"وجدنا مستويات صادمة من العنف"... أول مبادرة في مصر ضد اضطهاد الكويريات

الاثنين 18 مايو 202002:11 م

"اسمي شاهنده (22 عاماً). أنا عابرة جنسياً وحرة الميل الجنسي. في الجامعة، بيستبعدوني من معظم المشروعات ومجموعات الدراسة رغم أني قبل إعلان هويتي وميولي (الجنسية) مكنش بيتم استبعادي وكنت دايماً موجودة.

بعد ما أعلنت أني، شاهنده، كل حاجة اتغيرت. كل حاجة بقت أسوأ. ده حتى الطلاب بقوا بيحرضوا الدكاتره عليّ. ممكن أكون قاعدة في محاضرة، يرموا عليّ كلام بصوت عالي. لو هتكلم في المحاضرة أو مع الدكتور يتكلموا عشان يسكتوني ومتكلمش.

في مرة ناس من الجامعة دخلوا كلموا واحد صاحبي وقالوله ‘أنت تعرف ده؟" فقالهم ‘أيوا دي بنت صاحبتي‘، فقالوله ‘دي مش بنت. ده ولد معانا في الجامعة‘، وهددوه أنهم يعملوا له مشاكل في حياته بسببي.

جوه الجامعة، اجتمعوا عليّ في مرة وأخدوا مني النضارة وفضلوا يزقوني (يعنفوني). ولما بيلاقوا حد بيقولي ‘أنتِ‘، بيقولوه ‘أنت بتقوله أنتِ ليه ده ولد‘.

حتى الدكاترة، فيهم دكتور اتحرش بيّ عشان كان عارف إني مش هقدر أعمل حاجة، عشان الجامعة كلها بتعاملني بعنصرية، فمحدش هيهتم باللي هقوله...

في وقت ما، اتعرضت لتمييز جوه مجتمع الميم نفسه، كانو بيوصموني إني ‘مش بنت كفاية‘. شخص دخلت معاه علاقة قالي ‘أنتِ مش بنت كفاية ومش هقدر أمشي معاكي في الشارع‘.

إنما على مستوى مكان سكني، فممكن يحدفوا (يلقوا) عليّ حجارة في الشارع ويمارسوا عليّ عنف لفظي وبيسألوني ‘أنت واد ولا بت‘... ‘ما تيجي نعملك كشف حمامة‘ (اختبار وجود الأعضاء التناسلية الذكورية)، بضطر أجري عشان محدش يعملّي حاجة".

"بره السور: تمييز مضاعف"

روت شاهنده قصتها هذه مع التمييز داخل المجتمع المصري في إطار حملة "تمييز مضاعف" التي انطلقت في 17 أيار/مايو لمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية وازدواج الميل الجنسي والعبور الجندري.

تأتي الحملة جزءاً من مبادرة "بره السور" التي انطلقت رسمياً في وقت سابق من الشهر الجاري للحديث عن "الجنس في زمن الكورونا". ونظمتها الناشطة الجندرية ملك الكاشف والناشطة النسوية والباحثة الاجتماعية أسماء عبد الحميد بالتعاون مع عدة منظمات حقوقية ومتطوعين.

تعتزم "بره السور" في مشاريعها المقبلة إنشاء مدرسة عن الجندر تعنى بشرح المصطلحات الجندرية والنسوية والعلاقة بينهما. علاوةً على مناقشة مواضيع غير مطروقة في مصر مثل "ملف العاملات غي الجنس التجاري (الكويريات والنمطيات منهن)".

أوضحت عبد الحميد لرصيف22: "برة السور مبادرة نسوية كويرية تمثل تحديداً الموجة النسوية الكويرية الأولى في مصر. تمتاز المبادرة بأنها في خطابها الدائم تدمج، لأول مرة، قضايا النساء الكويريات وغير الكويريات. فلدى مناقشة ملف العنف ضد المرأة، نركز على العنف المسلط على النساء النمطيات/المنسجمات جنسياً والعنف ضد النساء الكويريات باعتبارهما عنفاً واحداً من دون تمييز بينهما".

ليس في مصر تقارير رسمية دقيقة عن معدلات العنف الواقع على النساء خلال الأعوام الأخيرة. حتى التقارير السابقة كانت تصنف النساء بحسب الفئة العمرية أو الحالة الاجتماعية من دون أية إشارة إلى تمييز بسبب الميول الجنسية أو العبور الجندري وما شابه. لكن تزايد حالات العنف الأسري ضد النساء مثبتة ووصل بعضها إلى حد القتل.

"أنت واد ولا بت، ما تيجي نعملك كشف حمامة"... أول حملة مصرية عن "التمييز المضاعف" والعنف الممارس على الكويريات تسرد تجارب صادمة. بعضهن حُلق شعرهن خلال الحجر المنزلي وأخريات أجبرن على التراجع عن تصحيح الجنس عقب "تهديدات بالقتل"

في الوقت نفسه، لا توجد منظمات أو جمعيات حقوقية أو نسوية تطلق مبادرات أو حملات أو أبحاثاً تتصل بقضايا الكويريات بشكل منتظم، ما عدا "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية"، بحسب ما قالته المحامية الحقوقية والناشطة النسوية المصرية انتصار السعيد لرصيف22.

وعن الرسالة الكامنة وراء الحملة، قالت عبد الحميد: "النساء يتعرضن للعنف بنسب متفاوتة حسب الظرفين الاقتصادي والاجتماعي، لكن النساء من مجتمع الميم يتعرضن لتمييز مضاعف بسبب عدم اعتراف المجتمع والدولة بهن، وعلينا، كنساء، مواجهة هذا العنف باعتبار أنه قضية واحدة ومن دون تفرقة".

وأكدت الكاشف لرصيف22 أن الحملة "غير ممولة وغير ربحية. دعم الجمعيات الحقوقية اقتصر على الدعم اللوجستي عبر توفير التصاميم والترجمات".

وورد في بيان الحملة: "في مصر وبعض الدول العربية تتم بلورة اتهامات واهية كممارسة الفجور أو التشبه بـ‘الرجال/النساء‘ ضد الكويريين/ات. كما لم يتوقف أطباء كثر، على مدار السنوات الماضية في منطقتنا، عن منح تصاريح غير علمية تصف المثلية الجنسية بأنها ‘مرض نفسي يمكن علاجه‘".

ولفتت إلى أن الحملة انطلقت "لتذكير المجتمع بأن النساء العابرات والمثليات ومزدوجات الميل الجنسي يواجهن عنفاً وتمييزاً مضاعفاً. فبالإضافة إلى اعتبار المجتمع (المصري) النساء درجة متدنية في سلم النوع الاجتماعي، فإن انتماء بعضهن إلى مجتمع الميم يضاعف التمييز بحقهن. وثمة نساء كثيرات يُجبرن بسبب ’الإغلاق العام‘ على التزام بيوتهن مع من يضطهدونهن. في مثل هذه الأوقات، ندرك تماماً أن عضوات مجتمع الميم يصبحن من أكثر النساء تهميشاً واستعباداً".

"مستويات صادمة من العنف"

"كنت أتخيل أن شكل العنف الممارس على الكويريات هو نفسه الذي تعرضت له كامرأة عابرة جنسياً من دون زيادات. لم أجد هذا. وجدت أشكالاً ودرجات من العنف تتعرض لها الكويريات لم أتخيلها من قبل. وجدت مستويات صادمة من العنف"، بيّنت الكاشف.

وتابعت: "لم نستطع تغطية عدد كبير من حالات الكويريات المعنفات اللواتي أجرينا معهن مقابلات. لكن هذا يثبت أن معدلات العنف الواقع على الكويريات تفوق معدلات العنف الواقع على النساء النمطيات".

وركزت الحملة على فئات أكثر تهميشاً داخل مجتمع الميم نفسه. مثلاً امرأة مثلية الجنس، وامرأة حرة الجندر متعايشة مع فيروس نقص المناعة hiv، وامرأة عابرة جنسياً حرة الميل الجنسي.

نفت الكاشف حدوث تواصل مع الجهات المسؤولة في الدولة أو الجهات الرسمية المعنية بحقوق الإنسان خلال الحملة، وأضافت: "خلال آخر مراجعة حقوقية شاملة لمجلس حقوق الإنسان الدولي، قالت مصر إنها خالية من مجتمع كويري وإنها لا تعترف بهذا المصطلح، رداً على توصيات دول عدة بشأن تحسين وضع أفراد مجتمع الميم في البلاد. كذلك قال المجلس القومي لحقوق الإنسان إنه لا يمتلك صلاحيات ولا يسلط الضوء على العنف الواقع على الأشخاص الكوير".

وتابعت الكاشف: "ارتفعت معدلات العنف ضد الكويريات في ظل الحجر المنزلي. فالسجان بات في مواجهة الضحية طوال الوقت. هناك سيدات ترانس، حُلقت شعورهن خلال الحجر بسبب تركيز ذويهن على مظهرهن وتحركاتهن".

"يصمتن عن العنف بسبب الرفض المجتمعي وخوفاً من طرد أسرهن لهن. فضلاً عن ذلك، فإنهن يخشين في حالة التعبير عن أنفسهن المساءلة القانونية بتهمة ‘التحريض على الفسق والفجور‘"... تمييز مضاعف تعانيه الكويريات في مصر 

أيّدت عبد الحميد رأي الكاشف. قالت: "رأينا ذلك بوضوح في نسب اللواتي يلجأن إلينا لمساعدتهن". وأكملت: "قابلنا حالات تتعرض لعنف غير متوقع. بعضها دفاعاً عن حقها في تصحيح الجنس بسبب ‘الخوف من التعذيب‘ ومواجهة ظروف قاسية ‘كاحتمال التعرض للموت‘. كانت هناك حالات تخشى الحديث عن نفسها وأخرى تعاني ميلاً دائماً للانتحار وعبّرت عن ذلك خلال الحديث معنا".

في السياق نفسه، استرجعت عبد الحميد، خلال حديثها مع رصيف22، إحدى الحالات التي صدمتها: "فتاة عابرة جنسياً قابلتها خلال فترة اعتقالي (سياسياً) في قسم الشرطة. كانت متهمة بـ‘الفسق والفجور‘ وتُركت لتنام في ممر بين أماكن الاحتجاز. لم يزرْها أحد ولم تكن تجد ما تأكله أو فرشة تنام عليها. تعرضت لإهانات كثيرة".

"الكويريات يعانين في صمت"

أكدت ذلك المحامية السعيد. وأضافت: "منذ بداية الحجر الصحي، لم نتلق أي شكوى خاصة بالتعنيف من النساء العابرات جنسياً أو من مزدوجات الميل الجنسي أو من العابرات جنسياً عبر الخط الساخن لمؤسسة القاهرة للتنمية والقانون (التي تديرها) بعكس الوضع قبل أزمة كورونا". كان المركز يتلقى يومياً نحو ثلاث شكاوى تعنيف أسري لنساء،علاوةً على الحالات التي تذهب إلى المؤسسة مباشرةً. خلال الحجر الصحي تراوحت اتصالات الاستغاثة بين سبعة وعشرة، بحسب السعيد.

وأضافت: "يضطررن إلى الصمت على العنف بسبب الوصمة المجتمعية، وخوفاً من طرد أسرهن لهن. ليس لدى معظم الحالات مأوى بديل. فضلاً عن ذلك، يخشين في حالة التعبير عن أنفسهن المساءلة القانونية بتهمة ‘التحريض على الفسق والفجور‘".

وأشارت السعيد إلى أنه من المفترض، طبقاً للمادة 53 من الدستور المصري، إنشاء مفوضية خاصة بمناهضة التمييز بسبب الدين أو الجنس أو النوع، وأعربت عن توقعها أن يسهم إنشاء مثل هذه المفوضية في "حل العديد من المشكلات التي تواجهها الكويريات والتي تؤدي إلى وصمهن بالعار وبمخالفة الطبيعة، أو إلى معاناتهن التمييز في أماكن العمل وفي دوائر الدولة، خصوصاً في ما يتعلق بإصدار أوراق ثبوتية بعد عمليات الجراحة والعبور".

إلى أن يحدث ذلك، نصحت السعيد نساء مجتمع الميم في مصر بـ"استمرار النضال والإفصاح عما يتعرضن له من عنف وانتهاك".

ختاماً، قالت شاهنده: "أنا بنت بدون أي تعقيدات... بنت عابرة جنسياً. لكن هم شايفيني مستباحة. ممكن يعتدوا عليّا بالضرب أو بالكلام. أكيد أحب أخد حقي وحريتي من غير ما أتعرض للتمييز ومن غير ما المجتمع يتعامل معايا بالشكل اللي هو شايفني بيه ومن غير ما يشوفني مسخ. حقي زي حق أي حد ماشي في الشارع مش لازم يترمي لي كلمة مش لازم تحصل حاجة مش لازم أحس أن فيّا حاجة غلط".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard