إيدير... الجيولوجي الذي حفر في عمق التراث الأمازيغي

الأحد 17 مايو 202001:39 م

إيدير أحد أهم أصوات الأغنية الأمازيغية، صوت انتقل بالثقافة الأمازيغية إلى العالم، وأبدع ما تجاوز الحدود، هاجر بعد أن ضاق المدى ولم يجد ما يناسبه كفنان، لكنه حمل وطنه معه وغنى ذاته وهويته، وحطم الحاجز، فصار صوتاً ليس فقط للجزائر، بل لكل أمازيغي.

اسمه الحقيقي حميد شربات، ولد عام 1949 بقرية "آيت لحسن" التابعة لولاية تيزي وزو. انطلق مساره كدارس للجيولوجيا واشتغل فترة قليلة كجيولوجي.

لم يكن من المتوقع أن يصبح القامة التي تحققت موسيقياً، حدث الأمر كما تحدث مصادفات في التاريخ، حضر في حصة تلفزيونية لتعويض فنانة واجهت طارئاً، كان حضوره ميلاداً قوياً لفنان انطلق كبيراً.

بدل الاستغراق في مساره كجيولوجي، حول الجيولوجي فيه إلى حفر آخر في خزان الذاكرة والتقاليد الشفوية.

حمل الاسم الفني إيدير، الذي يعني في الأمازيغية "الارتباط بالحياة"، والحياة هي التي يصيغها فن يواجه الفناء، أو كما قال الراحل محمود درويش في جداريته: "يا موت هزمتك الفنون".

حمل الاسم الفني إيدير، الذي يعني في الأمازيغية "الارتباط بالحياة"، والحياة هي التي يصيغها فن يواجه الفناء ليس فقط للجزائر، بل لكل أمازيغي

انطلق بأغنية "أفافا ينوفا" التي كانت شهادة كرست موقع إيدير، وكانت محرك قيام قامة فنية استثنائية، أغنية ترجمت إلى 23 لغة، وربما هذا ما يشكل استثناء ليس بالمقارنة مع الأغاني الأمازيغية فقط، وإنما مع أغاني كل الأنواع الموسيقية.


أفافا ينوفا من عمق خزان التراث الشفوي الأمازيغي، حكاية دفعت البعض إلى توصيفها بسندريلا القبائلية.

وربما بسبب حمولتها وبسبب الموسيقى التي أبدعها إيدير، كانت أكثر الأغاني انتشاراً.

ولقد نشرت ترجمات لكلماتها بالعربية، من بينها الترجمة التالية التي وردت في موقع تنزيض، ابركاك:

هي: أرجوك يا أبي.. افتح لي الباب

هو: آه يا ابنتي.. دعي أساورك ترجّ

هي: أخشى من وحش الغابة يا أبي

هو: آهٍ يا ابنتي.. وأنا أيضاً أخشاه

هو: الشيّخ متلفّع في بُرْنُسِهِ منعزلاً.. يتدفّأ

وابنه المهموم بلقمة العيش

يعيد في ذاكرته صباحات الأمس

والعجوز ناسجة خلف مندالها

دون توقّف.. تحيك الخيطان

والأطفال حولها يتلقون ذكريات أيام زمان

هو: الثلج رابض خلف الباب

و " الإيحلولين " يسخن في القِدْرِ

والأعيان تحلم منذ الآن بالربيع المقبل

والقمر.. والنجوم.. مازالوا مختفون

وحَطَبة البلّوط تحلّ محلّ حصيرة الصفصاف

العائلة مجتمعة تستمع بشغف ل حكايات زمان

وكانت الانطلاقة لدارس الجيولوجيا، انطلاقة حفر في التراث واستخراج دارس لما يصيغ هوية فنية غير منغلقة، وغير مختومة بأختام الدوغمائية.

في سنة 1976، ولد أول ألبوم لإيدير ومحرك الانطلاقة، وكانت انطلاقته بالتوازي مع زملاء آخرين، لكل منهم مساره، ولكنهم اشتركوا في الاستلهام من الرصيد الذي تحتفظ به شفوياً الأمهات والآباء، استلهام المنجز المتراكم للرواد والآباء الفنيين مثل سليمان عازم وشريف خدام.

وانطلق إيدير في سياق جزائر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، سياق ملتبس بمسار فرض الأحادية ونبذ الاختلاف، وهيمنة التوجه الشعبوي ومسطرة التحديد البروكستي الهوياتي، انطلاقة جعلته مع رفاقه يواجهون الاستبعاد والمحو بإبداع يؤكد الهوية.

أسماء متعددة ظهرت، لكن من أبرز من ارتقوا بالأغنية الأمازيغية وشحنوها بالقوة والانتشار، أذكر أربعة، لكل منهم ميزاته وخصوصياته، وكل واحد منهم برز وتجلى بخصوصية، هناك الحكيم لونيس أيت منقلات Lounis Aït Menguellet، الشاعر العميق الذي يمثل امتداداً للشاعر التروبادور سي محند أومحند، في القرن التاسع عشر، والمتمرد الثائر معطوب لوناس، الذي برع موسيقيا وترسخ كمتمرد، وفنان الاستعراض أحسن زرماني واسمه الفني تاكفريناس Takfarinas، الذي كان سباقاً إلى الاشتغال على كل ما يحقق المتعة البصرية والفرجة في الحفلات، ورابعهم فناننا إيدير، الذي تمكّن من إبداع ما يخرج بالأغنية الأمازيغية من الغيتو، وكان إبداعه يصل الجميع حتى من لا يفهمون الأمازيغية.

يتضاعف حزن الجزائر على إيدير الذي لم يرجع إلى بلده بعد أن غادر الحياة... احتجاج على وضع أفقد الوطن خاصيات الحاضنة، وضع أحبط الأحلام وصادر الرغبات، وضع جعل من المبدعين يعيشون ويموتون في المنفى

مبدعو الجزائر يعيشون ويموتون في المنفى

وبعد مسار طويل وحافل يفارق الساحة إيدير، ويتضاعف حزن الجزائريين لدفنه في باريس. يتضاعف الحزن لأن غالباً ما كان الدفن خارج الوطن كبيان احتجاج، وربما في حالة إيدير يرجع السبب لتأثير جائحة أربكت العالم وفرضت الحجر. وقبل إيدير، دفن الروائي الكبير محمد ديب أيضاً بفرنسا، ودفن عالم الأنثروبولوجيا والمجاهد في حرب التحرير محفوظ بنون، في الولايات المتحدة الأمريكية، ودفن المفكر الكبير محمد أركون في المغرب، ومثله محمد تازولت ... أسماء كثيرة من الجزائر ورغم عشقها للوطن، كان دفنها خارج الوطن الملهم.

تختلف ظروف كل واحد وتتباين الحيثيات، لكن ما يجمع هو أن في ذلك بياناً معبّراً عن احتجاج على وضع أفقد الوطن خاصيات الحاضنة، وضع أحبط الأحلام وصادر الرغبات، وضع جعل من المبدعين يعيشون ويموتون في المنفى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard