"مُهدّدون بالجوع"… عُمّال المطاعم والمقاهي الشعبية في زمن كورونا

الثلاثاء 2 يونيو 202004:08 م

ما إن تدخل مطعماً أو تجلس على مقهى، حتى يستقبلك شاب وسيم وأنيق يجعلك تحب المكان الذي تجلس فيه، وكأنه ملك لك، لكن هل تصدق/ين بأن سعر الوجبة التي تطلبها في المطعم، والذي يقدمها لك ذلك العامل، تساوي دخله لمدة يومين كاملين؟

ما بين مصر وفلسطين وسوريا، يُعتبر عامل المطعم أو المقهى مجرد آلة أو أداة ربح لأصحاب المطاعم والمقاهي، دون مراعاة لظروفهم الأسرية والاقتصادية، فالنادل والجرسون يتقاضى راتباً لا يصل أحياناً إلى سعر علبة سجائر واحدة، وبالكاد يعيش بدخله المحدود، فكيف الحال إذن بعد إغلاق المطاعم والمقاهي، وتسريح عشرات الآلاف من العمال المعيلين لأسرهم، بسبب حالة الطوارئ التي أعلنت في عدة بلدان عربية مؤخراً، لمواجهة جائحة فايروس كورونا المستجد؟

بدأت الأزمة في مدينة غزة الفلسطينية، بعد اكتشاف أول حالتي إصابة بالفيروس، لقادمين من باكستان إلى قطاع غزة، عبر منفذ رفح البري، لتعلن وزارة الصحة الفلسطينية عن حالة الطوارئ العامة في البلاد مباشرة، مع إغلاق المطاعم والصالات وكافة منشئات القطاع السياحي.

النادل والجرسون يتقاضى راتباً لا يصل أحياناً إلى سعر علبة سجائر واحدة، وبالكاد يعيش بدخله المحدود، فكيف الحال إذن بعد إغلاق المطاعم والمقاهي، وتسريح عشرات الآلاف من العمال المعيلين لأسرهم

وقال رئيس القطاع السياحي في قطاع غزة، صلاح أبو حصيرة، لرصيف22، بأن إغلاق المنشآت السياحية تسببت بتسريح 6000 عنصر من عمال المطاعم والمقاهي في مدينة غزة وحدها، أي أن أكثر من 6 آلاف أسرة معرّضة للجوع وانعدام الأمن الغذائي، في الوقت الذي تعاني فيه غزة من حالة فقر مدقع.

ويشير الدكتور سمير أبو مدللة، خبير في الشأن الاقتصادي الفلسطيني، إلى أن اقتصاد غزة في الأساس لا يتحمل أي "ضربات"، يقول لرصيف22: "سكان قطاع غزة البالغ عددهم مليونا نسمة، بلغت نسبة الأفراد القابعين منهم تحت خط الفقر 53%، أي أن أكثر من نصف سكان القطاع يعيشون في ظروف اقتصادية متردية، وتصل معدلات البطالة إلى 67%، وقرابة 50 ألف أسرة تعيش بلا مأوى، فمن الطبيعي بأن أية ضربة اقتصادية جديدة لأي شريحة من شرائح المجتمع الفلسطيني في غزة ستؤدي لمجاعة حقيقية، قد تكون الأولى من نوعها في تاريخنا الحديث والمعاصر".

عمال المقاهي في مصر

وشهدت مصر هي الأخرى إغلاق مليوني مقهى مع تفشي حالة كورونا في البلاد، ما كبّل الفتية من عمالها الذين يتنقلون بين الطاولات والزبائن بمهارة وخفة، والذين يعملون ساعات طويلة وبأجور يومية أقل من 3 دولار في اليوم الواحد.

وقال طلعت المصري، الذي يعمل في إحدى المقاهي في مدينة نصر، إن "الدخل اليومي لنا كعمال لا يوفر الاحتياجات الأساسية من المتطلبات، إذ نتقاضى من 40 إلى 50 جنيه مقابل 14 ساعة عمل في اليوم الواحد، وأشتري علبة السجائر بـ45 جنيهاً تقريباً، أي أن أجرتي اليومية ذهبت مع السجائر فلم يتبق لي شيء لأدخره".

ويضيف طلعت في حديثه لرصيف22: "البعض منا يكاد يقتطع أغلب ما يشتهيه عن فمه، بل كل ما يشتهيه، وأحياناً نبيت في المقاهي ثلاثة أيام في الأسبوع لنوفر أسعار المواصلات لصالح أبنائنا، وخاصة من لديه رضيع أو طفل في المنزل، إذ تصل التكاليف عليه لوحده من غذاء ودواء ومستلزمات أخرى لـ50 جنيهاً في اليوم".

وتعتبر المقاهي اليوم منبراً لـ"العواطلية" في مصر، كما يُسميهم البعض في إشارة إلى العاطلين عن العمل، بعد أن كانت مكاناً غير مناسب لبعض الأهالي في ثمانينيات القرن الماضي، وخاصة مقاهي الأحياء الشعبية، ولكن الظروف الاقتصادية من وقت لآخر تغيّر مناخها وتؤقلم الناس معها، إذ أصبحت زيارتها اليوم كزيارة المنتزهات وأكثر.

ويعتبر ذلك نتاج الظروف الاقتصادية المتدنية في مصر، التي لا تقل عن تلك الظروف التي يعاني منها الناس في غزة، والتي جعلت من "العواطلية" والمقهورين بسبب أوضاعهم الصعبة، يتدفقون إلى المقاهي بكثرة طلباً للنسيان، ما دفع أصحاب المقاهي إلى زيادة عدد العاملين الذين يتقاضون أجورهم باليومية.

ويبلغ عدد العاملين بالأجور اليومية في مصر قرابة 30 مليون شخص، وهم يمثلون 40% من نسبة العاملين في البلاد، بحسب أحدث إحصائية لجهاز الإحصاء الحكومي، من ضمنهم 12 مليون شخص من الذين يعملون بالأجور اليومية غير المنتظمة، كما أشارت إليه مسبقاً نقابة العاملين المصريين، جلهم من عمال الكافيهات، ما يُعرض 12 مليون عائلة مصرية للجوع، إذا كان معيلهم ممن يعملون في تلك الأعمال، ما سيضيف لرصيد المصريين أزمة فقر جديد فوق الفقر السابق، وخاصة بعد تبعات وسلبيات برنامج الإصلاح الاقتصادي التي طبقته مصر عام 2016.

"الدخل اليومي لنا كعمال لا يوفر الاحتياجات الأساسية من المتطلبات، إذ نتقاضى من 40 إلى 50 جنيه مقابل 14 ساعة عمل في اليوم الواحد، وأشتري علبة السجائر بـ45 جنيهاً تقريباً، أي أن أجرتي اليومية ذهبت مع السجائر فلم يتبق لي شيء لأدخره"

ومع بداية عودة عمال المطاعم والمقاهي لأعمالهم، بسبب انتصار غزة نوعاً ما على فايروس كورونا المستجد، بعد احتوائه، يوضح عبد الله حرارة، أحد عمال المطاعم الكبرى في قطاع غزة، في حديثه لرصيف22، بأنه لم يتم استدعاؤنا حتى اللحظة، ولا أتوقع عودتنا للعمل خلال شهرين أو ثلاثة بعد فتح المطاعم، وخاصة في مطعمنا الذي يعمل به 30 عاملاً، حيث تم استدعاء 4 حتى اللحظة.

وهذا ما أكده عوني أبو حصيرة، مسؤول الضيافة في "مطعم السلام"، أكبر المطاعم وأقدمها في قطاع غزة، في حديث خاص لرصيف22، معللاً ذلك بأن المطاعم تدفع ضرائب سنوية لحكومة الأمر الواقع في غزة، لاستمرارية عملها، بحيث لم يتمّ إعفاؤها من الضرائب خلال فترة الطوارئ، ما سيجعل أصحاب المطاعم يؤجلون استدعاء كافة العمال لعدة شهور، لتعويض خسارتهم من إغلاق شهرين أو ثلاثة، منذ إعلان حالة الطوارئ في البلاد.

من ملاحقة "النظام" إلى كورونا

أما في سوريا التي أنهكتها الحرب ودمرت كل القطاعات السياحية، لم يجد بعض المستثمرين إلا المقاهي والمطاعم كباب للثراء، وخاصة أن لها رمزية تراثية عند الشاميين، وقد افتُتح أكثر من 380 مقهى ومطعم بعد فترة الحرب، ليزيد عدد هذه المنشآت إلى 1346، بحسب ما نقل موقع "صاحبة الجلالة"، وذلك بين عامين 2011 و2020، في المناطق التي يسيطر عليها النظام، في دمشق واللاذقية وريف حلب وطرطوس وحمص، ما أدى لزيادة القوى العاملة هناك، وأرجع مراقبون السبب إلى أن هذه المشاريع تحمل أقل نسبة مخاطرة استثمارية فيها، ونادراً ما تواجه الصعوبات والفشل، كما أنها تعتبر من ضمن المشاريع الأقل تكلفة، بحسبب إعلاميين سوريين على اطلاع بظروف المطاعم السورية، وأوضاع العاملين بها.

وبحسب ما يوضح الصحفي السوري (ع. ف)، أنه على الرغم من ازياد عدد المطاعم والمقاهي بعد فترة الصراع في سوريا، لكنها كانت متضاربة التشغيل بين الفترة والأخرى، لعدم انتظام مجيء الزبائن بسبب الحملة الأمنية التي تشنها قوات النظام السوري، في الكافيهات التي تتواجد في المناطق المحيطة بالمدن التي تدور فيها الحرب، كريف حلب وحمص وحماة، لاصطياد الشباب منها وتجنيدهم، كونها مرتع الشباب غالباً، حتى أنهم أصبحوا يجندون العمال اليافعين، ما جعل أصحاب هذه الاستثمارات يلجؤون لتحويل وظيفة الجرسون من رجال إلى فتيات.

"في السابق كنا نعاني من ملاحقات الشرطة، والآن محالنا مغلقة تماما".

ويشير (ع. ف) في تصريحات لرصيف22 أنه في الأشهر الأخيرة انتهت حملة تجنيد النظام لشباب المقاهي، ما جعل الأشغال في الكافيهات تعود لمجراها، ولكن نكبة كورونا كانت لهم بالمرصاد، إذ كانوا في السابق يعملون بحذر ولا يُغلقون الكافيهات والمطاعم إلا عندما تتحرك دوريات حملة التجنيد، أما الآن بعد حالة الطوارئ التي أُعلنت لمواجهة جائحة كورونا المستجدة، جعل من هذه المشاريع دائمة الإغلاق بشكل كامل، ما أدى لانقطاع العمال عن عملهم وانقراض الزوار والزبائن، وتوقف الاستثمارات والربح فيها بشكل كلي.

فيما نفى الإعلامي السوري عبد القادر حمو، تضارب الأشغال في مقاهي المدن المستقرة بسبب الخدمة الإلزامية، كالعاصمة دمشق وطرطوس واللاذقية، مؤكداً أن أوضاع المطاعم والمقاهي خلال فترة الحرب كانت طبيعية وجميع أعمالها تستمر بشكل جيد.

ويضيف عبد القادر لرصيف22: "أما فيما يخص وضع هذه المشاريع بعد جائحة كورونا، أؤكد أنها مغلقة بشكل كامل، وليس هنالك استقبال للزبائن إطلاقاً، ولا يوجد سوى مطاعم الوجبات السريعة التي تخدم الزبون بشكل سريع (عالماشي) ويتم اصطحاب ما طلبه لتناوله في منزله".

ويشير حمو بأن نظام العمل بهذه المشاريع تتم بالراتب الشهري في الأراضي السورية، وتتم المعاملات بكتابة عقود تنص على أتعاب وحقوق وظيفية للعامل بموجب قانون العمل السوري، ولكنها تبقى حبراً على ورق، ولا يوجد شيء منها ملموس على أرض الواقع.

وكان رئيس نقابات العاملين في سوريا جمال القادري، قد أقر في مطلع شهر نيسان/ أبريل بتعويضات لأصحاب المهن المتعطلين عن عملهم بسبب حالة الطوارئ التي تشهدها البلاد، إلا أن عمال القطاع السياحي، من فنادق وصالات ومطاعم وغيرها، لم يتم صرف أي تعويضات لهم حتى الآن، وخاصة أن أسعار السلع الأساسية ارتفعت إلى الضعف في سوريا بعد قرار الحظر، عدا عن حالة الفقر الشديد التي تمر بها سوريا كما أوضح عبد القادر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard