كورونا وقضبان السجن... رحلتي مع انتظار الأمل بخروج زوجي المعتقَل

الخميس 21 مايو 202010:10 ص

دقت الساعة السابعة مساء. أنهيت عملي في الصحيفة المصرية التي كنت أعمل فيها بعد يوم شاق من التكليفات وضغط العمل. اصطحبت طفلتي من الحضانة وعدت إلى المنزل. اتصلت بزوجي لأطمئن عليه، كعادتي اليومية عقب العودة من العمل. تحدثنا كالعادة. وبعد نصف ساعة تلقيت اتصالاً من رقم غريب، وكانت الرسالة الصادمة من السكرتيرة التي تعمل في عيادة زوجي الخاصة: "مدام هبة دكتور وليد قبضوا عليه من العيادة وقالوا إنهم رايحين قسم السيدة زينب".

جرى ذلك قبل ما يقرب من العام والسبعة أشهر. منذ بداية القبض على زوجي الدكتور وليد شوقي، طبيب الأسنان، من عيادته الخاصة في منطقة السيدة زينب، في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، بدأت رحلتي التي لم تنتهِ بعد، مع دوّامة تجديد حبسه التي لا نهاية واضحة لها، فزوجي حتى الآن رهن الحبس الاحتياطي ولم تحال قضيته للمحاكمة، ويواجه اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضام لجماعة أسست على خلاف القانون.

القبض على زوجي أثّر على حياتي بشكل سلبي جداً. وامتدت التأثيرات السلبية لتطال ابنتي الطفلة نور التي كانت تبلغ من العمر عاماً وشهرين عند اعتقال والدها، وتبلغ الآن عامين وتسعة أشهر، فقد كبرت وعاشت أكثر من نصف عمرها بدون أب.

عقب تلقي نبأ القبض على زوجي، ذهبت إلى قسم الشرطة للسؤال عنه، ولكنه ظل مختفياً لستة أيام، ثم ظهر بعدها في نيابة أمن الدولة على ذمة القضية 621 التي فُتحت عام 2018، ووُجهت للمتهمين بها تهم الانضمام إلى جماعة مؤسسة على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة.

طالت هذه القضية العشرات، منهم شادي أبو زيد، مراسل برنامج أبلة فاهيتا، الذي أخلي سبيله منها ولكن جرى تدوير نفس الاتهامات وتوجيهها إليه في قضية جديدة، وعضو حزب الدستور شادي الغزالي حرب. لاحقاً، أُخلي سبيل جميع المتهمين، ولم يتبقَّ منهم في السجن سوى زوجي وشخصين آخرين.

رحلة جديدة مع المسؤولية

رحلة جديدة مع المسؤولية بدأتها مع القبض على وليد. صرت مسؤولة وحدي عن المنزل، وعن العيادة الخاصة به وما تتطلبه من رد على استفسارات المرضى، وإلغاء مواعيد، وأمور أخرى. وجدتُ نفسي وحيدة وسط مسؤوليات لم أكن أعرف عنها شيئاً سابقاً، بسبب تقاسم المسؤوليات بيني وبين زوجي. من تدبير الإيجار الشهري للعيادة والمنزل، إلى عبء الزيارات الأسبوعية، إلى ضرورة الموازنة بين ذلك وبين العمل الذي كان مصدر دخلي الوحيد قبل تركه في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

بعد القبض على زوجي كان عليّ البحث عن شقة جديدة، لأن عقد الإيجار الخاص بشقتنا انتهى. وجدت شقة مناسبة، وساعدني أهلي في نقل الأثاث إليها وأقاموا معي فيها بصحبة طفلتي التي أخرجتها من الحضانة لتقليل النفقات، وصارت تلازم والدتي أثناء وجودي في العمل.

الزيارة الأولى وأثر الغياب

بعد شهر كامل من احتجاز زوجي في قسم السيدة زينب، انتقل إلى سجن طرة تحقيق، وتمكنتُ من لقائه للمرة الأولى بعد حبسه. أتذكّر جيداً هذا اللقاء الذي استمر لما يقرب من نصف ساعة. كان حريصاً على طمأنتي بأنه بخير، وأخبرني أنه لا بدّ أن أكون أنا أيضاً بخير. وعدته بالمحاولة.

في أول مقال كتبه من محبسه، ونشره على موقع "مدى مصر"، بعنوان "أضيئوا العتمة" قال وليد: "متشحتوش عليا في السيدة". كان هذا هو طلبه الدائم: البعد عمّا يصفه بـ"الصعبانيات"، أي الحديث العاطفي عن قضيته والقائم على الشفقة. كان يرى نفسه دائماً صاحب رأي، ولا بد من الدفاع عن الفكرة، ومنع قمع أصحاب الرأي، بدلاً من اللجوء إلى الحديث العاطفي عن أحوالهم.

غياب وليد كانت له تبعات سيئة عليّ، ولكن تبعاته الأكبر كانت على طفلتي التي لاحظتُ تغيّرات في سلوكها، بعد غياب والدها. كانت شديدة التعلق به قبل القبض عليه، وبعد اختفائه من حياتها أصبحت عصبية أكثر، خاصة بعد تركها للحضانة، وإقامة أسرتي معي، وبدء ما يسمّى بـ"دلع الجدود"، الذي تصعب السيطرة عليه.

والدتي تنفّذ لطفلتي كل ما تطلبة، بدافع أن والدها ليس معها، فأقابَل أنا على الجانب الآخر بعصيان ورفض لكلامي واللجوء إلى والدتي التي تلبي رغباتها.

برغم أن طفلتي كانت شديدة التعلق بوالدها، إلا أنه عقب القبض عليه، وفي الزيارة الأولى التي اصطحبتُها معي فيها، لم تعرفه. كانت تبلغ حينذاك من العمر عاماً وثلاثة أشهر، وكان لهذا الأمر تبعات سيئة على زوجي، وعليّ أيضاً.

كبرت طفلتي، وأصبحت تتحدث بشكل جيّد، وتمكّنت من المشي بمفردها، واكتملت أسنانها بعيداً عن والدها. كان الشاهد الوحيد على تطورها هو شقيقي الذي قالت له في إحدى المرات "بابا"، ففرح جميع مَن حولها، ولكن كان للأمر وقع الصاعقة عليّ، فانفجرت في وجهها أردد لها "لا لا ده مش بابا، بابا وليد موجود وهيرجع"، حتى هدأني الموجودون.

استشرت أحد الأطباء النفسيين، فنصحني باحتواء الأمر، ومساعدة الطفلة في التعرف على والدها من خلال الصور على الهاتف المحمول، أو اصطحابها في الزيارات حتى لو كان الأمر شاقاً.

لصغر سنّها، لن تستوعب فكرة السجن أو البعد، ومن الممكن عند الحديث معها الاستعانة بعبارة "بابا في الشغل".

"كبرت طفلتي، وأصبحت تتحدث بشكل جيّد، وتمكّنت من المشي بمفردها، واكتملت أسنانها بعيداً عن والدها. كان الشاهد الوحيد على تطورها هو شقيقي الذي قالت له في إحدى المرات ‘بابا’"

بدأتُ بتطبيق الأمر مع ابنتي، لتضاف إلى مسؤولياتي مسؤولية جديدة هي محاولة تعويض أثر غياب الأب عن طفلتي. وبالفعل بدأ الأمر في التحسن، وبدأتْ بالتعرف على والدها من الصور، ومن الزيارات القليلة التي ترافقني فيها إلى السجن.

كورونا وقضبان السجن

بعد عام وخمسة أشهر من سجن وليد، أصبح الأمر معتاداً. كل أربعاء أتوجّه إلى سجن طرة لأراه. وفي الأيام الأخرى، تسير الحياة بالمسؤوليات الجديدة، حتى أضيف صخب جديد ومسؤولية جديدة إلى حياتي مع بداية أزمة كورونا، ووقف الزيارات، منذ 10 آذار/ مارس 2020.

عند كتابة هذه السطور، كان قد قد مرّ أكثر من شهرين كاملين لم أرَ زوجي فيهما. لا أعرف ما هي احتياجاته، وكيف حال صحته، وماذا يدور في الداخل في ظل الجائحة؟

لم تخرج الجرائد الرسمية سوى ببيانات مقتضبة وقصيرة حول أوضاع السجون، تدور جميعها حول التعقيم والتطهير، ولكنها بيانات لا ترضي أهالي المعتقلين، الذين تقابلهم أنباء مستمرة على وسائل التواصل الاجتماعي عن ظهور حالات مصابة بكورونا داخل السجون.

البيانات الرسمية لا تؤكد ولا تنفي تلك الأخبار، وكأن مَن في الداخل سقطوا من حسابات الدولة، وسقطنا نحن معهم أيضاً.

وفي حين راحت العديد من الدول تفرج عن العديد من المعتقلين لتخفيف الاكتظاظ في السجون، فإن هذا الأمر لم يطبَّق في مصر حتى الآن، بل يزداد عدد المعتقلين يوماً بعد يوم، وتُضاف إليهم أسماء جديدة.

"برغم أن طفلتي كانت شديدة التعلق بوالدها، إلا أنه عقب القبض عليه، وفي الزيارة الأولى التي اصطحبتُها معي فيها، لم تعرفه. كانت تبلغ حينذاك من العمر عاماً وثلاثة أشهر"

أسوأ ما في الأمر هو دوّامة "الحبس الاحتياطي" التي لا تنتهي، والذي يبدأ بـ15 يوماً في نيابة أمن الدولة ويصل إلى 150 يوماً، ثم يأتي الانتقال إلى المحكمة لتبدأ دوّامة جديدة من تجديد الحبس لـ45 يوماً.

ربما لو أحيلت القضية إلى المحكمة من البداية وبُتَّ فيها بحكم نهائي، لكان الأمر أخف وأهون لأن المدة تكون محددة ومعروفة. ولكننا الآن ندور في فلك عقوبة أشد وأقسى.

أتى شهر رمضان للعام الثاني على التوالي، دون وجود زوجي. هذا العام أصعب كثيراً من العام السابق. فمع وجع الغياب وأثره وتبعاته السيئة، هناك وباء منتشر. نعيش الحبس سوياً. زوجي محبوس في زنزانة لا أعلم عدد الأفراد فيها، وأعيش وأنا في حبس منزلي مع ابنتي ووالديّ. هو بعيد عني وأنا بعيدة عنه.

أسئلة عديدة تدور في ذهني. هل يعلم زوجي خطورة الفيروس؟ هل يتخذ احتياطاته اللازمة للحماية؟ هل تتوفر لدية أدوات الحماية والتعقيم التي لا يُسمح لنا بإدخالها له؟

خلال موعد الزيارة الأسبوعية، نترك الأموال والأطعمة في الأمانات، بسبب تعلق الزيارات، على أمل تلقّي خطاب من الداخل يطمئننا عن ذوينا، أو السماح لنا بإدخال خطاب يُطمئِن مَن بالداخل علينا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

في بداية أيار/ مايو الجاري، استيقظت على نبأ وفاة شادي حبش، المخرج الذي توفي في محبسه والذي كان زميلاً لزوجي في الزنزانة لمدة تصل إلى عام وخمسة أشهر، قبل نقل زوجي إلى زنزانة جديدة.

أعلم جيداً ما يشعر به الآن، فأصعب إحساس هو فقد صديق أو محب، والأصعب فقده في مثل الظروف الصعبة التي يعيشها المعتقلون وأسرهم.

ربما الأمل، والذي نعلم أنه كاذب في الكثير من الأحيان، هو ما يساعدنا على الاستمرار والمقاومة من جديد، وتجهيز أنفسنا لرحلة أسبوعية جديدة إلى السجن نعرف أنها لن تنتهي برؤية مَن نحبهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard