"بدنا نعيش للميّة"... ابحثوا عن أسرار طول العمر لدى الأجداد

الجمعة 15 مايو 202006:53 م

للوهلة الأولى، قد يبدو أنه ليس هناك من قاسم مشترك بين هذه المواقع الخمسة المبعثرة في جميع أنحاء العالم: شبه جزيرة نيكويا في كوستاريكا، سردينيا في إيطاليا، إيكاريا في اليونان، أوكيناوا في اليابان ولوما ليندا في كاليفورنيا، ولكن بالنسبة لأي شخص يرغب في العيش حياة طويلة وصحية، ربما تكون هذه أفضل خمسة أماكن يمكن للمرء أن يولد فيها.

المناطق الزرقاء

في العام 1976، شعر اليوناني ستاماتيس مورايتس، الذي كان يعمل في الولايات المتحدة الأميركية، بضيق في التنفس، وسرعان ما تبيّن أنه يعاني من سرطان الرئة، وتوقع الأطباء وفاته خلال تسعة أشهر.

وبعدما علم بحقيقة وضعه الصحي، قرر مورايتس الذي كان يبلغ من العمر حينها 61 عاماً، العودة إلى مسقط رأسه في جزيرة إيكاريا اليونانية، ليدفن في مقابر العائلة، إلا أنه شعر هناك بتحسن كبير في حالته الصحية، والمفارقة أن "شبح الموت" لم يسلبه من أحبائه، بل بقي على قيد الحياة حتى توفي بشكل طبيعي في العام 2013، عن عمر ناهز الـ98 عاماً.

 العديد من الدراسات ركزت على فوائد حمية البحر الأبيض المتوسط، التي تتبعها العديد من الدول مثل لبنان وسوريا، لجهة الوقاية من الأمراض

في الواقع، تعتبر جزيرة إيكاريا من بين "المناطق الزرقاء"، حيث تكون فرص الناس في العيش حتى سن الـ100 أعلى بعشر مرات من المتوسط.

وقد نشأ مصطلح "المناطق الزرقاء" لأول مرة مع عالم الأوبئة الإيطالي جياني بيس، والمتخصص في علم الإحصاء السكاني البلجيكي ميشيل بولان، بعد أن كانا يحققان بشأن معدل الوفيات في سردينيا، ومن خلال العمل مع الصحافي الأميركي دان بيوتنر، تم استخدام حبر أزرق لتحديد 5 مناطق على الخريطة يعيش فيها الناس أعماراً أطول من غيرهم ويتمتعون بصحة جيدة.

وفي السنوات اللاحقة واصل العديد من العلماء أبحاثهم حول "المناطق الزرقاء"، مع طرح العديد من الفرضيات المثيرة للاهتمام حول ما قد يفسر طول العمر في هذه المناطق تحديداً.

خصائص معيّنة

في كتابه "حل المناطق الزرقاء" الذي صدر في العام 2015، حاول دان بيوتنر تحليل أنماط حياة الناس الذين يعيشون في المناطق الزرقاء، ولاحظ وجود خصائص معيّنة يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

النظام الغذائي: في الماضي كانت هناك عادة منتشرة بكثرة لدى سكان المناطق الزرقاء وهي الميل إلى استهلاك الطعام باعتدال، ففي أوكيناوا على سبيل المثال، يتبع المسنون القاعدة القديمة Hara hachi bu والتي تعني التوقف عن تناول الطعام عندما تكون المعدة ممتلئة بنسبة 80 % لتجنب زيادة الوزن.

وبحسب الدراسات العلمية، يُترجم ذلك إلى حوالي 10% سعرات حرارية أقل من التوصيات الحالية للمتوسط العادي.

ويبدو أن هذه النقطة قادرة على إبطاء الشيخوخة، فقد أظهرت الدراسات التي أجرتها الباحثة في عملية التمثيل الغذائي والشيخوخة في جامعة ويسكونسن، روزالين أندرسون، أن قرود المكاك التي تتبع أنظمة غذائية مقيّدة بالسعرات الحرارية، لديها خطر أقل بشكل ملحوظ من الإصابة بالأمراض المرتبطة بالعمر، مثل السرطان، السكري وأمراض القلب، كما أن هذه القرود تبدو أصغر سناً، إذ استغرق الفرو لديها وقتاً أطول ليصبح رمادياً.

وبالرغم من أننا لم نفهم حتى الآن الآليات الكامنة وراء هذه التأثيرات، إلا أن تقييد السعرات الحرارية يبدو أنه يقلل من تراكم الجذور الحرة السامة التي يمكن أن تتلف الخلايا.

واعتبر بعض العلماء أن الجسم ينظر أيضاً إلى انخفاض استهلاك السعرات الحرارية باعتباره إجهاداً خفيفاً للغاية، ما يجعله يصب تركيزه على صيانة الخلايا، بدلاً من بناء أنسجة جديدة.

وبحسب عالم الوراثة في جامعة هارفرد، ديداهالي جوفينداراجو، فإن هذا الأمر يقلل من خطر تكوين تغيرات ضارة في الحمض النووي، شارحاً ذلك بالقول: "يبدو أن تقييد السعرات الحرارية يقلّل من تلف الحمض النووي، وتحسين إصلاح الحمض النووي... ويبدو أن سلامة الجينوم سمة بين المعمرين".

الاتصال الروحي: بالإضافة إلى عاداتهم الغذائية، فإن الحياة الاجتماعية التي يتمتع بها هؤلاء المعمرون هي ذات أهمية متساوية، إذ يميل الناس في المناطق الزرقاء للعيش في مجتمعات مندمجة للغاية.

وكما هو معلوم، فإن الشعور بالارتباط الاجتماعي يساعد في تقليل آثار الإجهاد، في حين أن الحفاظ على الصداقات يشجع على زيادة النشاط العقلي والبدني بشكل عام.

ففي إحدى تحليلاتها، وجدت جوليان هولت لونستاد، عالمة النفس في جامعة بريغهام يونغ، أن جودة علاقاتنا مهمة لصحتنا، تماماً مثل التمارين الرياضية أو النظام الغذائي.

ويشكل الدين مصدراً مهماً للتواصل الاجتماعي في المناطق الزرقاء: معظم سكان لوما ليندا هم من الطائفة السبتية (طائفة بروتستانتية ألفية)، في حين أن النيكويين والسردينيين كاثوليك، والإيكاريين هم أرثوذكس، أما في أوكيناوا ينتمي السكان المحليون إلى ديانة ريوكيوان.

وفي هذا الصدد، كان بويتنر قد وصف في كتابه كيف أن المعمرين في المناطق الزرقاء الذين قابلهم، وعددهم 263 شخصاً، كانوا جزءاً من مجتمع روحي ما باستثناء خمسة.

وبالإضافة إلى التواصل الاجتماعي، توفر الممارسات الدينية إحساساً بالهدف من الحياة وتقدم العزاء أثناء خيبات الأمل، الأمر الذي قد يزيد ما بين سنة وخمس سنوات إلى متوسط العمر المتوقع للمؤمنين.

قد تكون هذه الأنباء سيئة بالنسبة للملحدين، ولكن لا شك أن هناك طرقاً أخرى يمكن أن يجني فيها هؤلاء نفس الفوائد، من خلال التأمل والدعم الاجتماعي.

المشروبات الساخنة: بالإضافة إلى أوجه الشبه الواسعة بين المناطق الزرقاء، يمكن أن تعطينا بعض الأمور الفريدة من نوعها أيضاً بعض التلميحات حول أسرار طول العمر الاستثنائي.

عندما يتعلق الأمر بالعناصر المحددة في النظام الغذائي، من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه في جزيرة إيكاريا اليونانية، من المعروف أن السكان يشربون بضعة أكواب من الشاي والقهوة يومياً، ويبدو أن هذا الأمر مرتبط بتقليل خطر الإصابة بأمراض القلب وتحسين الأوعية الدموية.

هذا الاكتشاف يتناسب مع الدراسات التي تظهر أن استهلاك بضعة أكواب من المشروبات الساخنة يومياً يمكن أن يقلل من خطر حدوث بعض المشاكل، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، نتيجة احتواء هذه المشروبات على العديد من المغذيات، مثل المغنيسيوم والبوتاسيوم والنياسين وفيتامين E، التي تعمل كمضادات للأكسدة وتزيل الجذور الحرة التي قد تكون وراء العديد من الأمراض.

وفي هذا الصدد، هناك اعتقاد بأن القهوة اليونانية، المصنوعة عن طريق غلي البن في وعاء ضيق طويل، مفيدة بشكل خاص للجسم، لأنها تطلق البوليفينولن، وهي فئة من المركبات النباتية الموجودة بشكل طبيعي في الأغذية النباتية، مثل الفواكه والخضروات والأعشاب والتوابل والشاي، والتي تقلل الالتهاب في جميع أنحاء الجسم.

بالطبع، فإن المشروبات التي تحتوي على الكافيين لا تعتبر "إكسير حياة" مضمون، ولكن إلى جانب اتباع نظام غذائي معتدل منخفض السعرات الحرارية، فقد تساهم في حياة أطول وصحة أفضل.

هذا وقد أثار طول العمر الاستثنائي لسكان أوكيناوا الكثير من الاهتمام، بخاصة وأنه تبين أن هؤلاء السكان يستهلكون مكونين أساسيين: البطاطا الحلوة ونبات الكريلا، أو القثاء المر Bitter Melon.

ففي حين أن الأرز هو من الكربوهيدرات الأساسية لمعظم سكان اليابان، فإن البطاطا الحلوة كانت الأكثر شيوعاً في أوكيناوا، منذ التعرف عليها لأول مرة في القرن السابع عشر.

على عكس بعض الأطعمة مثل الخبز الأبيض، فإن البطاطا الحلوة تحتوي على مؤشر منخفض من نسبة السكر، ما يعني أن طاقتها تطلق ببطء في مجرى الدم، كما أنها غنية بالعناصر الغذائية مثل الفيتامينات A و C و E ومضادات الأكسدة التي يمكن أن أن تقلل أيضاً من الالتهابات، كما أنها تضم البوتاسيوم وغنية بالألياف، الأمر الذي يقلّل من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

أما بالنسبة لنبات الكريلا فهو شبيه بالخيار، ومذاقه يشبه إلى حدّ ما الشاي الأسود، فيدخل في العديد من الأطباق مثل السلطات والتمبورا بالإضافة إلى العصير.

وعلى غرار القهوة اليونانية، فإن نبات الكريلا يضم مركبات تعدل الغلوكوز والتمثيل الغذائي، ما يقلّل من خطر الإصابة بمرض السكري.

العودة إلى الجذور

لا شك أن هناك علاقة وثيقة بين الطعام الذي نستهلكه ومسألة طول العمر، وفق ما أكدته أخصائية التغذية، أماندا شعلان.

وفي حديثها مع موقع رصيف22، قالت شعلان: "كلما واحد كبر بالعمر، كلما بيزيد الـRisk (الخطر) يصير عندو أمراض مثل السكري والقلب والسرطان، وهون منقول قديه الأكل مهم وبيساعد على طول العمر".

وأوضحت شعلان أن العديد من الدراسات ركزت على فوائد حمية البحر الأبيض المتوسط، التي تتبعها العديد من الدول مثل لبنان وسوريا، لجهة الوقاية من الأمراض.

وعددت أماندا الاسباب التي تجعل هذه الحمية من أفضل وصفات الحمية الغذائية في العالم: "هذا النظام الغذائي غني بالخضار والفاكهة والبقوليات والأطعمة غير المعالجة، هناك انخفاض في استهلاك اللحوم ومشتقاتها لصالح استهلاك للبروتين قليل الدهن، من الأسماك التي تحتوي على أحماض أوميغا 3 الدهنية، تناول الكحول بشكل معتدل مع التركيز على فوائد النبيذ لصحة القلب والشرايين، كما أن هذه الحمية غنية بالدهون غير المشبعة بالأخص زيت الزيتون"، وأضافت:" هذه الخصائص التي تميز حمية البحر الأبيض المتوسط تقف بوجه الأمراض المزمنة، مثل السكري، ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب والسرطان".

وشددت شعلان على ضرورة العودة إلى الأنظمة الغذائية التي كان يتبعها أسلافنا من أجل تحسين نوعية حياتنا: "من قبل كانوا جدودنا يعيشوا أكتر لأنوا كانوا ياكلوا الأكل الموجود بالبيت"، مشيرة إلى أنه في السابق، كانت الأطباق تعتمد بشكل رئيسي على البرغل، العدس، الفاصوليا وغيرها من الحبوب، فيعدون مثلاً المجدرة والمدردرة، بالإضافة إلى اليخنات النباتية، مثل الملوخية، اللوبية بالزيت والسبانخ، "وهي أطعمة غنية بالفيتامينات والمعادن والألياف، ما يساهم في إطالة العمر عن طريق درء الأمراض وتقوية جهاز المناعة"، على حد قولها.

وفي السياق نفسه، أكدت أن المكونات الرئيسية التي تتضمنها مثل هذه الأطباق التقليدية، مثل البصل، الثوم، الكزبرة وزيت الزيتون، مفيدة للغاية: "اعتاد الأجداد على تناول الحمص والفول والزعتر على وجبة الفطور، والمكون الرئيسي في هذه الأطباق هو زيت الزيتون، الذي يحتوي على دهون غير مشبعة، كما أنه يحمل فوائد صحية عديدة".

بالرغم من أننا لم نتمكن من اكتشاف إكسير حياة مضاد للشيخوخة والموت، أو طعام "خارق" يطيل العمر، إلا أن هناك العديد من الطرق التي يمكننا أن نتبعها من أجل تحسين جودة حياتنا

وأوضحت أماندا شعلان أنه في عصرنا هذا تغيّر النظام الغذائي بشكل ملحوظ، إذ أصبحنا نتناول الكثير من الأطعمة المصنّعة واللحوم الحمراء والمقالي، بالإضافة إلى الاستهلاك المرتفع للسكريات والكربوهيدرات الموجودة في المعجنات والحلويات، وكلها أمور تزيد من احتمال تعرض المرء لأمراض مزمنة، وبالتالي تؤثر سلباً على متوسط العمر.

في الختام، من الواضح أن طول العمر الاستثنائي للمناطق الزرقاء لا يمكن حصره بمكوّن سحري واحد، ولكنه مزيج من العديد من العوامل.

وبالرغم من أننا لم نتمكن من اكتشاف إكسير حياة مضاد للشيخوخة والموت، أو طعام "خارق" يطيل العمر، إلا أن هناك العديد من الطرق التي يمكننا أن نتبعها من أجل تحسين جودة حياتنا، والتشبه بأسلوب حياة سكان المناطق الزرقاء، لجهة استهلاك الأطعمة باعتدال، الإكثار من تناول الفاكهة والخضار، ممارسة التمارين الرياضية، شرب القهوة والشاي وإيجاد مساحة للتواصل الروحي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard