"مثل الحيوانات في حظيرة"... شهادات من سجن قطر المركزي في ظل كورونا

الثلاثاء 19 مايو 202003:14 م

"يحتجزوننا مثل الحيوانات في حظيرة، في وقت ينبغي أن نكون معزولين بعضنا عن بعض"، وردت هذه الكلمات على لسان أحد نزلاء سجن قطر المركزي ضمن تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" يحذر من احتمال "تفشي فيروس كورونا" في السجن القطري بسبب الاكتظاظ وظروف الاحتجاز غير الصحية.

لكن وزارة الخارجية القطرية ردت على التقرير قائلةً إنه يعتمد على "إشاعات وتكهنات لا أساس لها من الصحة"، معتبرةً أن هدفه "تشتيت الانتباه" عن جهودها في مكافحة الفيروس.

"ظروف غير صحية"

في تقريرها، دعت المنظمة الحقوقية الدولية سلطات السجون في قطر إلى "اتّخاذ إجراءات عاجلة لتوفير حماية أفضل للسجناء وموظفي السجون وسط تفشي فيروس كورونا في السجن المركزي في الدوحة".

ولفتت إلى أنها التقت أخيراً ستة محتجزين أجانب تحدثوا عن "تدهور الظروف في السجن المركزي الوحيد في قطر بعد الاشتباه بإصابة عدد من السجناء بالفيروس".

وأبلغ محتجزون المنظمة أن حراساً أبلغوهم بشكل غير رسمي خلال الأسابيع الأخيرة بـ"تفشٍ محتمل للفيروس"، مستدركين أنه تم "عزل العنبر الذي حدث فيه التفشي المحتمل للفيروس، بعد نقل بعض المحتجزين منه إلى أقسام أخرى مكتظة أصلاً وغير صحية" داخل السجن.

وذكر أحد السجناء أن حارس سجن أبلغه، في 2 أيار/مايو، أن خمسة سجناء في عنبر آخر أصيبوا بالفيروس. وأضاف: "منذ ذلك الحين، وصل المزيد من السجناء، وربما بعضهم مصاب بعدوى، إلى عنبرنا. لدينا أسرّة لـ96 شخصاً، والآن هناك حوالى 150 في العنبر".

وقال السجناء إن في عنبرهم ثمانية حمامات يستخدمها 150 سجيناً. وأفاد سجين بأن حارس سجن أخبره، في 6 أيار/مايو، عن تسجيل 47 حالة حتى ذلك الحين.

مصادر المنظمة أشارت أيضاً إلى فرض "قيود إضافية" على حصول السجناء على الرعاية الطبية الأساسية المحدود بالأساس. ونوهت المنظمة بأن ذلك جعل السجناء الأكبر سناً والسجناء المرضى أكثر عرضة لخطر العواقب الوخيمة إذا أصيبوا بالفيروس.

"لا يحصلون إلا على القليل من الماء والصابون، ولم يحصلوا على مطهر لليدين، فيما تدابير التباعد الاجتماعي مستحيلة، بالنظر إلى الازدحام"... تقرير ينقل أحوال سجن قطر المركزي، ومخاوف من تغيّب الأطباء وانتشار العدوى بكورونا

وأخبر السجناء المنظمة بأن الحراس وموظفي السجن بدأوا، في الأسبوع الماضي، ارتداء كمامات وقفازات، بالتزامن مع توقف الطاقم الطبي عن زيارة عنبرهم.

ونقلت عن أحدهم قوله: "حتى أيار/مايو، اعتاد الممرضون أن يأتوا لتفقدّنا، وإذا كنا مرضى وأردنا الذهاب إلى المستشفى كان بإمكاننا الذهاب. الآن لا يأتي ممرضون ولا توجد زيارات للمستشفى".

غموض يزيد القلق

بحسب المنظمة، ساهم تقديم سلطات السجن "معلومات غير متسقة وغير كاملة للسجناء" في "زيادة الخوف والقلق بينهم".

واستدلت على ذلك بشهادة أحد السجناء: "لا أحد يعرف من هو المريض بيننا. هنالك شخص في عنبرنا مصاب بالإنفلونزا، لكن هل هي إنفلونزا، هل هو الفيروس، من يدري؟ لا أحد يتحقق".

وهذه شهادة آخر: "الناس ينامون على الأرض، في مسجد (السجن)، في المكتبة، والجميع خائفون بعضهم من بعض، ولا نعرف من يمكنه أن يعدينا"، مشدداً "في وقت ينبغي أن نكون معزولين بعضنا عن بعض، يحتجزوننا مثل الحيوانات في حظيرة".

وذكر ثالث: "لم يعد يأتي الممرضون الذين يعطون حقن الأنسولين لمرضى السكري، يتولى الحراس توزيع حقن الأنسولين ويحقن المرضى أنفسهم".

وروى السجناء أنهم لا يحصلون "إلا على القليل من الماء والصابون، ولم يحصلوا على مطهر لليدين، وأن تدابير التباعد الاجتماعي مستحيلة بسبب الازدحام" في العنابر.

في المقابل، أشار عدد منهم إلى عدم التزام السجناء ارتداء الكمامات التي وزعت عليهم، وهذا ما عزاه أحدهم إلى أن "الإدارة لم تؤكد لهم رسمياً وجود الفيروس في السجن أو تتحدث معهم عن التغييرات الأخيرة بطريقة واضحة وشفافة".

وقال سجينان إنه حتى 7 أيار/مايو، تسلم كل سجين كمامتين فقط من إدارة السجن، منبهيْن إلى أن السلطات "لم تُعقّم بعد المهاجع ولا تزال تقدم لوحاً واحداً من الصابون في الشهر لكل سجين برغم الحاجة إلى بروتوكولات تنظيف ونظافة شخصية أفضل أثناء الوباء".

وفي 8 أيار/مايو، أوضح أحدهم للمنظمة: "أمس أعطاني الحراس كمامتين للمرة الأولى. قالوا لي ارتدِ واحدة، لكن لا أحد يرتديها هنا. معظم السجناء وضعوها بعيداً. لا يهتم الحراس بذلك، ولا يطلبون من أحد ارتداءها".

دعوة إلى "تحرك عاجل"

منذ بدء أزمة تفشي كورونا، ناشدت الشخصيات والمنظمات الحقوقية والقانونية، وعلى رأسها ميشيل باشليه، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حماية السجناء والمعتقلين والإفراج عن الأشخاص المحتجزين احتياطياً أو بشكل غير مبرر لتخفيف الاكتظاظ بالسجون، وتقليل فرص تفشي الفيروس في السجون.

وركزت هذه المناشدات على أكثر الفئات تعرضاً لتطورات الإصابة بالفيروس مثل كبار السن والمرضى، مع دعوات إلى تحسين بيئة السجن ومراعاة تدابير النظافة والتعقيم والتباعد الاجتماعي.

وفي تقريرها عن قطر، قالت هيومن رايتس ووتش إن حماية السجناء والسجانين تتطلب "تخفيف عدد السجناء للسماح بالتباعد الاجتماعي وضمان أن يتمكن كل شخص في السجن من الحصول على المعلومات وعلى الرعاية الطبية المناسبة" و"وضع بروتوكولات مناسبة للنظافة الشخصية والتنظيف، بما في ذلك توفير التدريب واللوازم مثل الكمامات والمطهّرات والقفازات للحد من خطر الإصابة بالعدوى".

مكتب الاتصال القطري رداً على تقرير "هيومن رايتس" حول تفشي كورونا في السجن المركزي: "عار عن الصحة. هدفه تشتيت الانتباه عن جهودنا لمواجهة الوباء". والمنظمة تحذر: ""قد يصبح سريعاً كارثة على الصحة العامة في قطر"

وحث نائب مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة مايكل بيج السلطات القطرية على "التحرك بسرعة لتجنب انتشار أوسع لفيروس كورونا الذي يعرّض السجناء وموظفي السجون وسكان الدوحة لخطر العدوى. يمكن أن تبدأ قطر بإطلاق سراح السجناء المعرضين للخطر مثل كبار السن والمحتجزين بتهم ارتكاب جنح أو جرائم غير عنيفة، وضمان حصول السجناء الباقين على الرعاية الطبية الكافية".

وأضاف بيج: "يمكن للانتشار المُبلَغ عنه في سجن قطر المركزي لفيروس كورونا أن يصبح سريعاً كارثة على الصحة العامة. لدى السلطات القطرية القدرة على تخفيف الضرر، لكن عليها التحرّك بسرعة وحزم".

رفض قطري تام

في 19 أيار/مايو، أعرب مكتب الاتصال الحكومي القطري عن رفض دولة قطر "التام للادعاءات التي وردت في التقرير الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش"، واصفاً التقرير بالـ"عار عن الصحة".

واعتبر أن التقرير استند إلى "إشاعات وتكهنات لا أساس لها من الصحة" و"مقابلات محدودة لم يتم التحقق من صدقيتها"، زاعماً أن هدفه "تشتيت الانتباه عن جهود دولة قطر في الاستجابة لفيروس كورونا".

وأقر التقرير بـ"اكتشاف 12 حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في السجن المركزي من دون تسجيل أي حالة وفاة"، لافتاً إلى أن المصابين نقلوا جميعاً "إلى أحد المرافق الطبية التابعة لمؤسسة حمد الطبية، والتي تم تجهيزها خصيصاً لاستقبالهم" حيث "تلقوا خدمات رعاية صحية على مستوى عالمي".

ونبه التقرير إلى أنه في ظل "تفاقُم الحالة الصحية لاثنين من المُصابين نُقلا إلى أحد المرافق الطبية الأخرى المخصصة لاستقبال مثل هذه الحالات، والتثبت من تلقيهما الرعاية الصحية اللازمة قبل إعادتهما إلى السجن المركزي عقب شفائهما من الفيروس بشكلٍ كامل".

تدابير مواجهة كورونا

تقول السلطات القطرية إنها، منذ منتصف شهر آذار/مارس الماضي، "طبقت سلسلة من الإجراءات الصارمة في السجن المركزي لحماية السجناء من خطر الإصابة بالفيروس والحد من انتشاره"، لافتةً إلى أن جميع السجناء خضعوا "لفحوص طبية دورية عبر منهجية استباقية في برنامج الفحص لرصد حالات الإصابة الجديدة".

وقالت إنه جرى "توزيع معدات الوقاية الشخصية مثل الكمامات والقفازات على جميع السجناء" وأن "التعقيم والتطهير يجريان بشكل دوري" في السجن.

وكان أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني قد أصدر، في نيسان/أبريل الماضي، "عفواً أميرياً" عن 500 سجين. وذكر بيان مكتب الاتصال الحكومي أن هذا "ساهم في خفض عدد السّجناء"، مشيراً إلى أن الدوحة "فتحت سجونها لمفتشي اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان ومفتشي المنظمات الدولية بشكل دوري".

ويتعارض هذا مع ما قالته مجموعة من الخبراء الأمميين المستقلين، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بشأن "منعها" من زيارة موقع اعتقال تابع لأمن الدولة القطري وعدم تمكنها من التحدّث مع عدة مسؤولين، لافتةً إلى سماح الدوحة لها بـ"الوصول الجزئي" إلى أماكن الاحتجاز والتحقيق.

ختاماً، أكد التقرير الحكومي القطري أن قطر "تعامل جميع السجناء باحترام وكرامة، وبما يتماشى مع المعايير الدولية"، مبيناً أنها "تضع صحة جميع المواطنين والمقيمين على رأس أولوياتها منذ بدء الأزمة، بما في ذلك السجناء".

وقد تأكدت حتى الآن إصابة 33969 شخصاً بفيروس كورونا في قطر. واكتفى مركز الاتصال القطري بالقول إن نسبة الوفيات في البلاد، 15 حالة فقط، "تعد الأقل على مستوى العالم"، مع التذكير بتعافي 4,899 مصاباً، "أي نحو 500 حالة شفاء يومياً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard