"الانتهاكات صارت طبيعية"… جنديان لبنانيان يعتديان على طبيب خلال عمله والقيادة ترد

الأربعاء 20 مايو 202003:10 م

أعلنت قيادة الجيش اللبناني، في 20 أيار/مايو، توقيف جندييْن بعدما ظهرا في مقطع فيديو وهما يعتديان بالضرب على طبيب أثناء ممارسة عمله في أحد مستشفيات طرابلس (شمال البلاد).

وفي 19 أيار/مايو، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو يظهر فيه نحو ستة أفراد بزي الجيش اللبناني وهم يتلاسنون مع طبيب يبدو أنهم يأمرونه بتنفيذ فعل معيّن يرفضه، قبل أن يصفعه أحدهم على وجهه مرةً وعلى رقبته من الخلف مرتين.

وأثار الفيديو غضب كثر لما تضمنه من إهانة لأحد أفراد الطاقم الطبي الذي يتكبد عناء حماية أرواحهم في مواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا، بسبب تعامله بمهنية ورفضه التحقيق مع مصاب في حالة صحية حرجة.

علاوةً على تزامن ذلك مع عدة حوادث تعكس اتساع "السطوة العسكرية" التي تتجلى في توقيف المواطنين واستدعاء صحافيين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي.

توضيح ومحاولة لتدارك الموقف

عقب تداول الفيديو، أوضحت إدارة مستشفى "دار الشفاء" في طرابلس حيث جرى الاعتداء، أنه "مساء 19 أيار/مايو عام 2020، وبعد وصول جريح إلى طوارئ المستشفى إثر إشكال فردي، وقدوم الجهات الأمنية المختصة، تعرض أحد أطباء الطوارئ في المستشفى للضرب من أحد العسكريين".

واستنكرت إدارة المستشفى "العمل المدان بكل المقاييس"، فيما أشارت إلى أنها ترى في ما حصل "خطأ فردياً قام به العنصر وهو لا يمثل قيادته ومرجعيته".

في موازاة ذلك، أخلت المستشفى مسؤوليتها عن نشر الفيديو، مشددةً: "لسنا مع نشر مقطع الفيديو المسرب، وكلنا ثقة بأن الجهة العسكرية المختصة ستتابع الموضوع لإنصاف الطبيب والمستشفى".

إثر ذلك، ذكرت مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني في بيان: "تداول بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يتضمن تعرض طبيب لاعتداء من قبل عسكريين في أحد المستشفيات. قيادة الجيش إذ تأسف لما حصل، تؤكد أن ما قام به هؤلاء العسكريون ‘عمل فردي‘ لا يمثل المؤسسة وأخلاقياتها ومبادئها".

ولفتت إلى أنها اتخذت "على الفور إجراءات مسلكية بحق العسكريين اللذين أقدما على التعرض للطبيب وتم توقيفهما وفتح تحقيق بالحادثة"، مؤكدةً "احترامها الشديد للجسم الطبي وتقديرها لرسالته الإنسانية السامية ورفضها أي تعرض لطاقمه تحت أي سبب أو ذريعة".

"عمل فردي لا يمثل المؤسسة وأخلاقياتها ومبادءها"... الجيش اللبناني يوقف اثنين من أفراده ظهرا في فيديو أثناء اعتدائهما بالضرب على طبيب منعهما من التحقيق مع مريض في وضع حرج، ولبنانيون يعلقون: "أي خطأ أمني عمل فردي وثورة تشرين مؤامرة كونية؟"

واستنكر مواطنون ما ورد في بيان الجيش اللبناني. كتب حسين برجي: "قوى الأمن بتسحل المتظاهرين = عمل فردي. الجيش بيضرب طبيب = عمل فردي. غزوات حزبية منسقة ع المتظاهرين ع الرينغ = عمل فردي. تلاعب بأسعار الدولار من مصرف لبنان = عمل فردي. (ثورة) 17 تشرين: مؤامرة كونية وسفارات وأمريكا وإسرائيل وداعش والخليج والصومال وبوركينا فاسو وإلّا من وين حق المنقوشة؟؟".

صعود "الدولة البوليسية"

لا يكمن سبب غضب اللبنانيين من الاعتداء العسكري على الطبيب في حصوله إبان مرحلة دقيقة يمجد العالم بأثره خلالها جهود الأطباء في إنقاذ العالم من جائحة كورونا فحسب، بل لأن هذه الممارسات "باتت ‘متكررة وطبيعية‘ من القوى الأمنية في قمع الثوار والناشطين".

وشهدت الأشهر الماضية توقيفات واستدعاءات بالجملة للعديد من الصحافيين والمحتجين في طرابلس وصيدا وغيرهما. وهذا ما اعتبر محاولة لـ"تكريس جهاز مخابرات الجيش اللبناني أداةً لـ‘ضبط‘ حرية الرأي والتعبير في البلاد، أي قمعها".

ومطلع الشهر الجاري، قالت "لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان" إنها تتابع ظروف توقيف العشرات من المشاركين في الاحتجاجات خلال ذلك الأسبوع في مختلف المناطق عقب تظاهرات في طرابلس وصيدا ونهر الكلب احتجاجاً على "ارتفاع سعر الدولار وتقاعس الحكومة ومجلس النواب من الحد من سياسات التفقير"، مبرزةً توثيقها استمرار توقيف نحو 33 شخصاً.

ولفتت اللجنة إلى أن عدة موقوفين جرى تعذيبهم في أماكن احتجاز تابعة لمخابرات الجيش، وأُخفي بعضهم قسرياً عقب توقيفه ولم يسمح لهم بتوكيل محامٍ.

اللافت أن مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس، كلّف، في 4 أيار/مايو، فرع التحقيق في مخابرات الجيش "إجراء التحقيقات اللازمة حول ادعاءات تتعلق بتعرّض بعض الموقوفين لدى فرع المخابرات في منطقة الجنوب للتعذيب" بالضرب والصعق بالكهرباء وتهديد ستة أشخاص جرى توقيفهم أمام مصرف لبنان في صيدا.

وقال قانونيون إن هذا يخالف قانون معاقبة التعذيب (الرقم 65/2017)، الذي "يمنع الأجهزة الأمنية كافة من التحقيق مع نفسها في حال ارتكاب جرائم تعذيب داخلها".

تضاف تلك المخالفات العسكرية إلى استدعاء الصحافيين للتحقيق من دون مسوّغ قانوني، كان آخرهم أيمن شروف الذي كتب عن "صعود الدولة البوليسية وقمع الناشطين واستهداف الإعلام بمختلف أشكال الحصار والضغط منذ ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر".

التنديد الذي أثاره اعتداء عسكريين لبنانيين على طبيب وإهانته لم يكن سببه فقط تمجيد العالم لجهود الأطباء حالياً، لكن لأن الانتهاكات العسكرية صارت مؤخراً "متكررة وطبيعية وتصب في تكريس الدولة البوليسية"

وفي 8 أيار/مايو، أعربت منظمة العفو الدولية عن "قلقها الشديد من استدعاء مخابرات الجيش اللبناني الصحافي أيمن شرّوف للتحقيق"، مستنكرةً أن الجهاز العسكري "لم يحترم القوانين التي تنظم آلية الاستدعاء، إذ أكد شرّوف لنا أنه حاول ومحاميته مراراً الاستفهام عن سبب الاستدعاء وإشارة القضاء، لكن بلا جدوى".

وأضافت المنظمة: "لا اختصاص لمخابرات الجيش في قضايا الرأي، ويجب ألا يمثل المدنيون بشكل عام أمام جهازٍ عسكري"، مذكرةً بأن "مخابرات الجيش اللبناني أجرت أخيراً سلسلة استدعاءات وتوقيفات بحق ناشطين مشاركين في الاحتجاجات"، ومعتبرةً أن هذه الممارسات "انتهاك للحقّ في حرية التعبير".

في الأثناء، نظمت "نقابة الصحافة البديلة" في لبنان وقفة احتجاجية بعنوان "أبعدوا المخابرات عن الحريات"، رافعةً شعار "قهوتكم مش مشروبة"، وداعيةً إلى "منع تكريس هذا النهج القمعي وغير القانوني من الاستدعاءات".

و"لتصحيح مسار الأجهزة الأمنية وللحفاظ على حق التعبير عن الرأي من دون قيود، تفرضها أهواء بعض من في السلطة المحلية أو غير المحلية"، دشّن مواطنون لبنانيون من قضاء راشيا في البقاع، في 13 أيار/مايو، عريضة لمطالبة السلطات القضائية للتدخل والقيام بمهماتها وتصحيح الوضع ووقف الاستدعاءات العسكرية "غير القانونية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard