خلافات أيديولوجية و"صبيانية سياسية"... ماذا يحدث بين أطراف الحكم في تونس؟

الخميس 21 مايو 202006:00 م

منذ منح البرلمان الثقة لها، في شباط/ فبراير الماضي، تشهد الحكومة التونسية برئاسة إلياس الفخفاخ حالة مدّ وجزر بين مكونات ائتلافها الحاكم الذي يضم كلاً من حركة النهضة وحركة الشعب وحزب التيار الديمقراطي وحزب تحيا تونس ومستقلين.

جمع الائتلاف الحكومي تيارات سياسية وفكرية متنوعة. فحركة النهضة (حركة الاتجاه الإسلامي سابقاً) تأسست سنة 1972 وتمثل التيار الإسلامي في تونس. أما حركة الشعب (تأسست عام 2011) فهي ذات توجه قومي ناصري، وحزب تحيا تونس حديث الولادة (2019) هو ذو مرجعية ديمقراطية وحداثية تقوم على الإرث البورقيبي، فيما يعرّف حزب التيار الديمقراطي (تأسس عام 2013) عن نفسه بأنه حزب اجتماعي ديمقراطي.

هذا التنوّع أثّر على حسن سير العلاقة داخل الائتلاف وخاصة بين حركتي النهضة والشعب، اللتين برزت خلافاتهما إلى العلن على شكل تراشق بالاتهامات.

"ازدواجية وتناقض"

يعزو النائب عن حركة الشعب بدر الدين القمودي خلاف حركته مع النهضة إلى ما أسماه بـ"ازدواجيتها في مواقفها والتناقض الذي تتسم به من خلال موقعها كعضو في الائتلاف من جهة وكصاحبة أكبر كتلة في البرلمان من جهة أخرى".

ويوضح لرصيف22 أن هذا التناقض يتجلى من خلال تشكيل النهضة مع المعارضة تحالفاً موازياً لتحالف الائتلاف الحاكم في مجلس نواب الشعب، وتحديداً مع حزب قلب تونس وكتلة ائتلاف الكرامة، ما يعني سعيها إلى توسيع الائتلاف وإقصاء حركة الشعب من الحكم.

ومن أسباب توتر العلاقة كذلك، بحسب القمودي، دخول النهضة في معارك غير معلنة مع رئاسة الجمهورية، عبر حملات منظمة تقودها صفحات تابعة لها على منصات التواصل الاجتماعي ضدّ الرئيس التونسي قيس سعيد.

وتتجاوز حدود هذا التوتر الشأن الداخلي إلى الخلاف حول ملفات خارجية، من بينها "تدخل حركة النهضة في الشأن الداخلي الليبي ودعمها حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، إضافة إلى دعمها تمرير اتفاقيتين مع دولتي قطر وتركيا تمسّان السيادة الوطنية التونسية"، يتابع النائب التونسي.

خلافات أيديولوجية

في المقابل، يؤكد النائب عن حركة النهضة نوفل الجمالي أنه ليس لحركته أية مشكلة مع أي طرف سياسي في البلاد، ويقول لرصيف22: "لو كان لدينا إشكال لما دخلنا في ائتلاف حكومي، وحركة النهضة حزب يتمتع بخبرة في مثل هذه الأمور بمشاركته في ائتلافات حكومية سابقة ونجاحه في إدارة الخلافات مع أحزاب عدّة".

وعن حقيقة الخلاف بين الحركتين، يعتبر الجمالي أنه يعود إلى "تمدرس حركة الشعب في المربعات والخلافات الأيديولوجية الفلسفية وعدم تبنيها نهجاً براغماتياً وعدم انخراطها في تضامن حكومي حقيقي".

وبشأن الحديث عن توسيع الائتلاف الحاكم ليضمّ أحزاباً أخرى، أفاد الجمالي بأنه عُقدت عدة لقاءات بين رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان في هذا الإطار، من أجل دعم استقرار الحكومة، متسائلاً: "إذا كان استقرار الحكومة يحتاج دخول أطراف جديدة فلم لا؟"، ومستدركاً أن "هذا الموضوع لم يطرح للنقاش بشكل رسمي".

ورداً على اتهام حركة النهضة بالتبعية لقوى خارجية، اعتبر نوفل الجمالي أن هذه الادعاءات لا تعبّر عن نضج سياسي وإنما عن رؤى وتصورات لعلاقات تونس الدولية قائمة على اعتبارات أيديولوجية وهو أمر وصفه بـ"المسيء للبلاد ككل، ودليل على صبيانية سياسية".

توتر الأجواء داخل الائتلاف الحاكم يهدد تماسكه خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها تونس نتيجة التغيّرات التي أفرزها ظهور وباء كورونا في البلاد.

"حبيسة الماضي"

يذهب الباحث والمحلل السياسي سامي براهم إلى القول إن الخلاف بين حركتي الشعب والنهضة أيديولوجي مستورد من الخارج وله مصادر تاريخية قديمة تحيل إلى صراع الإخوان والتيار القومي بزعامة جمال عبد الناصر، ويقول لرصيف22: "شغلت هذه المصادر التيار القومي والإسلامي في الجامعة طيلة عقود، وهنالك ذاكرة خلاف بين الجانبين".

هذه الذاكرة القديمة، يتابع براهم، يتم استدعاؤها الآن وتعزيزها بالخلاف الجديد بين الطرفيْن حول الأوضاع الراهنة في المنطقة منذ بداية الثورة التونسية بما فيها الأوضاع في سوريا والعراق واليمن وليبيا.

ويضيف أن مضمون الخلاف بين الحركتين ليس حول البرامج والرؤى والتصورات المتعلقة بأداء الحكومة، وإنما هو حول قضايا ذات جذور أيديولوجية، ومحاور الصراع في المنطقة العربية بما فيها قطر وتركيا وإيران، إذ تعتبر حركة الشعب تركيا دولة استعمارية.

من جانب آخر، يرى المحلل السياسي سليم الحكيمي، في حديثه لرصيف22 أن حركة الشعب لديها إشكال مع التاريخ وأنها إلى اليوم لم تحدد بعد معركتها الواضحة، وبقيت حبيسة معركتها الأساسية وهي العودة إلى الماضي والصراع الذي كان بين الناصريين والإسلاميين.

ولكن آراء أخرى وازنة في تونس تعتبر أن سبب المشكلة يكمن في طبيعة حركة النهضة الإسلامية. فالكاتب في جريدة الشعب صبري الزغيدي يرى أنه بالرغم من محاولات حركة النهضة تغيير جلدها وسلوكها كي تظهر كحزب حديث وعصري، فإنها لم تنجح في تخبئة الجانب الرجعي من طبيعتها على غرار موقفها من مسائل المساواة في الميراث بين الجنسين والإعدام والمثليين أو غيرها من القضايا التي لها ارتباط بشمولية حقوق الإنسان.

ويضيف لرصيف22: "ما دامت النهضة مرتبطة بحركة الإخوان العالمية، فهي لا زالت مطالبة بالقيام بما في وسعها لترسيخ أهداف هذه الحركة وإقامة الدولة الدينية بعد التمكن من أجهزة الدولة".

أطراف الائتلاف الحكومي في تونس عالقون في الماضي والصراع القديم بين الناصريين والإسلاميين، والخلاف بين حركتي الشعب والنهضة، برأي محللين، هو "أيديولوجي مستورد من الخارج وله مصادر تاريخية قديمة تحيل إلى صراع الإخوان والتيار القومي بزعامة جمال عبد الناصر"

مصير الائتلاف

في ما يتعلق بمستقبل الائتلاف الحاكم، يشير الحكيمي إلى وجود نية لدى حركة النهضة لتوسيعه لحماية نفسها، مرجحاً تغيير رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ لعدد من الوزراء الذين "لم يثبتوا كفاءتهم".

كما اعتبر أن مصير الائتلاف سيبقى متعثراً "لأن الإشكال لا يكمن في بقاء مكوّناته معاً أو لا وإنما لأنه ائتلاف غير قابل للإصلاح لعدم وجود وعي بدقة المرحلة بين أطرافه".

وبتقدير المحلل سامي براهم، يواجه مصير الائتلاف الحاكم ثلاثة سيناريوهات محتملة لا رابع لها: الأول هو الاتفاق حول وثيقة التضامن التي اقترحها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ والنجاح في رأب الصدع بين مكوّناته؛ والثاني هو تصدعه؛ فيما يقوم السيناريو الثالث على الفصل بين عمل الحكومة وبين الخلافات الأيديولوجية، ما يسمح بوضع برنامج موحد داخلها.

واقترح الفخفاخ "وثيقة عهد التضامن" الهادفة إلى تنظيم وتعزيز التضامن الحكومي بين مختلف الأطراف، لكن المعنيين بها لم يوقّعوا عليها بعد.

وسعياً إلى إنقاذ حكومته من التفكك، جمع الفخفاخ يوم 14 أيار/ مايو رؤساء الأحزاب والكتل البرلمانية المكوِّنة للائتلاف الحاكم على مأدبة إفطار في قصر الحكومة في القصبة. ووفق بيان لرئاسة الحكومة، أكد اللقاء أهميّة الائتلاف الحكومي والعمل على تعزيز التعاون والتشاور بما يدعم الاستقرار.

خلاف رئاستي الحكومة والبرلمان

إلى جانب الخلافات التي تعصف بوحدة الائتلاف الحاكم في تونس، طفت على السطح خلافات أخرى تهدد وحدة العلاقة بين الرئاسات الثلاث في البلاد.

في هذا الإطار، يوضح المحلل السياسي فتحي الزغل لرصيف22 أن هنالك خلافات شكلية بين رئاستي الحكومة والبرلمان حول "تغوّل رئيس الحكومة في ما يخص المراسيم الاستثنائية التي يصدرها والتي لم تكن في مستوى انتظارات رئاسة البرلمان".

وكان مجلس نواب الشعب قد منح يوم 4 نيسان/ أبريل الماضي تفويضاً استثنائياً لرئيس الحكومة يمكّنه من إصدار مراسيم وقوانين لمدة شهريْن دون الرجوع إلى البرلمان، في إطار مجابهة تداعيات وباء كورونا في البلاد.

في تونس يعتبر معارضو حركة النهضة أن ارتباطها بحركة الإخوان العالمية يعني أنها "لا زالت مطالبة بالقيام بما في وسعها لإقامة الدولة الدينية بعد التمكن من أجهزة الدولة"، أما هي فترى أن اتهامها بالتبعية لقوى خارجية "دليل على صبيانية سياسية"

ومن بين الخلافات الشكلية أيضاً نية الفخفاخ مؤخراً تشكيل كتلة نيابية جديدة بالطريقة المعهودة في السياسة الحزبية التونسية منذ عام 2011 والقائمة على "شراء النواب والسياحة الحزبية"، ما وضع رئاسة البرلمان في مواجهة مع هذا التوجه الذي "لا يصبّ إلا في خانة المزيد من تمييع الحياة السياسية في البلاد"، برأي الزغل.

لكن الباحثة في الاتصال السياسي سمية بالرجب تشير إلى أن القوانين لا تمنع الفخفاخ من تشكيل كتلة برلمانية جديدة، "فالنظام السياسي الحالي قد يفتح أبواب خوض التجربة أمامه ليسطّر الخط نفسه الذي سطّره رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد".

وعن تمسك حركة النهضة بمبدأ منع السياحة الحزبية، تقول بالرجب لرصيف22 إنه "ليس خوفاً على تفتت الأحزاب الأخرى ولا على اضمحلال التماسك السياسي وليس من باب الخوف على نزول معدل ثقة الناخب في النواب أو الأحزاب، بقدر ما هو خوف من ظهور توجهات حادة داخل البرلمان ضد توجهاتها قد لا يسعها التفاوض معها أو التعامل معها مستقبلاً كما هو الحال بالنسبة للحزب الدستوري الحر".

يشار إلى أن الديوان السياسي للحزب الدستوري الحر بزعامة عبير موسي قرر مواصلة "اعتصام الحسم" الذي بدأ في 13 أيار/ مايو، والدخول في إضراب جوع تدريجي والتوقيع على عريضة شعبية لمساءلة رئيس البرلمان راشد الغنوشي مع التمسك بمطلب سحب الثقة منه، لوقف "نزيف توظيف البرلمان لخدمة الأجندات الإخوانية في تونس والمغرب العربي، واحتجاجاً على ما اقترفه الغنوشي من فظاعات في حق السياسة الخارجية التونسية"، بحسب الصفحة الرسمية للحزب.

وأثار اتصال هاتفي، في نيسان/ أبريل الماضي، بين الغنوشي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان حفيظة جهات عدة في تونس من بينها موسي التي اعتبرته "خرقاً واضحاً للأعراف لأنه من المفروض إجراء الاتصال بين أردوغان ونظيره رئيس الدولة".

رغم كل ذلك، يرى الزغل أن هذه الخلافات لن تمس جذور العملية السياسية في تونس، لأن رئيس البرلمان راشد الغنوشي هو في الوقت ذاته رئيس أكبر كتلة برلمانية مشاركة في الحكومة وصاحبة الأغلبية في البرلمان (كتلة حركة النهضة)، وعليه "فهي بمثابة صمام أمان للحكومة".

خلاف جديد عميق

التوتر بين مكوّنات الحكومة يقابله خلاف جديد كبير يتعمّق شيئاً فشيئاً بين رئاسة الجمهورية من جانب وبين رئاستي الحكومة والبرلمان من جانب آخر.

ويدور هذا الخلاف حول مسار سياسي عميق، إذ يتبني رئيس الجمهورية قيس سعيّد فكرة تغيير المسار السياسي الكامل في البلاد، بحسب الزغل الذي يضيف: "يتجلى ذلك من خلال خطاب سعيّد ودعوته أنصاره إلى سحب الثقة ممن انتخبهم الشعب... ما يعني حل البرلمان، وأرى ذلك نوعاً من أنواع الفوضى وهو يسير في هذا الطريق".

دعوة سعيّد المذكورة يرى المتحدث أنها تتقاطع مع ما يريده الخاسرون في الانتخابات التشريعية والرئاسية لعام 2019 وحتى مع أولئك الذين ربحوا فيها أيضاً ولكنهم يتشاركون عاملاً واحداً وهو العداء الشديد لكل ما هو إسلامي.

في المقابل، يشير الكاتب صبري الزغيدي إلى أن أي سلطة قائمة تحسّ بخطر يحدق بها وبموقعها ستسارع حتماً إلى الدفاع عن نفسها بالترويج لمقولات من قبيل "الانقلاب على الشرعية وعلى الديمقراطية"، و"الدعوة للفوضى".

ويضيف لرصيف22: "سنسمع كثيراً كلاماً عن ‘أعداء الإسلام والمسلمين’ وسنرى محاولات للضرب على الوتر الحساس للناس وعواطفهم الدينية، وهذا ما تستغله دائماً التيارات الدينية لتبرير سلطتها وحكمها ووضع نفسها في موقع الجهة الوحيدة المتحدثة باسم الله ودينه، ولتصوير أن أي مسّ بها هو مسٌّ بالله والإسلام".

لكن الزغل لا يرى الأمور بهذه الطريقة، ويشير إلى أن "مظاهر خلق الفوضى في تونس بدأت بالفعل، وما موجة الحرق التي شهدتها عدة مؤسسات حيوية في البلاد على غرار حرق سوق الحفصية للملابس المستعملة ومصنع في محافظة النفيضة وقاطرة فسفاط قفصة، إلا خير دليل على ذلك".

ويؤكد أن هذه الحوادث هي إنذارات إجرامية من النوع الذي يريد أن ينزع الثقة من مجلس نواب الشعب وإبعاد الإسلاميين عنه، مذكّراً بالبيان المشبوه ومجهول المصدر الذي أصدرته أطراف أطلقت على نفسها اسم "جبهة الإنقاذ الوطني" ودعت إلى إطلاق ما أسمتها "ثورة الجياع".

ومن بين النقاط التي وردت في البيان تولي الجيش الوطني التونسي تسيير شؤون البلاد مؤقتاً.

أما الزغيدي، فيقرأ التحركات التي يشهدها الشارع التونسي بشكل مختلف، ويلفت إلى أن الخيارات الاقتصادية الفاشلة للطبقة الحاكمة مسّت بالمقدرة الشرائية للمواطنين ما نمّى لديهم شعوراً بالغضب من نخبة سياسية حاكمة لم تكن في مستوى تطلعاتهم، "وبالتالي يرون أن تغيير الحاكم الحالي الذي لم يكن في المستوى سيغيّر حتماً من أوضاعهم الاجتماعية الرديئة".

"أطراف انقلابية"

استمالة المؤسسة العسكرية لاستلام السلطة في تونس يراها فتحي الزغل من أدبيات الأطراف الانقلابية التي لا تؤمن بالانتخاب والتمثيل النيابي ومسار الانتقال الديمقراطي واحترام نتائج الصندوق.

وأكد أن هذه الدعوات هي محاولة وخطة فاشلة من الأساس لأن الجيش التونسي لن يضحي بسمعته النظيفة التي أصبحت دولية، ولأنه أثبت دائماً للتونسيين وللعالم مسؤوليته وحياديته.

يوافق الزغيدي على رفض تدخّل الجيش في السياسة، ويعتبر "أن أي ديمقراطي حقيقي سيعتبر أن الجيش لا دخل له في مسألة الحكم، وأنه إذا تدخل لصالح جهة ضد جهة أخرى فإن ذلك يُعتبر انقلاباً على المسار الديمقراطي في تونس" .

ويؤكد أن مَن يريد تغيير الأوضاع لصالح الشعب عليه "أن يعمل ويجتهد ويقنع الشعب عبر المؤسسات الديمقراطية وليس عبر التوجهات التي ستكرّس الاستبداد في ما بعد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard