الحكم على الباحثة فَريبا عادلخاه... لا مكان للعلوم الاجتماعية في إيران

الثلاثاء 19 مايو 202011:06 ص

"الباحث ليس محققاً سرّياً وليس جيمس بوند وليس أكشن جاكسون وليس مُهرّباً! كل ما يفعله هو أنه يقدّم نتائج أبحاثه في كتبه للجميع... ربما يمكن القول إن الباحث سيفٌ ذو حدين يمكن استخدامه لحذف المنافسين".

لم تكن الباحثة الإيرانية فَريبا عادلخاه تدرك أنها ستكون الضحية المقبلة للنظام الإيراني، عندما كتبت هذه الكلمات في رسالة مطوّلة وجّهتها إلى الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، في 12 آب/ أغسطس 2009، وطالبته فيها بالإفراج عن الباحثة الفرنسية كلوتيلد ريس التي اعتقلتها السلطات الإيرانية بتهمة التجسس قبل أن تُطلق سراحها لاحقاً بعد وساطات دولية.

في 16 أيار/ مايو، أصدرت محكمة الثورة في طهران، حكمها على الباحثة الإيرانية الفرنسية المختصة في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية والسياسية فَريبا عادلخاه (61 سنة) بالسجن خمس سنوات بتهمة "التآمر على الأمن القومي"، وسنة "لنشر الدعاية الكاذبة ضد النظام".

وكانت السلطات الإيرانية قد ألقت القبض على الأستاذة والباحثة في "معهد الدراسات السياسية" الباريسي، في حزيران/ يونيو من العام الماضي، مع زميلها الفرنسي رولان مارشال الذي أطلق سراحه في آذار/ مارس الماضي، ضمن صفقة تبادل سجناء بين إيران وفرنسا.

ضحايا البحوث الاجتماعية تحت غطاء السياسة

لا تنفك السياسة في إيران عن بقية المجالات. لا يوجد ملفّ لا يمكن تحويله إلى ملف أمني. ملف النشاط البيئي أمني، ملف مناهضة الحجاب أمني، ملف الباحثين الاجتماعيين أمني... لذا كان من الطبيعي أن تركّز الأخبار على الجانب السياسي من ملف اعتقال عادلخاه، لكونها تحمل الجنسيتين الإيرانية والفرنسية، وأن تكون أول تهمة موجهة لها التجسس. ومع أنها حصلت على براءة من التهمة الأولى، إلا أن التهم الأخرى كانت بانتظارها.

أفضى العمل في الأبحاث الاجتماعية في إيران بعدد من رواد هذا المجال إلى السجن وأشهرهم سعيد مدني وكميل أحمدي، وميمنت حسيني تشاويشي والسبب الرئيسي هو تطرقهم للمحظورات ودراستهم للأزمات الاجتماعية في إيران، كالفقر والإدمان والعنف وحتى ختان الإناث.

إلا أن ملف الباحثة عادلخاه أخذ بعداً سياسياً أكثر مع مطالبة فرنسا بإطلاق سراحها كونها تحمل الجنسية الفرنسية، لتتحوّل إلى اسم بين أسماء معتقلين مزدوجي الجنسية في إيران.

دراسات مناصرة لرؤية النظام

تختلف قضية فريبا عادلخاه عن بقية قضايا المعتقلين بتهمة نشر الدعاية الكاذبة ضد النظام، فهي كانت تحاول في الكثير من تصريحاتها ودراساتها الدفاع عن "الجمهورية الإسلامية"، كونها، برأيها، الحل الأفضل للإيرانيين مقارنة بنظام الشاه أو التكتلات السياسية المرهونة للخارج.

أنكرت عادلخاه في مقابلة لها مع قناة فرانس 24، في فبراير/ شباط 2019، وجود قوانين تحدّ من وصول المرأة في إيران إلى مناصب عليا ونسبت ضعف مكانة المرأة في بلادها إلى المجتمع الذكوري، ورأت أن القيود التي تكلمت عنها الناشطة الإيرانية الشهيرة نسرين ستوده تراجعت في السنوات الأخيرة وأشارت إلى أن الحجاب في إيران ليس إجبارياً وهناك مناصرون للديمقراطية حتى بين شيوخ قم وأن الضغوط على النظام الإيراني لا تسمح له بالراحة والهدوء، ليتمكّن من تطوير الممارسات الديمقراطية.

"الباحث ليس محققاً سرّياً وليس جيمس بوند وليس أكشن جاكسون وليس مُهرّباً! كل ما يفعله هو أنه يقدّم نتائج أبحاثه في كتبه للجميع... ربما يمكن القول إن الباحث سيفٌ ذو حدين يمكن استخدامه لحذف المنافسين"

موقف الباحثة عادلخاه ربما يمكن وصفه بالوسطية، لكن بعض الأصوات تتهمها بالتواصل مع النظام الإيراني وتنتقد دفاعها عن شيوخ مدينة قم التي كانت تزورها قبل اعتقالها لإجراء أبحاث حول الحوزة الدينية.

التصريح الإعلامي المذكور لم يكن بعيداً عن رؤية عادلخاه التي دوّنتها في أطروحتها العلمية التي أصبحت كتابها الأول، بعنوان "الثورة تحت الحجاب"، وهو كتاب ترجمته إلى العربية هالة عبد الرؤوف مراد وصدر عن دار العالم الثالث في القاهرة.

فالباحثة قدّمت في هذا الكتاب رؤيتها للنساء في إيران ودورهن قبل وبعد الثورة الإسلامية، رافضةً اعتبارهن ضحايا للثورة. ولم تخفِ فيه معتقداتها وحبها للصوفية الشيعة وتعلقها بالباحثين علي شريعتي ومرتضى مطهري، وأضاءت على الجانب الإيجابي من الحجاب الإسلامي، دون أن تضيء بجدية على حقيقة وجود رافضات للحجاب الإجباري في بلادها ومناضلات من أجل خلعه.

وفي لقاء مع راديو فرنسا الدولي، دافعت عن أبحاثها وعن حرية البحث بعيداً عن السياسية واعتبرت أن الهجوم عليها واتهامها بالتعامل مع النظام الإيراني نابع من ابتعاد شريحة كبيرة من الإيرانيين عن بلادهم وتأثرهم ببلاد المهجر، وأصرّت على أن الثورة لم ترتبط بالإسلام في البداية ولكن المتغيرات التي حدثت لاحقاً نتجت عن الظروف التي مرت بها إيران.

لا تنفك السياسة في إيران عن بقية المجالات. لا يوجد ملفّ لا يمكن تحويله إلى ملف أمني. ملف النشاط البيئي أمني، ملف مناهضة الحجاب أمني، ملف الباحثين الاجتماعيين أمني...

للباحثة عادلخاه كتب أخرى أشهرها "ترميدور إيران" (1993) و"ألف حد وحد لإيران/ السفر والهوية" (2015)، وتتناول فيه المتغيرات الاجتماعية والسياسية في المجتمعات الإسلامية التي رصدتها خلال سفرها إلى عدة بلدان إسلامية يتواجد فيها الإيرانيون، و"أن تكون حديثاً في إيران" (1998) الذي عرّضها لانتقادات أيضاً، أهمها نقد الباحث مهرزاد بروجردي الذي رأى أنها تعمم الكثير من أمثلتها عن التجدد في إيران دون أن تنظر إلى النصف الآخر من المجتمع وأن معاييرها المتّبعة محصورة في نخبة محددة.

يجول مقص الرقابة في إيران في الإعلام وفي مراكز الدراسات لمنع تطرق أي قلم إلى الظواهر الاجتماعية أو حركات التجدد التي يشهدها المجتمع الإيراني، ويصر الساسة على أسلمة العلوم الإنسانية ورفض مقارنة المجتمع الإيراني بباقي المجتمعات.

هكذا، ورغم وسطيتها، لم تنجُ فَريبا عادلخاه من تهمة التآمر على النظام الذي استغلّ بالدرجة الأولى جنسيتها الفرنسية ليتلاعب بها في مفاوضات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard