل إلى العالم الافتراضي... ضوابط شرعية للظهور على إنستغرام

الجمعة 22 مايو 202011:06 ص

"بصفتي مواطناً إيرانياً، أنتظر في كل لحظة أن يتم القبض عليّ". تبدو هذه التغريدة جملة عابرة لمَن لا يعيش في جمهورية الخوف الإيرانية، ولمَن لا يعيش يومياً وفق قيود تفرضها أطر عقائدية.

في إيران، لا يهم أن يكون المواطن منخرطاً في العمل السياسي أو هارباً منه. الأمر سيّان. فبمجرد أن تعيش في "الجمهورية"، ستحاصرك السلطة وصولاً إلى أدق تفاصيل يومياتك.

واليوم، وصل التضييق إلى إنستغرام، إحدى أواخر النوافذ التي يظهر عليها الإيرانيون بحرية إلى حد بعيد. فعلى الرغم من بداهة أن تكون الأولوية لمواجهة الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الإيرانيون، قرر النظام استئناف العمل على تضييق الحصار على المواطنين، مستكملاً الحملة التي بدأها منذ سنة تحت عنوان تطهير الفضاء الإلكتروني.

فقد كشف النائب الاجتماعي للشرطة الإلكترونية في إيران رامين باشائي الأسبوع الماضي عن توقيف 320 ناشطاً على الفضاء الإلكتروني بتُهم مختلفة، مضيفاً أن الشرطة الإيرانية تعتبر خلع الحجاب في الفضاء الإلكتروني جريمة يحاسب عليها القانون ولا تقول بأي اختلاف بين الفضاء العام الواقعي والفضاء العام الافتراضي.

هذا التوجّه إلى فرض قيود على شكل الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي أثار غضب كثيرين. فقد رفض الخبير الإيراني في الشأن القانوني علي مجتهد زاده تصريحات الشرطة الإيرانية، ورأى أنها غير مستمَدّة من القانون.

وتنص المادة 638 من قانون العقوبات الإسلامية، في "فصل جرائم العفة والأخلاق العامة"، على أن "النساء اللواتي يخرجن بدون حجاب شرعي إلى الطرق والملأ العام يعاقَبن بالسجن من عشرة أيام إلى شهرين أو يغرَّمن بمبلغ 50 ألفاً إلى 500 ألف ريال".

ويبدو أن تفسير السلطة القانوني لهذه المادة قد يتيح للشرطة الإيرانية محاسبة المواطنات الإيرانيات على عدم ارتداء الحجاب على مواقع التواصل الاجتماعي.

حصار وراء حصار

الشابة الإيرانية أنوشه (26 سنة) تقّدم على صفحتها على إنستغرام صوراً لموديلات شعر تصورها أثناء عملها في صالون تجميل نسائي. لا يمكنها أن تسوّق لمهارتها دون دعاية على وسائل التواصل الاجتماعي. لكنها الآن، بدأت تفكر ملياً بحلول جدية لتجنب المواجهة مع الشرطة الإلكترونية ومحاسبتها على موديلات الشعر دون حجاب، حسبما تقول لرصيف22.

وتضيف أنها تحب الحياة لكنها تخاف من جولة مواجهة مع النظام، فلا أحد يعرف متى يتم الحكم عليه بآلاف التهم ومتى يُجبَر على الرحيل هرباً من بلاده لأن حكامها ظالمون، ومتى يستدعيك القدر لتصبح خبراً عاجلاً ثم ترمى إلى النسيان.

تتذكر سيّدة إيرانية أربعينية ملابسها القديمة والعباءة التي خلعتها منذ سنوات وتقول إن أبناء جيلها المولودين أثناء الحرب الإيرانية-العراقية عاشوا صعوباتهم الخاصة وكانوا يحلمون بيوم يحصلون فيه على الحرية.

لا تنكر أنها شعرت بكمية جيدة من الحرية بعد زواجها، إذ ارتدت ملابس ملونة وحجاباً أكثر انفتاحاً، لكنها اليوم خائفة على ابنها ياشار (16 عاماً)، فصفحته على إنستغرام مملوءة بصور صديقاته وأصدقائه، وتوثّق حفلاتهم ورحلاتهم الخاصة.

أسئلة كثيرة تدور في ذهنها: "ماذا سأقول للشرطة لو أخذوا ابني؟"، "كيف سأقنع ابني بالتزام بكهف عمره آلاف السنين؟"، "كيف سأقنع نفسي بأن الرحيل عن هذه البلاد هو الأفضل لابني؟". لا إجابات.

على الرغم من بداهة أن تكون الأولوية لمواجهة الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الإيرانيون، قرر النظام استئناف العمل على تضييق الحصار على المواطنين، مستكملاً الحملة التي بدأها منذ سنة تحت عنوان تطهير الفضاء الإلكتروني

لكل عائلة إيرانية منفتحة، ولو قليلاً، ملفاً وأسئلة ستطرح عليها يوماً ما. فالتنوّع هنا ممنوع وعلى الجميع أن يكونوا نسخة عن النظام الذي يعزز انقسام المواطنين العمودي بين سائل ومسؤول، وسجان ومسجون.

تدخّل في حريات الأفراد

محاصرة النظام الإيراني لشعبه لا تنحصر في تنفيذ قانون ما، أو تعقب سلوك محدد افترضت السلطات أنه مسيء، بل يتجاوز ذلك إلى التدخل بحرية كل الأفراد على صفحاتهم الشخصية، ولا سيما أصحاب الحظوظ الأكثر في المتابعات، عبر تلفيق التهم لهم لبث الخوف في نوفوس الآخرين.

هذا الحال يعبّر عنه الرياضي الإيراني معين شيرازي المشهور باسم بيكاسو والذي خرج مؤخراً عبر صفحته على إنستغرام ليكشف عن حكم أصدره القضاء الإيراني بحقه يقضي بسجنه تسع سنوات وسجن زوجته سبع سنوات مع 74 جلدة، بتهمة "الدعاية ضد النظام" و"نشر الفساد والفحشاء" و"خدش الحياء العام" و"نشر محتوى بذيء وسوقي".

الظهور بلا حجاب ممنوع على إنستغرام في إيران... التوجّه إلى فرض قيود على شكل الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي أثار غضب ومخاوف كثيرين

وأوضح شيرازي أنه استُدعي إلى الأمن منذ عشرة أشهر وطولِب بحذف صور زوجته عن صفحته، إذ تظهر دون حجاب، وقام بتنفيذ كل ما طُلب منه، لكن بعد فترة وصله بلاغ بشكوى رسمية ضدّه، فهرب إلى تركيا، معتبراً أنه لو بقي سيكون ضحية أخرى يحوّلها النظام إلى درس عبرة لبقية المواطنين.

قُبلة تحرك رئيس الشرطة الإيرانية

سجّل الأسبوع الجاري أيضاً حادثة توقيف للاعب الباركور الإيراني الشاب علي رضا جابلاغي بسبب نشره صورة له وهو يقبّل صديقته، ما أغضب رئيس شرطة العاصمة الإيرانية حسين رحيمي فأمر بإلقاء القبض عليه وعلى صديقته ووصف تصرفه بالسوقي.

الشاب الشجاع الذي يغامر بقفزات عالية على الأسطح والجدران ظهر في آخر بث مباشر له عى إنستغرام مرتبكاً ونقل تهديدات الشرطة له وقال إنه لم يفعل شيئاً وإنه رياضي ويشجع على الرياضة ولا يخاف أحد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard