مسحراتية القدس... المطلوبون رقم واحد للاحتلال في رمضان

الخميس 14 مايو 202004:21 م

تخترق أصواتهم العذبة ليل المدينة، على إيقاع أصوات طبولهم، لإيقاظ أهلها لتناول السحور وأداء صلاة الفجر. ولكن فجأة، تتحوّل مهمتهم إلى عمليات كرّ وفرّ مع جنود الاحتلال.

"يلاحقني الاحتلال منذ 12 سنة"، يروي لرصيف22 نضال حجازي (31 عاماً)، مؤسس الأسلوب الحالي للتسحير في القدس والذي تجمعه مع الفرق الناشطة في المدينة علاقة إشراف أو صداقة. في إحدى ليالي رمضان، غيّب الموت المسحراتي الذي نشأ على صوته، فقرر، هو وزملاؤه في "فرقة أبناء القدس للدبكة الشعبية" القيام بمهمة التسحير.

قدّم الفريق المكوَّن من 14 شخصاً أداءً يعبّر عن هوية المدينة. قسموا البلدة القديمة إلى ثلاثة مناطق تتجوّل في كل منها فرقة تتكون من مسحراتي يشدو وآخر يحمل الطبلة واثنان يحملان الفوانيس.

التزموا بزي موحَّد، هو الزيّ الفلسطيني التقليدي، وقوامه حطة وعقال للرأس وقميص داكن وزناد على البطن وشروال (سروال فضفاض بين الخصر والركبتين).

يطوف نضال (31 عاماً) في شوارع القدس منشداً: "يا نايم وحّد الدايم، يا نايم العمر مو دايم، من صام رمضان دخل جنة عدنان". دخل إلى يوتيوب واستمع إلى ما يردده المسحراتية وأناشيد مادحة للرسول وراح يزيد عليها ويحوّلها إلى أغاني، ثم عممها على الفريق الذي يضيف عليها كلاماً مرتجلاً بدوره.

بملابسهم الجميلة ومصابيحهم التي تنير الأماكن المظلمة في بلدة القدس القديمة، يسيرون ويسير الأطفال خلفهم. حفظ الصغير والكبير ما يقولونه.

سنوياً، يتقدّم عدد كبير من المقدسيين ليكونوا مسحراتية، ويشترط لاختيارهم أن يكون صوت المتقدّم جميلاً ومعاملته للناس جيدة ومخارج حروفه مفهومة.

هذا العمل التقليدي البسيط يثير حفيظة القوات الإسرائيلية. يرى نضال أن الاحتلال يريد إلغاء المسحراتي من قاموس القدس، ويشرح أن أشكال المضايقات التي يتعرّض لها تنقسم بين انتهاكات الجنود الذين يتعمدون تعطيل قيامه بالتسحير بشتى الطرق، بدءاً من توقيفه لعدة ساعات أو اعتقاله لعدة أيام، بتهمة إزعاج الأطفال اليهود، "بينما المستوطنون يلقون بالمياه القذرة والأوساخ ويتصلون بالشرطة هاتفياً مستغيثين: ‘لقد خوّفوا أولادنا’".

تحوّلت بعض أيام التسحير إلى كرّ وفرّ مع قوات الاحتلال، كان أصعبها عام 2015 بعد قيام عملية ضد جنود في القدس، ما حوّل المدينة إلى ثكنة عسكرية، فراحت دوريات عسكرية تطوف كل ثلاث ساعات، وصار مسحراتي واحد يقوم بلفة سريعة لعدم السماح بالتجمعات.

الأكثر مواجهة مع الاحتلال

"التسحير ليس جريمة"، يقول أحمد حجاج، أكثر المسحراتية اعتقالاً في القدس. ويروي لرصيف22 أنه كان أحد الأطفال السائرين خلف نضال حجازي، قبل أن يضمّه إلى فرقته، ويدرّبه.

قبل رمضان بيومين، تستعد فرقة حجاج عبر التدريب على الالتزام بإيقاع واحد حتى لا يكونوا مزعجين. في أول أيام رمضان، تهلل لقدوم الشهر وفي وسطه تردد أناشيد كطلع البدر علينا ويا نور النبي، وفي أواخره يتوحشون الشهر ويتمنون بقاءه.

سنوياً، ينضم مسحراتية جدد إلى فرقته، لصعوبة تغطية القدس بفرقة أو فرقتين، واعتزال بعض المسحراتية عملهم بسبب زواجهم وإنجابهم.

عانى حجاج (25 عاماً) من الاحتلال أشكالاً وألواناً من المضايقات، تبدأ بتحرش الجنود أو المستوطنين به بالأيدي والكلام البذيء، وتمرّ بتوقيع غرامات مالية عليه قدرها بين 450 وألف شيكل (130 و285 دولاراً)، وصولاً إلى اعتقاله لأكثر من يوم.

في القدس، تسمح السلطات الإسرائيلية بسير مواكب الحريديم "المتدينين" وبالحفلات الصاخبة في الشوارع، ولكنها تضيّق على عمل المسحراتية في شهر رمضان، ضمن إجراءاتها الهادفة إلى طمس الهوية الإسلامية-المسيحية للمدينة

صارت ملاحقات الاحتلال لحجاج منذ عام 2018 روتيناً يومياً، حتى نصحه المحيطون به بالانسحاب ليردّ قائلاً: "لا أقوم بعمل إرهابي لأهرب منه"، بل ووصل اسمه إلى داخل الكنيست، حين استنكر نواب عرب توقيفه وزملائه.

مقابل هذه الضغوطات يحظى حجاج بتقدير المقدسيين الذين يلاقونه خلال جولاته ويقدّمون له زجاجات المياه وطعام السحور، وفي وقت الحاجة يخفونه عن أعين الاحتلال، تعبيراً عن امتنانهم له.

آخر عنقود المسحراتية

"رمضان شهر الرحمة والغفران. شيمة على خدي اليمين صلوا على النبي الأمين. شيمة على خدي اليسار. صلوا على النبي المختار". بهذه الكلمات يصدح صوت رخيم، هو صوت آخر عنقود مسحراتية القدس محمود بدر (18 عاماً).

سطرت شرفة منزل محمود بداية حكايته مع التسحير. كان ينتظر نضال حجازي يومياً في رمضان ويكتب كل ما يقوله، ومنذ أربع سنوات طلب منه الاستماع إلى صوته وضمه إلى مجموعته.

ينطلق قبل الفجر بـ42 دقيقة، في منطقة الشيخ ريحان في حارة السعدية. سنوياً، يستعد، هو ورفاقه، لرمضان بشراء الزي والطبلة على نفقتهم الخاصة. زي العام الماضي كان ذهبياً والحالي زيتي داكن. وتتغير الكلمات التي يرددونها وهذه السنة أضافوا: "يا نايم قوم ادعي دعاء ربنا يرفع الوباء".

لم يترك الاحتلال بدر منذ يومه الأول، بين توقيف وتوقيع مخالفات بعدم التسحير لعدة الأيام وغرامات مالية، إلى الاحتجاز لمدة 24 ساعة. أصعب ما واجهه كان العام الماضي عندما احتجز ودفع 475 شيكلاً وأوقف لمدة 10 أيام، ورغم ذلك يعاود نشاطه في اليوم التالي محاولاً الابتعاد عن جنود الاحتلال.

شهادات مقدسية

"أحلى شي الاستيقاظ على المسحراتي وهو يغني المدائح النبوية"، تقول عفاف الدجاني، مسؤولة لجنة المرأة في هيئة المرابطين في القدس، لرصيف22، مشيرة إلى أن المقدسيين يستقبلون دقات المسحراتي بكل سرور، ويتفاعل الأطفال معهم، ويتبارى الباقون بتقديم الشاي والحلوى لهم وحمايتهم من قوات الاحتلال.

في القدس تضيّق السلطات الإسرائيلية على مَن يهتف "يا نايم وحّد الدايم، يا نايم العمر مو دايم، من صام رمضان دخل جنة عدنان" لإيقاظ المسلمين لتناول طعام السحور

وتروي الدجاني: "صار مشهداً عادياً أن تجد صبياً بعمر 12 سنة يقوم سبعة جنود أو أكثر بضربه"، وتضيف: "يعتقلون المسحراتي عدة مرات والمستوطنون يعتدون عليهم ليلاً، بحماية الشرطة والجيش".

يصف حنا عيسى، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس، الإجراءات ضد المسحراتية بأنها "برنامج ممنهج"، مبيناً أن إسرائيل اتخذت عدة إجراءات منذ احتلالها للمدينة لتسبغها بالطابع اليهودي، عبر حفر 300 نفق تحت الحرم القدسي، وبناء المستوطنات، وأخذت الأزمة خطوات أسرع بعد قانون يهودية الدولة ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، عبر إنشاء أكثر من مئة كنيس يهودي في المدينة وحولها، وتأسيس مقبرة ضخمة بتكلفة 300 مليون شيكل (85 مليون دولار).

وأكد عيسى لرصيف22 أنهم يحاولون طمس الهوية العربية سواء إسلامية أو مسيحية عبر منع مسؤولي الأقصى من مزاولة عملهم، ومحاولة تمرير قانون منع الأذان، وإغلاق أبواب الكنائس بسبب ضرائب باهظة بلغت 190 مليون دولار، وتقضي الخطة بأنه بحلول عام 2025 يكون 12% فقط من سكان القدس عرباً، وإقامة القدس الكبرى على مساحة 600 كيلومتر بعدد سكان يبلغ ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة.

وأضاف أن إسرائيل تحدّ من عمل السلطة الفلسطينية في المدينة، وأغلقت مكتبي السياحة والتربية والتعليم، ومنعت مكتب الأوقاف من العمل رغم تبعيته للأردن مباشرة، ومنعت وزير شؤون القدس أو محافظ المدينة من التحرك، كما استغلت ظروف كورونا لإغلاق أي عيادات خاصة تابعة للسلطة.

من جانب آخر، يعتبر ياسر طنطاوي، خبير الشؤون الإسرائيلية ونائب رئيس تحرير في مؤسسة دار التحرير المصرية، أن الظروف الدولية بعد طرح "صفقة القرن" ليست لصالح المقدسيين، فهناك قادة سياسيون في البيت الأبيض توجهاتهم صهيونية، يرأسهم صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشينر، وهم عرّابو صفقة القرن ومخططو نقل السفارة إلى القدس، ويسعون إلى إرضاء اللوبي الصهيوني بكافة الطرق، وهو ما استغله رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو.

وأكد طنطاوي لرصيف22 أن إسرائيل لديها خطة للسيطرة على القدس تتعدى منع الأذان أو التسحير وبدأت بتغيير أسماء المناطق العربية في المدينة وشرائها، وتهدف إلى طمس الهوية العربية وترحيل المقدسيين، وستحاول قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة استصدار قرارات بتوقيع ترامب لتسريع مخططاتها.

ذرائع الاحتلال

"لا يستطيعون الخروج عن طبيعتهم اللاأخلاقية"، يقول ياسر أبو سيدو، مسؤول العلاقات الخارجية لحركة فتح، في وصفه لذرائع الاحتلال للاعتداء على المسحراتية.

ويضيف لرصيف22 أن لا سند قانونياً لهذه التضييقات وهي عبارة عن قرارات إدارية تنتهك القانون الدولي، وهي جزء من الثقافة الصهيونية فقد قال تيودور هرتزل عام 1893 "عندما يستتب لنا الأمر في أورشليم سنغيّر كل ما يخالف وجهة نظرنا"، حسبما ذكر.

وأكد أبو سيدو أن التذرع بالضوضاء وإزعاج المستوطنين عمل متناقض لأنهم يسمحون بمواكب الحريديم "المتدينين" والحفلات الصاخبة في الشوارع، وهذه الذريعة أصبحت مسوغاً لوقف أي شعيرة إسلامية ومسيحية كالأذان وأجراس الكنائس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard