في أزمة كورونا التي نعيشها اليوم... نداء إلى الرجال

الجمعة 29 مايو 202003:15 م

أفادت تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2016 أن العالم حقق 793000 انتحاراً، وأن معظم المنتحرين كانوا من الرجال، لتكشف التقارير عن ازدياد حاد في معدلات الانتحار لعام 2019 والتي قدرت بانتحار واحد كل 40 ثانية، وأيضاً معظمهم من الرجال. ولا يبدو أن هذا الرقم في طريقه إلى الانحدار قريباً وبالأخص في ظل الأزمة الصحية العالمية التي فرضها انتشار كوفيد 19 والتبعات النفسية والاقتصادية التي ترافقت مع العزلة والحجر الصحي. وقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست في شهر مارس من العام الجاري أن أزمة نفسية أخطر من الجائحة باتت تتهدد حياة الكثيرين وسط موجة تاريخية من حالات الاكتئاب والإدمان واضطراب ما بعد الصدمة والانتحار.

وقد يبدو من الاستسهال أن نعزو السبب إلى أن النساء تبدين استعداداً لمشاركة مشاكلهن بينما يميل الرجال إلى الصمت عن صراعاتهم الداخلية. إلا أن الواقع يرينا على مدى أجيال، أن العديد من المجتمعات، وخاصة الشرقية منها، شجعت الرجال على أن يكونوا "أقوياء" ولا يصرحوا عن مشاكلهم النفسية. وحتى أكثر دول العالم تقدماً لم تسلم من إحصائية الانتحار هذه لتسجل أستراليا وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة نسباً بين الرجال تفوق النساء بأربعة أضعافها، في بعض البلدان. فهل أصبح الرجال ضحايا للعرف الاجتماعي ذاته الذي ابتكرته الذكورية؟ كيف يحاول العالم مواجهة الخطر الذي تنذر به هذه الأزمة الإنسانية والاجتماعية؟ أين هو العالم العربي من كل هذا؟

أحزان الرجال حبيسة الصندوق

لقد تلقن معظم الرجال خلال حياتهم مفاهيم اجتماعية لا تعد ولا تحصى عن أن الرجولة الحقيقية تعني "السيطرة" على العواطف والانفعالات ومشاعر الضعف والخوف. وربما علمهم هذا عدم طلب المساعدة أو عرض المساعدة أو قبول المساعدة مطلقاً.

وهذا ما يطلق عليه توني بورتر، سمات "صندوق الرجل" أو بتعبير آخر الصفات المعلبة الجاهزة للرجولة. بورتر، كاتب ومعلم ومؤسس مشارك لجمعية "نداء إلى الرجال" يرى أن خطر هذه المفاهيم على الصحة العقلية للرجال كان قائماً كل الوقت، ولكنه يتفاقم اليوم بشكل خاص خلال الأزمة العالمية. ويذكر أن ستة ملايين رجل يعانون من الاكتئاب كل عام، ولكن الاكتئاب الذكوري غالبًا ما لا يتم تشخيصه لأن الرجال يعبرون أنهم متعبون أو متوترون أو يشعرون بالملل بدل الاعتراف بمشاعر الحزن أو إحساسهم بانعدام الأهمية.

ولهذا نجد أن نسب الانتحار بين الذكور تواصل الارتفاع عالمياً منذ عام 2000 لتحقق 3.5 ضعف عنها بين النساء وما يزيد عن ذلك في بعض مناطق العالم. "غالبًا ما يبدأ هذا في مرحلة الطفولة". يقول كولمان أودريسكول، المدير التنفيذي السابق للعمليات والتطوير في مؤسسة لايف لاين،: "نحن نطلب من الصبية في سن مبكرة ألا يعبروا عن مشاعرهم، لأن التعبير عن العاطفة يعني أنك ضعيف". كما تشير مارا غروناو، المديرة التنفيذية لمركز منع الانتحار في كندا، إلى كيفية التحدث مع الأطفال وتشجيعهم على التواصل للتعبير عن أنفسهم أيضًا: "تتحدث الأمهات إلى طفلاتهن أكثر بكثير من أطفالهن الصغار... وتتعرفن على مشاعرهن وتشاركنها، وكأنهن لا يتوقعن وجود العاطفة إلا عند الإناث".

أفادت تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2016 أن العالم حقق 793000 انتحاراً، وأن معظم المنتحرين كانوا من الرجال، لتكشف التقارير عن ازدياد حاد في معدلات الانتحار لعام 2019 والتي قدرت بانتحار واحد كل 40 ثانية، وأيضاً معظمهم من الرجال

المعيل أكثر عرضة للانتحار

أظهرت نتائج الإحصائيات أن الرجال يعمدون إلى الانتحار أكثر عندما يخسرون عملهم أو مدخراتهم. يجادل الكاتب وارن فاريل في كتابه "أسطورة الرجال الأقوياء" أن الرجل بقتله لنفسه "يقتل العبء" لأن مأساة الرجال تكمن في أنهم تلقنوا إظهار عواطفهم بشكل عملي ومادي لا لفظي وعندما يعجزون عن هذا ينهارون. فالبطالة لدى الرجال، على حد تعبيره، تعادل في آثارها النفسية الاغتصاب لدى المرأة.

وبرأيه "لن يتعلم الرجال محبة أنفسهم، ولا النساء محبة الرجال ما لم يتخلص الرجل من صفة الحامي والمعيل" وبالتالي يتخلص من أعباء الكبت النفسي الذي تولده ضغوط هذه الصفة. وقد عبر عن هذه الضغوط سايمون غانينغ، الرئيس التنفيذي لحملة مكافحة الحياة البائسة، CALM بقوله "لقد نشأنا طوال حياتنا لنحكم على أنفسنا بالمقارنة مع أقراننا في سباق لنكون ناجحين اقتصاديًا". وهذا يضعنا أمام خطر جسيم في الوقت الحالي، فكما تؤكد الطبيبة يالدا سافاي المقيمة في نيويورك، أن الشعور بالاكتئاب والقلق والإجهاد المرتفع لدى الرجال أكثر من غيرهم، هو رد فعل متوقع في ظل الأزمة الصحية العالمية اليوم بسبب فقدان وظائفهم وتوقف مصادر دخلهم. ولهذا رجحت ازدياد مشاكل الصحة العقلية مثل القلق والاكتئاب في الفترة المقبلة. ومع أننا نتكيف بسرعة مع الظروف القاسية - وهي ظروف تتعارض مع احتياجاتنا البشرية للعيش والتعافي والتقدم في المجتمع، إلا أن هناك فئات من الناس أكثر هشاشة وعرضة للإصابة بالأمراض النفسية بفعل ما يعانونه من ظروف قاسية موجودة مسبقًا، كأولئك المهمشين، أو الذين يعانون من العزلة بعد تقدمهم في العمر، أو الرجال الذين نشؤوا في بيئات تمنعهم من إظهار ضعفهم.

وخطر التربية يكمن، برأي بورتر، في أن الأسر تشجع الإناث على تقدير التواصل والمشاركة العاطفيين، بينما عادة ما يعلمون الذكور تجنب مشاعرهم ورفض مخاوفهم عبر ترديد عبارات مثل "الرجال لا يبكون". وهذا الأمر قد يضع الأبناء تحت الضغط، وربما يعتقد الآباء أمام صمتهم عن الإفصاح بمشاعرهم وعجزهم عن إيصالها بأنهم لا يعانون من كرب وأن حياتهم تجري على خير ما يرام، لتتفاقم المشكلة في الظل.

كيف يَعبر المجتمع إلى السلامة النفسية؟

يشير بورتر إلى أن التركيز على قضايا الصحة النفسية هو أحد الجوانب التي حتمتها الأزمة الصحية والاقتصادية التي يمر بها العالم حالياً. وبرأيه فقد فرض انتشار الوباء العالمي والعزلة الجسدية المرافقة له الحديث عن الآثار القصيرة والطويلة الأمد على صحتنا العقلية. ويعتقد أن هذا جعلنا نقف على أعتاب أزمة عالمية للصحة العقلية. يشرح الخبراء أن القلق والاكتئاب الذي نعاني منه اليوم يضعنا أمام تأثيرات سلبية بالغة الخطورة على المدى الطويل. فالملايين اليوم يجدون أنفسهم بين فكي كماشة في مواجهة انتشار فايروس جديد وخطير، وصرامة الإجراءات اللازمة لوقف هذا الانتشار، التي عزلت الناس عن الأصدقاء والعائلة والمعالجين وغيرهم ممن يمكنهم عادة تقديم الدعم والرعاية في الأوقات الصعبة. ومع تحول أسابيع العزلة إلى شهور، يعاني العديد من الأشخاص من شعور أكبر بالوحدة والقلق في ظل انعدام اليقين عن نهاية واضحة للوباء، والخوف من الإصابة، والأزمة الاقتصادية التي كلفت أعداداً هائلة من العاملين في القطاعات غير الرسمية وظائفهم. كل هذه التغيرات في العالم تحتم علينا اتخاذ تدابير سريعة للتكيف مع متطلبات الأزمة وأهمها تعزيز التواصل العاطفي مع بعضنا البعض رجالاً ونساءً وأطفالاً لنعيد صياغة السلوك المجتمعي بشكل صحي.

يعاني العديد من شعور أكبر بالوحدة والقلق في ظل انعدام اليقين عن نهاية واضحة للوباء، والأزمة الاقتصادية التي كلفت أعداداً هائلة من العاملين في القطاعات غير الرسمية وظائفهم. كل هذه التغيرات في العالم تحتم علينا اتخاذ تدابير سريعة للتكيف مع متطلبات الأزمة وأهمها تعزيز التواصل العاطفي مع بعضنا البعض رجالاً ونساءً وأطفالاً لنعيد صياغة السلوك المجتمعي بشكل صحي

وهذا ما يعبر عنه عالم الاجتماع الأمريكي المختص بالدراسات الجندرية، مايكل كيميل بقوله "إن التشارك يعزز من صحة النساء والرجال على حد السواء ويرفع منسوب سعادتهم". والحل يبدأ أولاً بإدراك الجميع لمسؤولياتهم بالقدر الذي يدركون حقوقهم. وكما ساد اعتقاد خاطئ بأن العنف تجاه الرجال هو حماية للنساء من العنف، يتوجب على الجنسين اليوم إدراك عواقب اللامساواة والعنف المتبادل.

ويبدو اليوم أن الأطفال والناشئين هم أملنا في تغيير المفاهيم الخاطئة في المجتمع من الرجولة الحقيقية إلى الحد من العنف بين الجنسين وحتى رفع الوعي في مجال التربية، فالأطفال بطبيعتهم هم الأكثر قدرة على الحفاظ على سلامتهم النفسية حتى في أوقات التوتر والأزمات، خصوصاً إذا تلقوا النوع المناسب من الدعم. لهذا يؤكد بورتر على ضرورة سؤال الفتيان والشباب عن مشاعرهم وعدم قبول الإجابة المقتضبة "أنا بخير" دون اتخاذ خطوة إضافية لاكتشاف ما يحقق لهم الرضا ويجعلهم بخير فعلاً. وأخيراً يضيف "علينا أن نعلمهم طلب المساعدة وقبولها عند الحاجة إليها وعرض المساعدة دائماً على الآخرين".

العالم يتغير وعلينا أن نتغير معه

 فيما يعترف العالم الغربي بأزمته وتحرص الجمعيات المدنية في أنحاء العالم على الحد من ارتفاع نسب الاكتئاب ومعدلات الانتحار، تبقى المنطقة العربية متأخرة بحوالي قرن من الزمن عن هذه المساعي بحسب الدراسة الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في العام الماضي. لقد استرعت الأزمة القائمة اليوم انتباه أكثر الدول تقدماً لتوظفها في صالح التغيير نحو حياة أفضل، فجمعية "نداء إلى الرجال" في الولايات المتحدة، تسخر نشاطاتها في القطاعات المدنية والعسكرية لتنظيم المجتمع ورعاية قضايا تختص بالرجولة والتنشئة الاجتماعية الصحية للذكور وتقاطعاتها التربوية مع العنف، إضافة إلى أنها تعنى بالسعي لمنع العنف ضد النساء والفتيات. كذلك تسعى مؤسسة "لايف لاين" الخيرية في أستراليا التي تقديم الدعم في الأزمات النفسية على مدار الساعة وخدمات الوقاية من الانتحار.

كما تكرس مؤسسة "حملة ضد الحياة البائسة" في المملكة المتحدة التي جهودها لمنع انتحار الذكور. ومع أن بعض الدول العربية قد حققت تطوراً في مجال الحقوق والصحة والمساوة بين الجنسين كالإمارات العربية التي تصدرت قائمة الدول العربية في هذا المضمار، لتليها الكويت وتونس، إلّا أن الطريق أمام المنطقة العربية لا يزال طويلاً، إذ جاءت كل من هذه الدول الثلاثة في المراكز الـ120 و122 و124 على التصنيف العالمي المؤلف من 153 دولة. ما يحتم ضرورة اتخاذ خطوات فارقة في التربية الاجتماعية والنفسية للجنسين لإحداث تغييرات جذرية في النظرة التقليدية للذكور والإناث، ففي ظل معدل التغيير الحالي، سيستغرق تحقيق المساواة قرناً تقريباً، وهو جدول زمني لا يمكن قبوله ببساطة في الوقت الذي نعيشه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard