"بعيداً عن العلاجات الوهمية والخرافات"... كيف نقوي المناعة للوقاية من الأمراض؟

الخميس 21 مايو 202006:56 م

يعتبر وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي ضرب العالم في العام 1918، الأكثر فتكاً في تاريخ البشرية، إذ أصاب ما يصل إلى 500 مليون شخص، أي ربع سكان العالم في ذلك الوقت، حاصداً عشرات الملايين من الأرواح في جميع أنحاء العالم.

ولكن انطلاقاً من مبدأ "مصائب قوم عند قوم فوائد"، وجد "حيتان المال" أن هذه الأزمة الصحية العالمية هي بمثابة فرصة ذهبية لتسيير أعمالهم وكسب أرباح طائلة، بحيث اشتدت المنافسة بين شركات الأدوية التي سعت جاهدة للترويج لمنتجاتها على أساس أنها تعالج أعراض المرض، كما ظهرت الإعلانات الترويجية بشكل منتظم في الصحف، إلى جانب الأخبار المقلقة المتعلقة بالإصابات والوفيات.

واليوم في العام 2020، يمكن القول إنه لم يجر الكثير من التغيير على هذا المشهد، فعلى الرغم من أنه يفصل بين فيروس كورونا والإنفلونزا الإسبانية أكثر من قرن من الاكتشافات العلمية، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من المزاعم التي تفتقر إلى الأدلة الطبية، والأدوية الشعبية المشكوك في فعاليتها، والتي يُقال إنها تقوي جهاز المناعة.

الترويجات الكاذبة

في الآونة الأخيرة، انتشرت نصائح غذائية تشدّد على ضرورة استهلاك الأطعمة الغنية بمضادات الأكسدة وفيتامين سي للوقاية من فيروس كورونا، في الوقت الذي يقوم فيه بعض العلماء الزائفين بالترويج لمنتجات "عصرية"، مثل شاي الكمبوتشا والبروبيوتيك، وهي البكتيريا المفيدة للأمعاء، لمحاربة هذا الوباء.

وقد وصل البعض في مزاعمه لحدّ القول بأن مسحوق الفلفل الأحمر والشاي الأخضر، هما أفضل من أقنعة الوجه لجهة الوقاية من فيروس كورونا المستجد.

إلا أن الواقع بعيد جداً عن هذه الترويجات، ففكرة وجود حبوب "سحرية" أو أطعمة عصرية "خارقة" هي مجرد خرافات وأكاذيب، لكونها تفتقر إلى أي دليل علمي يؤكد دورها في تعزيز جهاز المناعة.

وفي هذا الصدد، شرحت أكيكو إيواساكي، أخصائية المناعة في جامعة ييل، لموقع بي بي سي، أن هناك 3 مكوّنات مختلفة للمناعة: الجلد، الجهاز التنفسي والأغشية المخاطية التي تشكل حاجزاً أمام العدوى، ولكن بمجرد أن يخترق الفيروس هذه الدفاعات، فإن الجسم يطلق الاستجابة المناعية الفطرية، التي تشمل مواد كيميائية وخلايا ترفع حالة الإنذار بسرعة للبدء بمحاربة الكائنات الدخيلة.

فكرة وجود حبوب "سحرية" أو أطعمة عصرية "خارقة" هي مجرد خرافات وأكاذيب، لكونها تفتقر إلى أي دليل علمي يؤكد دورها في تعزيز جهاز المناعة

وأوضحت أكيكو أنه في حال عدم نجاح المناعة الفطرية في محاربة الكائنات الدخيلة، يتصدى لها الجهاز المناعي التكيفي، الذي يشمل الخلايا والبروتينات أو الأجسام المضادة، التي تستغرق بضعة أيام أو أسابيع للظهور.

واللافت أن المناعة التكيفية بوسعها استهداف أنواعاً معينة من مسببات الأمراض وتساعد اللقاحات الجسم على تحديد مسببات الأمراض، من خلال تعريض الجسم للميكروبات الحية أو الميتة.

غير أن معظم أعراض البرد، من آلام الجسم والإفرازات المخاطية والحمى، ليست ناجمة عن الفيروس نفسه، بل هي جزء من الاستجابة المناعية الفطرية، وفي هذه الحالة تساعد الإفرازات المخاطية على طرد مسبّبات الأمراض، وتعمل الحمى على تسخين الجسم إلى حدّ يحول دون تكاثر الفيروسات والجراثيم، وتسبب الكيماويات التي يطلقها الجسم في هذه الأثناء آلام الجسم والتعب العام، هذا وتساعد هذه الأعراض أيضاً في إرسال رسالة إلى الدماغ بأن الوقت قد حان ليستريح حتى يتعافى الجسم.

وتعدّ الإفرازات المخاطية والإشارات الكيميائية جزءاً من الالتهاب الذي يشكل أساس الاستجابة المناعية السليمة، الأمر الذي يشير إلى أن الشاي الأخضر وشاي كمبوتشا وغيرهما من وصفات تعزيز المناعة، لو كانت تقوي المناعة حقاً، فإنها ستزيد من سيلان الأنف فقط، ومن المفارقات أن العديد من منتجات "تعزيز المناعة" تزعم أنها تقلل الالتهابات.

المكملات الغذائية والبروبيوتيك

هناك اعتقاد شائع بأن العديد من الفيتامينات تقدم الدعم المناعي أو تساعد في الحفاظ على المناعة الصحية، ولكن حتى الآن لا توجد أدلة تؤيد فوائد أقراص الفيتامينات للأصحّاء، بل أحياناً يكون بعضها ضاراً.

فقد ذاع مثلاً صيت فيتامين سي، منذ أن أشاد لينوس بولينغ، الحائز على جائزة نوبل مرتين، بقدرته على مقاومة نزلات البرد، وبعد دراسة الفيتامين لسنوات، أصبح لينوس يتناول منه 18,000 ملليغرام في اليوم، أي أعلى من الحد الموصى به بنحو 300 مرة.

وفي السياق نفسه أجرت منظمة كوشران في العام 2013 بحثاً كشفت من خلاله أن تناول جرعات كبيرة من فيتامين سي لم يؤثر على أعراض البرد لدى البالغين، سواء من حيث مدتها أو شدة أعراضها.

في الواقع، يعتبر الكثير من الخبراء أن الهدف من تصنيع فيتامين سي هو مجرد جني الأرباح، لأن معظم الناس يحصلون على كفايتهم منه بالفعل من نظامهم الغذائي.

وأوضحت أكيكو إيواساكي أن "المكملات الغذائية ليست مفيدة لجهازكم المناعي إلا إذا كنتم مصابين بنقص في أحد الفيتامينات".

هناك اعتقاد شائع بأن العديد من الفيتامينات تقدم الدعم المناعي أو تساعد في الحفاظ على المناعة الصحية، ولكن حتى الآن لا توجد أدلة تؤيد فوائد أقراص الفيتامينات للأصحّاء، بل أحياناً يكون بعضها ضاراً

واستدركت بالقول إن تناول فيتامين د ليس بفكرة سيئة، بحيث ربطت العديد من الدراسات بين انخفاض مستويات فيتامين د في الجسم وبين ارتفاع خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، أو اشتداد أعراضه في حالة الإصابة به، هذا وتبين أن فيتامين د يلعب دوراً في التصدي للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، مثل التصلب المتعدد، كما أنه يلعب دوراً مهماً في الاستجابة المناعية الفطرية والمكتسبة.

وبالرغم من أن الدراسات التي أجريت في العام 2015 كشفت أن الأطعمة والمشروبات أو الأقراص التي تحتوي على البروبيوتيك، أي الكائنات المجهرية النافعة، تسهم في الوقاية نسبياً من عدوى الجهاز التنفسي العلوي، وتخفف من حدة أعراضها، إلا ان أكثر الأدلة تشير إلى أن النظام الغذائي المتوازن والمتنوع يبقى أفضل للصحة من تناول البكتيريا النافعة، بخاصة وأن إيواساكي اعتبرت أن خطورة هذه الوصفات والعلاجات الوهمية تكمن في كونها "تعطي شعوراً بالحماية الزائفة".

إذن، ما هي الوسيلة الآمنة لتعزيز جهاز المناعة؟

اوضحت الأخصائية في علم التغذية أماندا شعلان، أن النظام الغذائي الجيّد والمتوازن، أي الذي يقوم على تناول الطعام باعتدال وتجنب الأطعمة الغنية بالسكر والدهون، قادر على تزويد الجسم بكافة أنواع الفيتامينات والمعادن والبروبيوتيك، فاللبن مثلاً يحتوي على كمية عالية من البروبيوتيك، كما أن تناول القمح الكامل والألياف، كلها أمور تساعد في الحفاظ على صحة الأمعاء، تقوية جهاز المناعة وتحسين وظائف الدماغ، إذ إن هناك ارتباطاً وثيقاً بين العقل والأمعاء وبين جهاز المناعة.

النظام الغذائي الجيّد والمتوازن قادر على تزويد الجسم بكافة أنواع الفيتامينات والمعادن والبروبيوتيك

وكشفت شعلان عن بعض الأطعمة التي يمكن تناولها لتقوية جهاز المناعة، وفصّلتها على النحو التالي:

-البروتينات موجودة في اللحوم، الدجاج، الأسماك، الفاصوليا، المكسرات.

-الفيتامين A: اللحوم العضوية، الخضار الورقية، السلمون، البطاطا الحلوة، الجزر، البروكولي، المانغا، المشمش.

-فيتامين B6: الأسماك، الدجاج، اللحوم العضوية، البطاطا.

-فيتامين C: الليمون، عصير البندورة، البروكولي، الفريز.

-فيتامين د: الفطر، الأطعمة المدعمة بالفيتامين د.

-فيتامين E: زيت الزيتون، الجوز، اللوز، الكاجو، الأفوكا.

-الألياف: الخضار، الفاكهة، الرز الأسمر، المعكرونة السمراء.

-حمض الفوليك: السبانغ، كايل، الهليون، الملوخية، الهندبة، الفاصوليا، البازيلاء، الليمون

-الحديد: اللحوم، الدجاج، الأسماك، السبانخ، المكسرات، الحبوب الكاملة.

-الزينك: المأكولات البحرية، الدجاج، اللحوم.

-السيلينيوم: المأكولات البحرية، اللحوم، الدجاج، البيض، منتجات الحليب، الحبوب الكاملة.

وأشارت شعلان لموقع رصيف22 إلى أنه في حال تبيّن من خلال فحص الدم أن هناك نقصاً معيّناً في أحد المعادن أو الفيتامينات، كفيتامين د على سبيل المثال، فعندها يمكن للمرء اللجوء إلى المكملات، "أما في حال لجأنا إلى supplements (المكملات) من دون وجود نقص فعندها يمكن أن تسببToxicity (التسمم) للجسم"، على حدّ قولها.

هذا وأوضحت أماندا شعلان أنه وبهدف تقوية جهاز المناعة، يجب أيضاً تخفيض نسبة الدهون في الجسم، مع العلم أنه يجب الابتعاد عن الحميات الغذائية ذات السعرات الحرارية قليلة جداً، لكونها تخفض المناعة، ممارسة التمارين الرياضية والنوم لمدة تتراوح ما بين 7 الى 9 ساعات في الليلة، بالإضافة إلى شرب كميات وافرة من المياه والابتعاد عن الإجهاد والتوتر.

باختصار، هناك العديد من السبل التي يمكنكم اتباعها لتعزيز جهازكم المناعي، وهي طرق لا تُباع بالضرورة في الصيدليات ولا تعبّأ في قوارير، فضلاً عن أن فعاليتها مضمونة ومجربة وغير مكلفة، وهي تشمل اتباع نظام غذائي متوازن، الحصول على قسط وافر من النوم، المواظبة على ممارسة التمارين الرياضية والابتعاد قدر الإمكان عن الضغوط النفسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard