بيت عائشة... 15 مترًا غيّرت تاريخ الدنيا

الجمعة 22 مايو 202011:57 ص

 عندما دخل النبي إلى المدينة كان أول بناء أمر بإقامته هو مسجد على أرض كانت تستخدم مربدًا للتمر (مكان يُبسط فيه التمر ويُجفف)، مملوكة لغلامين يتيمين هما سهيل وسهل، اشتراها منهما الرسول ثم بنى فيها مسجده الأول.

يقول صفوان داوودي، في كتابه "الحجرات الشريفة سيرةً وتاريخًا"، إن النبي لم يهتم من المبنى إلا وظيفته، لذا لم يهتم بأن يكون ذو أبهة وتصميم فخم، لذا أمر الصحابة، خلال تنفيذ عمليات بناء المسجد، بأن يكون بسيطًا بقوله "ابنوا لي عريشًا كعريش موسى، ثمامات وخشبات".

واحتفظ النبي بهذه "البساطة العُمرانية" حينما دشّن جوار المسجد أول دار سكنية له في المدينة، وهما حجرتان لزوجتيه عائشة وسودة بنت زمعة. وبعدها كان الرسول كلما اتخذ له زوجة يبني لها حجرة جديدة ويُسكنها فيها، حتى صار له تسع زوجات وتسع حجرات، تراصت متجاورة بجانب المسجد.

عن العلاقة الفريدة التي جمعت بين "المرأة الأهم" و"البيت الأهم" في التاريخ الإسلامي

فرّق دكتور محمد الجميل في كتابه "بيوت النبي (ص) وحجراتها"، بين مفهومي "الحجرة" و"البيت"، معتبرًا أن البيت يتضمن حجرة مُسوَّرة بالطوب اللبن، صغيرة المساحة حتى أن النبي خلال صلاته كان يغمز عائشة حتى تقبض رجليها فيجد مكانًا يضع فيه جبتهه خلال السجود.

هذه الحُجرة مُلحق بها ساحة فارغة محدودة المساحة، أيضًا، سورها قصير من جذوع النخيل والجريد لا يستر الجالس خلفه كثيرًا حتى أن الصحابة كانوا يرون النبي وهو يُصليّ خلفه فيقتدون بما يفعل، وكان بابه الرئيسي من جهة الشمال، وله مصراع مصنوع من الخشب، كما لم تُثبّت فيه حلقة يُقرع بها، فإن أراد أحد النبي كان عليه أن يطرق على الباب بيده، كما كان للدار باب آخر من جهته الغربية خاص بالرسول وحده يقوده مباشرة إلى المسجد.

ومن واقع استقراء الكثير من المرويات التاريخية التي تصف هذا البناء حدّد الجميل مساحته التقريبية بـ15.5 مترًا أي ما يُساوي غرفة متوسطة الحجم في منازلنا الحديثة.

المصدر: كتاب "بيوت النبي (ص) وحجراتها"

لم تحوِ هذه الدور على أي عامل من عوامل الترف، بل وربما كانت أبسط في حالها من بيت النبي القديم في مكة، فالأرض مفروشة ببساط متواضع من جريد النخل وحصير من ورق البردي الخشن الذي كان يترك علامات في جبين الرسول كلما سجد، أما الفراش فكان من الجلد المدبوغ المحشو بالليف، ومن نفس هذه المواد صُنعت الوسادة التي ينام ليله عليها، كما كان أكله في قدرٍ من حجارة وأطباق من عُسب النخيل وشرابه في قدحٍ من خشب.

ولكن ما لم يتخيّله أحد حين إقامة حجرة عائشة، أن هذه الغرفة الصغيرة ستؤدي دورًا هائلاً في التاريخ الإسلامي يجلعها تُنافس كُبرى قاعات عروش الخلفاء والسلاطين الذي حكموا الإمبراطوريات الإسلامية على مدار تاريخها الطويل، فاحتضنت الكثير من المواقف الهامة في المراحل الأولى للتاريخ الإسلامي طوال حياة الرسول وبعده؛ فكانت مهبطًا للوحي ومقصدًا لأصحاب الحاجات وملجأً للمعارضين والحُكّام ومثوىً أخير للنبي وصاحبيه.

قدّمت دار عائشة للنبي مزايا لم تتوفّر في غيرها، فبالإضافة إلى أن صاحبتها هي زوجته المُفضّلة وابنة صديقه الأثير، إلا أن الدار نفسها كانت الوحيدة التي تمتلك بابًا يفتح على المسجد مُباشرة، كما أنها تُطلُّ على منزل فاطمة ولا يفصلها إلا شارع واحد صغير عن منزل حفصة زوجة النبي وابنة ثاني صحابته قُربًا له وهو عُمر بن الخطاب.

وهكذا كفلت الإقامة في في حجرة عائشة للرسول أن يدخل النبي إلى المسجد ويتصل بصحابته بسُرعة كلما أراد، وأن يطمأن على ابنته و"يعلم خبرها" بعدما صنع كوّة في الجدار تُطلُّ على دارها، وأخيرًا سهّلت على عائشة وحفصة التواصل فيما بينهما عبر الجدران وتبادل الأسرار، مثلما فعلت الأخيرة عندما رأت النبي يدخل على مارية في غير يومها فأفشت السر إلى عائشة فأنزل الله قوله "وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا، قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ".

وربما لعب هذا "التقارب المنزلي" دورًا في توثّق صداقتهما، وهي الصداقة التي ستكفل انضمام حفصة إلى "حزب عائشة" وتأييدها شبه الدائم لها في كل مواقفها السياسية المستقبلية.

وباتت حُجرة عائشة مكانًا مثاليًّا للنبي؛ فكثرت جلساته به وأحبّها حتى شاع الأمر بين الصحابة فكانوا لا يُقدِّمون له الهدايا إلا حين يكون في بيت عائشة، وهو ما أغضب بقية نسائه فبعثن إلى الرسول بقية نسائه يطلبن منه "العدل في ابنة قحافة"، وهو مالم يستجب له النبي وإنما أقرَّ "فضل ابنة قحافة" بشكلٍ غير مباشر، قائلاً لأم سلمة "لا تؤذوني في عائشة"، ولمّا حاولت ابنته فاطمة التدخل أمَرها أن تتنحّى عن دعم هذا الاحتجاج الأنثوي وطلب منها أن تحبّ عائشة أيضًا!

استسلمت نساء النبي لهذا الأمر، بل وبتن ينتظرن يوم عائشة حتى يطلبن منه ما يردن، مثلما فعلت زوجته الأولى سودة بنت زمعة، أول امرأة تزوجها بعد السيدة خديجة، سبقتها في الترتيب لكنها لم تسبقها في المكانة، حتى اضطرت لاستغلال صفاء أحوال النبي خلال "يوم عائشة" لتطلب منه سودة ألا يُطلقها.

فانتظرته في طريقه إلى بيت عائشة، وطلبت منه أن يُراجعها رغبة منها في أن تُبعث وهي ضمن نسائه، ولمّا استجاب لها النبي قالت لها إنها وهبت يومها لـ"قرة عينه" عائشة.

وأيضًا جويرية بنت الحارث، التي وقعت أسيرة بعد غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) عند أحد من الأنصار، ولما أرادت أن تفتدي نفسها منه غالَى آسرها في الفداء، فذهبت إلى النبي في بيت عائشة تشكو له ما أصابها من البلاء، فعرض عليها النبي الزواج منها، ولما بلغ الخبر أهل المدينة أطلقوا جميع أسراهم؛ إكرامًا لمصاهرة الرسول إياهم، وهو ما قالت عنه عائشة: ما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

تحكي كُتب التاريخ، أن جبريل كان يتنزّل على النبي في بيت عائشة دون غيرها، وفي إحدى المرات أرسل لها جبريل السلام مع النبي! حتى أن بعض الفقهاء نعتوا حجرة عائشة بـ"مهبط الوحي"، من كثرة نزول القرآن فيها

مهبط الوحي ورأس الكفر

تحكي المرويات أن النبي كان يقمأ (يدخل) إلى منزل عائشة كثيرًا، وهو ما يُفسّر نصيب الأسد الذي استأثره هذا البيت من المكانة والأحداث الكبرى التي شهدها النبي طوال حياته، وهو ما عبّر عنه نفسه خلال حديثه إلى نسائه عن سبب تفضيله عائشة عليهن قائلاً "والله، ما نزَل الوحي وأنا في لحافِ امرأة منكنَّ غيرها".

تحكي كُتب التاريخ، أن جبريل كان يتنزّل على النبي  في هذه الحجرة دون غيرها، وفي إحدى المرات أرسل لها جبريل السلام مع النبي!

حتى أن بعض الفقهاء نعتوا حجرة عائشة بـ"مهبط الوحي"، من كثرة نزول القرآن فيها، منها على سبيل المثال ما رواه عبدالقادر منصور في كتابه "موسوعة علوم القرآن" أن بلال بن رباح أتى النبي لصلاة الصبح فوجده يبكي، فلما سأله عن السبب أجابه بأن آية "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" (سورة آل عمران) نزلت عليه هذه الليلة (في دار عائشة)، ثم قال لبلال: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر".

وما روته عائشة عن السيدة "المُجادلة" التي أتت تكلم النبي وتشكو له من زوجها، فأنزل الله قوله "قدسمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله".

في هذه الدار بشّر النبي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص بالجنة، ومنح عائشة لقب "أم المؤمنين" كما اعترف لأحد الصحابة بأنها أحب النساء إليه، ووصف عثمان بأنه "رجل تستحيي منه الملائكة".

كما كانت هذه الدار أول مكان قصده النبي عقب فشل "قبائل الأحزاب" في دخول المدينة ونجاة المسلمين منهم، ما أن خرج من الخندق دخل بيت عائشة"؛ طمعًا في نيل بعض الراحة، وهو ما لم يحدث، فلقد تجلّى له جبريل وطلب منه فورًا الخروج لقتال بني قريظة؛ لنقضهم العهد الذي بينه وبينهم، وطاعتهم لأبي سفيان.

وعندما أراد النبي أن يُكرم "أصحاب الصفة"، وهو مُسلمون فقراء لا مأوى لهم، فأخذهم إلى بيت عائشة حيث أطعمهم وسقاهم ثم عرض عليهم أن يبيتوا معه.

عندما أراد النبي أن يُكرم "أصحاب الصفة"، وهو مُسلمون فقراء لا مأوى لهم، فأخذهم إلى بيت عائشة حيث أطعمهم وسقاهم ثم عرض عليهم أن يبيتوا معه

ويبدو أن لجوء الصحابة المفرط إلى بيت عائشة زاد عن حدّه في بعض الأحوال، فحدثت واقعة طوّرت علاقة هذه الحجرة بالقرآن، فلم تعد تقتصر علاقتها بكتاب الله على استقبال آياته فقط، وإنما أنزل الله حُكمًا إلهيًا في تنظيم آلية تعامل صحابة الرسول معها.

ففي أحد الأيام، كان الرسول يستعدّ لدخول بيت عائشة، كعادته، وجد رجلين قد سبقاه إلى الداخل فرجع ولم يُكلمهما حتى قاما وخرجا، فنزل قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) والمعروفة بـ"آيةُ الحجابِ"، والتي تضبط علاقة النبي بأصحابه ولا تسمح لهم بدخول بيته وقتما يشاؤون بدون استئذان كما كانوا يفعلون سابقًا.

كما تمّت الإشارة إلى بيت عائشة مرة أخرى في القرآن مرة أخرى في قوله "وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فيقول ابن أبي حيان في تفسيره، إن المراد بأهلك هنا هو "بيت عائشة" وفقًا لقول جمهور العلماء.

ويمنحنا الواقدي، مزيدًا من تفاصيل هذا الحدث، بأن أول استعدادات النبي لغزوة أحد بدأت بخروج النبي من دار عائشة ومشيه بالمسلمين حتى أحد، وهناك راح يرصّهم للقتال كـ"أنما يقوم بهم القدح"، فإن تقدّم أحدهم أخّره حتى يقفوا جميعًا في صفٍّ واحدٍ.

بعد كل هذا لا نستغرب أن يُتوّج الرسول هذا "البيت المُبارك" بحديثه الشهير "ما بَيْنَ المِنبَرِ وبَيْنَ بيتِ عائشةَ رَوْضةٌ مِن رياضِ الجنَّةِ".

ولا يُنغّص احتفاء المرويات التاريخية ببيت عائشة إلا حديثان أوردهما البخاري في صحيحه، الأول رواه عبدالله بن عُمر بأن الرسول ذات يومٍ خرج من بيت عائشة، ثم أشار ناحيته وقال "رأسُ الكفرِ من هاهنا، من حيثُ يطلعُ قرنُ الشيطانِ"، والثاني نقلاً عن جويرية بنت الحارث، بأن النبي وقف في الصحابة خطيبًا، فأشار نحو "مسكن عائشة" وقال "هنا الفتنة -ثلاثًا- من حيث يطلع قرن الشيطان".

وهو ما فتح الجدل واسعًا حول ما يقصده الرسول بـ"رأس الكفر"، خاصةً بعد استغلال الشيعة لهذا النص للانتقاص من قدر السيدة عائشة، بسب عدائهم التاريخي معها، لكن علماء السنة اعتبروا أن المقصود ليس بيت عائشة تحديدًا، وإنما جانب الشرق، أي: بلاد فارس وما وراءها أو بلاد نجد وربيعة ومضر أو حتى العراق، وكل هذه الأماكن تقع في مشرق المدينة، وأن واحدة منها ستشهد الفتنة.

آخر نظرة من النبي للصحابة وللدنيا كانت من بيت عائشة

قبل وفاته بشهر، تنبأ الرسول بأنه يعيش أيامه الأخيرة، فقرّر جمع عددًا من كبار صحابته، نعرف منهم فقط عبدالله بن مسعود الذي روى لنا عن هذا الاجتماع، الذي كشف عن أن هذا الاجتماع عُقد في بيت عائشة، وأن النبي نعى فيها لهم نفسهم وأوصاهم بتقوى الله وعدم الاختلاف فيما بينهم.

بعدها بعدة أيام، عانَى النبي من الصداع والحمى، وكان مبيته ليلتها في بيت زوجته ميمونة، وكان من المتفرض أن يدور بعدها على بقية نسائه كل واحدة يوم كما اعتاد معهن، إلا أن نفسه تاقت لأن يُمرَّض في بيت عائشة وكان يترقّب يومها ويسأل عنه كلما مرّ عليه الوقت، لكن لما ساءت حالته استأذن أن يكسر "جدول الليالي"، فخرج من بيت ميمونة مستندًا على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب، واهن القوى لا يستطيع المشي، رأسه معقودة برباط يُعينه على تحمّل الألم، وانتقل مباشرة إلى بيت عائشة ولم يخرج منه حيًّا.

واعتبر بعض المستشرقين، أن اختيار الرسول الانتقال إلى بيت عائشة وليس بيت فاطمة الذي يقع على مقربة منه، هو أول إشارة حملت معنى "التحول من علي إلى أبي بكر"، معتبرًا إياها أول إشارة ضمنية بأن الخلافة من بعده ستكون لأبي بكر وليس لعلي.

من على فراش المرض، أمر النبي بأن يُصلي أبو بكر بالناس، وقبل وفاته بيومٍ واحد، شهد الباب الذي يربط بين بيت عائشة والمسجد نظرته الأخيرة على صحابته، بعدما فتحه وهم يُصلون الفجر، لم يستطع مُشاركتهم الصلاة واكتفى بِابتسامة وعاد من حيث أتى، وكان هذه آخر مرة يراه فيها الصحابة على قيد الحياة.

في يوم 12 من ربيع أول صعدت روح الرسول لبارئها، فأضافت وفاة النبي داخل بيت عائشة المزيد من المهابة على هذه الحجرة الصغيرة، وبعدها فتحت هذه الوفاة الباب لقيام أحداث أخرى كُبرى زادت البيت قدْرًا.

يقول موسى العازمي في كتابه "اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون"، أن البيت شهد صلاة الجنازة على النبي التي أقامها عليه الصحابة، وكان أول المصلين هما الملاكان جبريل وإسرافيل. ثم بعد ذلك تقرّر أن يُدفن الرسول في البيت مصدقًا لقول أبي بكر "ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه"، فدفنوه في موضع الفراش.

وعندها تذكر أبو بكر المنام الذي رأته عائشة سابقًا بأن 3 أقمار سقطت في حجرتها، والذي فسّره أبو بكر حينها بأن "خير أهل الأرض ثلاثة" سيُدفنون في حجرتها، تذكر أبو بكر هذه الرؤية فقال لابنته: يا عائشة هذا أحد أقمارك.

انتهى عهد النبي، ويظفر بيت عائشة بـ"خلود أبدي"، فلم يعد دارًا مفضلة للنبي عن بقية زوجاته، وإنما أصبح مستقرًّا أخيرًا لجسده، فاكتسب مكانة أيقونية في التاريخ الإسلامي حتى اليوم.

ظفر بيت عائشة بـ"خلود أبدي"، فلم يعد مهبطاً للوحي ودارًا مفضلة للنبي، وإنما أصبح مستقرًّا أخيرًا لجسده، فاكتسب مكانة أيقونية في التاريخ الإسلامي حتى اليوم، فـ"أصبح بيت عائشة، بقبوره الثلاثة، حرمًا مقدسًا عند المسلمين يلي الكعبة في المكانة"

دار المؤمنين

لم تؤدي واحدة من زوجات الرسول الدور الكامل لأم المؤمنين بعد وفاة الرسول غير عائشة، فهي الفقيهة ذات العلم الغزير التي كان يلجأ إليها المسلمون كلما أُشكل عليهم، بما فيهم الخلفاء وكبار الصحابة كأبي بكر وعثمان وعلي، وهي الزوجة المُفضّلة للنبي والخطيبة المفوّهة التي يُطلُّ بيتها على المسجد الذي يشهد الاجتماعات البارزة للدولة أو ضدّها.

فتحوّل المنزل من مجرد حجرة للسُكنى إلى ملجأ للشكوى والفتوى والاجتماعات الكُبرى التي تضم صفوة الصحابة، مصداقًا لقول النبي "خذوا ثلث دينكم من بيت عائشة"، وباتت هذه الحجرة دار المؤمنين الأولى قبل بيت الخليفة نفسه.

تروي زاهية قدورة في كتابها "عائشة أم المؤمنين"، أن الخليفة الثاني عُمر عندما شعر بدنوّ أجله عيّن لجنة من كبار الصحابة مهمتهم اختيار خليفته، ورأى عمر أن يجتمع مجلس الشورى في بيت عائشة، لأنه كان بيت النبي المفضل وفيه دُفن، حتى يتذكر المجتمعون صاحب البيت خلال مجلسهم.

وقبل وفاته بقليل استأذن عُمر من عائشة أن يُدفن في حجرتها فوافقها، ليلحق بالنبي وبصاحبه أبي بكر ويُجاورهم للأبد، وتمت إقامة سور يستر القبور الثلاثة عن الناظرين، ولم يتبقَ من الغرفة إلا 10 أمتار عاشت فيها عائشة حتى ماتت.

تقول زاهية "أصبح بيت عائشة، بقبوره الثلاثة، حرمًا مقدسًا عند المسلمين يلي الكعبة في المكانة".

ويروي غالي الشنقيطي في كتابه "الدرر الثمين في معالم دار الرسول الأمين"، أن آلاف الملائكة باتوا يحفّون بالقبر ليلاً ونهارًا ويُصلّون على النبي.

المصدر: كتاب "الدرر الثمين في معالم دار الرسول الأمين")

وعلى الرغم من أن الحجاب كان مفروضًا على عائشة، إلا أن صوتها من وراء هذا الحجاب كان كافيًا للزجر والمنع والهداية والمعارضة فلا يجسر أحد على التعرض لها أو حتى رفض ما تقول.

فرُوي عن جابر بن زيد، المُلقّب بأبي الشعثاء، وهو أحد كبار التابعين، أنه كان يذهب إلى بيت عائشة فيُخاطبها من وراء حجاب يسألها عن أدق أسرار النبي في بيته.

وعندما اختلف عمر بن الخطاب مع عمار بن ياسر في مسألة "المسح على الخف" استشارها وأجابته.

وظلّت حبيسة في بيتها، بعدما شدّد عليها عُمر في تطبيق آية "وقرن في بيوتكن" حتى منعها عن الحج والعمرة ولم يسمح لها بها إلا في عامه الأخير.

لكنها خلال ولاية عثمان بن عفان، تمتّعت بحريتها الكاملة في الخروج من حجرتها ومعارضة الخليفة، فعندما قرّر عثمان عزل عبدالله بن مسعود عن ولاية الكوفة وولّى الوليد بن عقبة بدلاً منه، فتشاجر معه عبدالله بن مسعود داخل المسجد، فوصفه عثمان بأنه "دويبة سوء"، وقبل أن يردّ على عثمان من عبدالله أتاه صوت عائشة من حجرتها مستنكرًا "أي عثمان، أتقول هذا لصاحب رسول الله؟!".

ولما استاء أهل الكوفة من سلوكيات الوليد، عامل عثمان عليهم، واشتكوا إلى عائشة، فغضب عثمان وقال: أما يجد مرّاق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا لبيت عائشة؟، ولما سمعته رفعت نعل الرسول، وقالت: "تركت سنة الرسول، صاحب هذا النعل".

وما أن انتشر أمر هذا الخلاف بين الناس حتى تقاطروا على المسجد، وراحوا يلومونه على ما قال.

وبعدها يروي ابن عساكر في كتابه "تاريخ مدينة دمشق"، أن الفتنة لما زادت في أواخر عهد عثمان اختار أن يجتمع بكبار الصحابة في "بيت عائشة"، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير، وراح يعاتبهم حتى انتزع منهم ما كرهوا منه، وخلال الاجتماع أرسلت عائشة إلى صفية لتحضر وتسمع مقالتهم، وبينهما وبين الملأ سترًا.

لم يستطع عثمان أن يُنهي الفتنة التي زلزلت آخر أيام حكمه وأدّت إلى مقتله في نهاية الأمر، وهو التصرّف الذي أثار غضب عائشة بالرغم من معارضتها لعثمان خلال حُكمه، وكان طلبها للثأر من قتلة عثمان سببًا أساسيًا في وقوع الخلاف الشهير بينها وبين علي بن أبي طالب الذي تولّى الأمر من بعده.

لكن حُرمت "حجرة عائشة" من استضافة أحداث اتفاقها مع ابن الزبير وطلحة على قتال علي والتي تمخّضت بالنهاية عما عُرف تاريخيًّا بـ"موقعة الجمل"؛ لأنها كانت حينها في مكة ومنها خرجت إلى الكوفة ولم تعد إلى حجرتها إلا بعد هزيمتها على يدي جُنود علي، وأدّت هذه الهزيمة إلى تزعزع مركز عائشة السياسي وتردّدها بعدها من التدخل بشدة في نزاعات الإمارة، فـ"قرنت" في بيتها واكتفت بالنصح واللوم من وراء حجاب.

وفي عهد معاوية، جمعت علاقة متوترة بينه وبين عائشة، فهي لم تنس أبدًا أن عمرو بن العاص قتل أخيها محمدًا حرقًا في مصر بأمرٍ من ابن أبي سفيان لأنه كان من أنصار علي، ولا يزال قبره موجودًا حتى الآن في أحد مساجد القاهرة القديمة. ولمّا بلغها النبأ راحت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص بعد كل صلاة.

وهو ما يُفسّر حالة الجفاء التي جمعت بين الطرفين خلال زيارة معاوية للمدينة، والتي كان لابد أن يتضمّن جدول أعمالها الذهاب لـ"بيت عائشة" بصحبة وفد كبير من أهل الشام.

خلال زيارة معاوية للمدينة كان لابد أن يتضمّن جدول أعمالها الذهاب لـ"بيت عائشة" بصحبة وفد كبير من أهل الشام

لم تسمح بالدخول عليها إلا له وحده، وفي داخل البيت سألته "أكنتَ تأمن أن أقعد لك رجلاً فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر؟" فأجابها معاوية "ما كنتِ لتفعلي ذلك... لأني في بيت آمن"، بعدها لا نعلم كثيرًا عن تفاصيل اللقاء باسثناء أن عائشة لعبت فيه دور المتكلم وأن معاوية "لم يخطب" واكتفى بلعب دور المستمع، وفي الختام لما قام معاوية في طريقه للخروج، قالت له عائشة: "يا معاوية، قتلت حجراً وأصحابه العابدين المجتهدين؟"، فأجابها ""دعينا وإياهم حتى نلقى ربّنا".

وما يُبرِّر أيضًا احتماء معارضي بني أمية بـ"بيت عائشة" خوفًا من بطشهم، مثلما فعل عبد الرحمن بن أبي بكر الذي عارض المحاولات المبكرة التي قام بها مروان بن الحكم، والي المدينة، لإقناع المسلمين بمبايعة يزيد على الحُكم بعد أبيه، فقال عبد الرحمن: "ما هي إلا هرقلية، إن أبا بكر لم يجعلها في أحد من ولده، ولا من أهل (بلده) ولا من أهل بيته"، فأمر مروان جنوده بالقبض عليه، لكن عبدالرحمن أسرع بالاحتماء في بيت عائشة فـ"لم يقدروا عليه"، هنا قال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: "وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي"، فردّت عليه عائشة "ما أنزل الله فينا (تقصد بني بكر) شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري (آيات تبرئتها في حادث الإفك)، أما أبو بكر فنزل فيه: "ثاني اثنين" و"محمد رسول الله والذين معه".

وعندما ماتت السيدة عائشة (58هـ) لم يحضر معاوية الجنازة بنفسه، كما غاب عن حضورها والي المدينة مروان بن الحكم بدعوى وجوده في الحج لأداء العُمرة، فصلّى عليها أبو هريرة ودُفنت في البقيع كما أوصت.

وبعدها تتضارب الأخبار بشأن مصير "الحجرة" بين روايتين؛ الأولى أنها باعتها لمعاوية بـ180 ألف درهم، أو مئتي ألف درهم، على شرط أن تسكنها مدى الحياة، والأخرى أن ابن الزبير اشتراها منها بـ"خمسة جمال تحمل المال".

ولا يُمكن هنا التوفيق بين الرواتين؛ فابن الزبير أضمر عداءً كبيرًا لبني أمية وكان أبرز من رفع راية العصيان عليهم حتى استقل بمُلك المدينة ومكة والعراق وأوشك على امتلاك زمام الأمور في كافة بقاع الدولة الإسلامية. لكن الرواية الثانية هي الأوقع بسبب العلاقة المتينة التي جمعت عائشة بِابن أختها؛ عبدالله بن الزبير، حتى أنها كانت تُكنَّى بـ"أم عبدالله"، بالإضافة لما ورد في بعض الروايات بأنها تنازلت له عن غرفتها قبيل وفاتها. لتنتهي تلك العلاقة الفريدة التي جمعت بين "المرأة الأهم" و"البيت الأهم" في التاريخ الإسلامي.

لكن بقيت الغرفة تلقى عناية المسلمين حتى بعد وفاة عائشة، فأمر عبدالله بن الزبير خلال فترة خلافته المتمرِّدة على حُكم الأمويين برفع الجدار القصير الذي كان أقامه عمر بن الخطاب حول البناء وزاد فيه.

انضمت عناية عبدالله برفع الجدار المضروب حول الغرفة إلى سلسة التعديلات الإنشائية الكبيرة التي جرت على الحجرة من وقتها حتى الآن، والتي بدأها عمر بن الخطاب عام 17 هـ بعدما أمر بهدم حائط الفناء وضم أجزاءً من هذه المساحة إلى المسجد، وهو الإجراء الذي كرّره عثمان بن عفان سنة 24هـ، وهكذا جرت هاتان الزيادتان دون مساس بالبيوت.

لكن لا نعلم إلى مَن انتهت ملكية الغرفة بعد وفاة عبدالله على يدي الحجاج قائد جيوش الأمويين لكن على الأرجح أن بين أمية وضعوا يدهم عليها ثم ضمّوها فيما بعد لمسجد النبي.

ففي ظِل خلافة عبدالملك بن مروان، أمر عامله على المدينة عُمر بن عبدالعزيز، بأن يُجري زيادة جديدة في مساحة المسجد، لم تراعِ حذر عُمر وعثمان في عدم المساس ببيوت زوجات النبي، فتم هدم جميع الحجرات عدا "بيت عائشة" الذي تم إدخاله إلى المسجد، بالرغم من أن إحدى وصايا النبي الأخيرة وهو فراش موته ألا تتحوّل مقبرته إلى مسجد كما فعل اليهود والنصارى مع أنبيائهم، ربما خوفًا من أن تتحوّل هذه الغرفة لبؤرة معارضة جديدة لا يُمكن المساس باللاجئ إليها، وهو ما يُفسّر عبارة عابرة قالها الشنقيطي في كتابه "الدرر الثمين" بأن دوافع الأمويين لتجديد المسجد النبوي وإلحاق حجرات نساء النبي به كانت "دوافع سياسية بحتة".

وبعدها بنى عُمر حاجزًا من سقف المسجد إلى الأرض، صارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها، وانحصرت بعدها معظم جهود التطوير في العناية بهذا الجدار وتغطيته بالرخام وإقامة قباب مزخرفة للسقف، دون تغيير كبير في التفاصيل وهو المكان الذي يُعرف الآن بِاسم الروضة الشريفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard